الرئيسية > خزامى الصحارى

اقتفاء تراثنا الشعبي في كتب الرحالة الغربيين (2/2)

قصة الحلم الذي كان يدعوه لأخذ الثأر من أحد أعضاء قافلة بلنت



إعداد: سعود المطيري

وتستمر آن بلنت في وصف بعض الأحداث المهمة أثناء بقائها ببلدة جبة وقصة الثأر التي كادت أن تفقدهم أبرز الإدلاء (محمد) الرجل الشجاع الذي كان قبل ذلك لا يبالي بأخطار الطريق:

قبل أيام من وصولنا جبة بدا على محمد (الدليلة) انزعاج كبير كلما برزت مشكلة. مقابلة عرب في الطريق أو التعرف على أناس وهو الذي كان لا يبالي عادة بأخطار الطريق لقد صرفنا عن النظر حولنا بحثاً عن الخيام أكثر من مرة وعندما قابلنا الرجل الوحيد مع الجمال والرجل الذي سميناه جاسوساً أجاب إجابات قصيرة على استفساراتهما عن من نحن وعن الجهة التي نقصدها ولم يبد أي إيضاح لسبب قلقه حتى مساء وصولنا إلى جبة وعندئذ اتضح أن راضي ذكر أثناء الحديث اسم شيخ ما وقال إنه يعيش في تلك الجهات، وتذكر محمد أن شيخاً بذلك الاسم غزى تدمر منذ سنين كثيرة. دار قتال وقتل رجل أو اثنان في المعركة وكان هذا كافياً ليسبب احتمالاً كبيراً أن الثأر لم يسو بعد ومن أجل ذلك توسل إلينا ألا نذكر اسمه في جبة إذ أنه هو وعبدالله من أهل تدمر وصار من حسن الحظ أن تدمر لم يذكرها أحد بعد أثناء الحديث وفي المساء جاء إلينا وهو متألق جداً ليخبرنا بأنه لم يعد هناك أية حاجة لنظل تحت وقع الشر. فقد استطاع بعبقرية أن يجر الحديث مع نائف إلى الموضوع الذي شغله، وعلم أن الثأر قد اعتبر منتهياً. كان أميراً للحج أيام أخيه طلال وهو مركز يخلع على صاحبه شرفاً ويدر له ربحاً وبصفته تلك تعرف على كثير من أهل تدمر في الأماكن المقدسة كان قد ألف بينهم وبين قومه فهو إما قد دفع الدية بنفسه أو طلب التنازل عن الانتقام وأعلن أن الثأر قد انتهى. وأياً كان السبب الذي جعل الأمير يسعى لإقرار هذا السلم فقد كانت من ملابسات الحظ بالنسبة لنا ومحمد ونائف الآن من أحسن الأصدقاء.

وفي صباح مغادرتنا جبة مكثنا هناك ليلتين قص نائف على محمد وهو يودعه حلماً غريباً رأه تلك الليلة قال إنه ذهب لينام وهو يفكر في الثأر القديم وفي نومه ظن أنه سمع صوتاً (يعيره) أنه أهمل واجبه في الانتقام من الرجل الذي كان ضيفه ووقع تحت هم كبير للتعارض بين واجب الانتقام وواجب الضيافة ولذا نهض من نومه يتحسس بحثاً عن سيف، ووجد نفسه يفعل هذا عندما استيقظ. ثم تذكر أن الثأر قد انتهى وقال الحمد لله وذهب لينام من جديد وقال لمحمد في نهاية القصة: أي شيء فظيع كان سيقع لو أجبرت على قتلك. أنت ضيفي.. وزعم محمد لنا أنه حتى إذا لم يكن الثأر قد سوي، فإن نائف ما كان ليفعل أي شيء ضده بعد أن أكل وشرب معه في بيته وعلى الأقل، هكذا ستكون القاعدة في تدمر ولو أن الأخلاق في نجد قد تكون أكثر صرامة.

وكان شباب القرية فضوليين ومزعجين وكنا مجبرين على أن نثير ذلك لمضيفنا وهو أمرٌ غير مستحب ولكنه ضروري في بعض الأحيان ونستطيع أن أقول انهم لم يقصدوا ضرراً ولكن طباعهم وكان في نغمتهم شيء ما عدواني تقريباً عن (النصراني) وكان من الملائم أن يكبح. ويسرني أن أقول إن هذه المرة الوحيدة التي رأينا فيها إشارة إلى الدين غير سارة في بلاد العرب. فالعرب بطبيعتهم متسامحون إلى آخر درجة في هذه النقطة. والتعصب القومي أو الديني نادر للغاية.

وعلى أية حال فقد جعلتنا هذه القصة الصغيرة قلقين نوعاً ما على استقبالنا المحتمل في حائل. فلم يتوغل أي أوروبي واحد ولا مسيحي من أي جنس قبلنا كما توغلنا في جبل شمر وكل ما عرفناه عن الناس والبلاد كان استحضاراً لتقرير المستر (بلجريف) عن زيارته تلك البقاع متخفياً منذ ستة عشر عاماً.

* رحلة إلى بلاد نجد آن بلنت

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة