
القصائد للشاعر حميدان الشويعر تطرق إليها الكثيرون من المهتمين بالشعر النبطي، بل وألفت حولها العديد من المؤلفات ولا تزال الحاجة قائمة لمزيد من البحث والمناقشة حولها، وذلك لما يستجد من فهم حولها وما تضمنته أيضاً من غموض في بعض جوانبها.
ولست في هذا المقال متطرقاً لأشعار حميدان الشويعر، لكن لعلي أعيد قصيدته الهمزية، ولا آتي بجديد يذكر، يسبق من قبلي ولا يعطي أكثر مما أعطوا، لكن لعل في الإعادة تجديد للإفادة، فمن حيث مقارنة القصيدة الهمزية بقصائد الشاعر الأخرى يبدو أن فيها غرابة عن غيرها، بل انفرادها بثوب مختلف وشكل مغاير وكأنها من شاعر آخر، بل ولمجتمع آخر، ومع هذا لا أحد يخرجها عن قصائده والسبب في ذلك احتوائها على بصمة الشاعر وأيضاً احتمال أن الشاعر له قصائد كثيرة جداً أكثر مما وصل إلينا ومنها قصائد على نمط القصيدة الهمزية.
ولا شك أن الشاعر الذي عاش أكثر من ستين سنة أو أكثر ومد العمر به، حتى تعب من الامتداد كما يقول:
يا صبي استمع من عويد قضى
الدهر مدَّ به لين ما قصري
ما بقي منه غير العصب والعظام
مثل عود على الدرب ومقشري
له الكثير من أمثالها فهذا العود من الشجرة الذي يبس وقشرته الرياح من طول المدة والذي يشبه نفسه به ليس من المعقول أنه لم يقل إلا ثلاثين قصيدة أو أكثر قليلاً مع أن الشاعر يقول في السنة أكثر من ذلك وفي كل غرض وفي كل مجال.
إذا ربما له إنتاج كثير على منوال القصيدة الهمزية، لكن الناس لم يتناقلوا إلا ما سهل ويسهل عليهم ويتناسب مع مرادهم من الشعر، إنهم يستخدمون أشعاراً في أعمال الزراعة وفي البناء وفي السفر، وقليل ذكرهم للشعر في مجالسهم، ولا أعني كل الناس لكن أعني بيئة الشاعر حميدان وبلده (القصب) والدليل على ذلك أن كثيرا من كبار السن اليوم بل والأمس لا يهتمون بشعر زهير بن أبي سلمى، أو جرير أو الخطيئة، أو الفرزدق، بل ولا بعض شعراء النبط الذين لا تتوافق قصائدهم مع رغبة وحاجة الناس.
فهم يأخذون ما يرغبون فيه ويتركون ما سواه فتناقلوا مثلاً قصائد حميدان الشويعر للحريث وضريب الأرض والإنشاد بها فقط في أعمالهم الجماعية.
إنهم يرفعون أيديهم بالمساحي وهم يقولون (يا صبي استمع)، ثم ينزلونها وهم يقولون (من عويد قضى)، ثم يرفعونها ثانية وهم يقولون (الدهر مدَّ به)، ثم ينزلونها وهم يقولون (لين ما قصري)، وهكذا بقية القصيدة، وكذلك القصائد الأخرى.
أما الهمزية تلك فوصلت عن طريق الكتابة بشكل رئيس لا عن طريق المشافهة، بل المشافهة عطلت إلى حد ما تواجدها في الساحة، ولهذا من يدري ربما يكون شعر حميدان الشويعر كله على هذا المنوال وأن ما بين أيدينا من شعره هو القليل.
وما دام عندنا اليقين في قدرة الشاعر من حيث الموهبة وفي شعره ما يثبت ثقافته الدينية والتاريخية وسرعة البديهة والملاحظة، فلا غرابة أن تردنا مثل هذه القصيدة وأنها من أشعار حميدان، فلا نضع أبداً في مخيلتنا صورة عن حميدان الشويعر أنه نمطي في أدائه الشعري لا يقوى على التنويع كما أننا على يقين أيضاً أن عصر حميدان شهد وجود علماء وشعراء ومثقفين، بل إنه لم يخل من أناس لهم باع طويل في ميدان العلوم والثقافة عموماً وإن كان السائد لدى العامة عكس ذلك، والدليل على ذلك عبور علوم عديدة إلينينا، إنها عبرت تلك الفترة الزمنية عن طريق العلماء والمهتمين بالعلم والتدوين، وبالتالي فالشاعر يوجه بعض قصائده لمن هم في مثل قدرته.
وإذا بحثنا عن بصمة للشاعر لكي نطمئن على أن تلك القصيدة له فعلاً فإننا نلاحظ البيت الأول، حيث نجد قافية مشتركة في شطري القصيدة فهو يقول:
لاح المشيب وبان في (عرضائي)
ونعيت من بعد المشيب (صبائي)
وهذا منهجه في معظم قصائده يبدأ بقافية مشتركة في أول بيت من القصيدة.
وهذه أمثلة لذلك:
الأيام حبلى والأمور عوان
فهل ترى ما لا يكون وكان
@ @ @
يا ذا افتهم مني جواب يشترى
مثل اللولو من عقود تنشرا
@ @ @
النفس إن جت لمحاسبها
فالدين خيار مكاسبها
@ @ @
الأيام ما يرجى لهن رجوع
غدت بخلان لنا وربوع
@ @ @
أسباب ما فاجا الضمير وذار
كرا العين وأدع النظير نثار
@ @ @
طالب الفضل من عند الشحاح
مثل من أهدى زمان الصرام اللقاح
والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، لا داعي لأن نسردها فالمقام لا يسمح.
كل هذه القصائد بدأها بالبيت الأول ذي الشطرين المقفيين بقافية واحدة وغيرها من القصائد أيضاً جاءت بقافية لكنها بحرف واحد لا بحرفين مثل تلك ولم يتعد البيت الأول بقافية مشتركة وإن حصل في وسط القصيدة ،فإنما هو نادر لا قاعدة له ولا نظام يعتد به. فهل هذه البصمة دليلٌ يضاف إلى صحة نسبة القصيدة له وأقول: الجواب ربما وعليه تضم لسابقاتها.
وأخيراً نختم بقصيدة الشاعر التي تُعدُّ أغرب قصائده فغربتها تأتي في كل شيء، إلى درجة أن الرواة الذين يحفظونها نوادر، ويستصعبها عامة المهتمين بشعر حميدان الشويعر لأسباب تتعلق بالقصيدة ذاتها لفظاً وأسلوباً دون معانيها بالطبع.
هذه قصيدته الهمزية التي تُعدُّ الوحيدة من هذا النوع ومنها هذه الأبيات:
بان المشيب ولاح في عرضائي
ونعيت من بعد المشيب صبائي
ونعيت خل كان في ماضي مضى
لاحت عليه بوارح الجوزاء
ومرة جهالتها على كبيرة
تحسبني أخرج من نقا الدهناء
تقول حط وقط والا فارق
مالك بشوف الشيبه الشمطاء
قلت أيه الشوف الذي من قال ذا
ما هوب شره يوم عصر صبائي
واليوم خالفت الطبوع وكثرني
منك الكلام وزادت الغضاء
هو ذا طمع فيه فهاك دراهم
وان كان بغض ما لقيت دواء
البغض نفس ما تطيب جروحه
وحش جفول فاتن الفرقاء
ذي عادة المحب وعادة
ما قط رافق صاحب البغضاء
وان كان تبغي قط همات الصبا
تراي عنها قد طويت رشائي
وإن كان هو بغض وصيدك طامح
فخذي ثلاث واضربي البيداء
قلت دنانيري وعدت بهمة
جزت حبالي عن ورود الماء
العام أنا لي كدة ما شومة
هبت عليها الجائح اليمناء
اسلفت فيها يوم ثم جزت
عنها العصير الى أنها بيضاء