الرئيسية > متابعات

العودة إلى امتلاك القرار العربي قراءة أولية في اتفاق مكة


بقلم - عبدالرحمن بن حمد المحمد

في لحظة هي الأقسى والأسوأ في تاريخ هذه الأمة.. وعندما بدا ان كامل العقد العربي قد انفرط وتناثرت حباته في كل اتجاه.. وعندما بدا للعدو والمتربص ان زمان الاقتتال والتناحر العربي قد أزف.. جاءت مبادرة خادم الحرمين الشريفين ورعايته - حفظه الله - للاتفاق الفلسطيني لتقول بكل بساطة: ان الشعور بالمسؤولية والشاعرين بها لم ينتهوا.. وان الأمة رغم النزيف الخارج من جراحها المتزايدة لم تفقد الأمل والقدرة على التسامي فوق هذه الجراح.. أقول بالرغم من هذا كله وبغض النظر عما نشهده من محاولات يائسة لتغذية هذا النزاع وإطالة أمده بحيث يصبح حقيقة وواقعاً لا حدثاً طارئاً ودخيلاً على الجسم الفلسطيني والعربي.. أقول بالرغم من كل هذا فإن أسباب التفاؤل ودواعيه حقيقية وصلبة لأسباب كثيرة.. سأحاول الإشارة إلى بعضها:

1- ان التزام الطرفين ببنود هذا الاتفاق تم في أقدس بقعة يتوجه إليها المسلم خمس مرات كل يوم، فمن ذا الذي يجرؤ على نقض عهده؟

2- ان راعي هذا الاتفاق والداعي إليه زعيم يعرف تماماً ما يريد.. فخادم الحرمين الشريفين، وولي عهده لم يقدموا فرصة ومكاناً للقاء فقط.. لكنهم أعطوا من وقتهم، ومن جهدهم، ومن حنكتهم معتمدين على الله أولاً ثم على ما لهذا الوطن من تقدير ومكانة دولية رفيعة ما مكن الاخوة من الوصول إلى نقطة اللقاء بعد أن خشي الاخوة وفرح الأعداء بتباعد هذه النقطة اثر الدماء الزكية التي كادت ان تشكل المعوق والحاجز النفسي لكل لقاء أو تفاهم..

3- ان الاخوة الذين توافدوا على مكة المكرمة لابد وأن يكونوا قد أدركوا ان الشعب الفلسطيني الأكثر وعياً والأصلب عوداً بين شعوب المنطقة كافة قد رسم خطاً لم يعد من السهل أو الممكن تخطيه.. فهذا الشعب الأكثر تعليماً ووعياً قد أدرك إلى أين يمكن لهذا الاقتتال أن يقوده.. فصاح بأعلى صوته.. كفى! وهو ما بدا واضحاً من خلال كلمات قادة فتح وحماس، والمظاهرات التي عمت شوارع فلسطين حال الإعلان عن الاتفاق.. وإذا كان أحد منا بحاجة إلى درس أو إلى خط أحمر يرسم ملامح الصورة المرعبة الممكنة؛ فالدرس العراقي ماثل لمن ألقى السمع وهو شهيد..

4- من دواعي الألم والأسى ان المجتمع الدولي قد بدأ ينظر إلى العالم العربي كمنطقة أزمات مستحكمة ودائمة، وكمجموعة من الشعوب والدول القاصرة وغير المؤهلة لممارسة دورها والوفاء بالتزاماتها.

ومن المعروف أن مثل هذه النظرة من قبل المجتمع الدولي تقود بطبيعة الحال إلى مجموعة مخيفة من التداعيات والاستحقاقات السلبية، حتى ان بعضهم بدأ يتحدث عن امكانية عودة الاستعمار نتيجة العجز عن ممارسة الحد الأدنى من المسؤولية والنضج.

5- هذه الأمة التي مزق الاقتتال والتناحر قلبها، وفجعها تصويب البندقية باتجاه الأخ والشقيق، ترى اليوم فرصة تاريخية لوضع الأمور في نصابها.. فنحن أمام لحظة تاريخية تطالبنا باستبدال منهجية وعقلية الاستقواء بالعدو والحاقد إلى عقلانية وشرف الاستقواء بالأخ والشقيق المشفق المنزه عن الهوى والغرض.

وقد بينت ردة الفعل العفوية والمباشرة حاجة الأمة، ورغبتها بل وشوقها إلى العودة لامتلاك القرار العربي، وإلى الاحتكام إلى مرجعية عربية أثبتت الأيام والأفعال قبل الأقوال أنها لا تضمر لهذه الأمة سوى الخير والرفعة.. فإذا كان بعضنا من فرط يأسهم قد اتجهوا بأنظارهم إلى الشرق أو الغرب بحثاً عن المعين والمغيث فإن الأولى بهم أن يتجهوا بأبصارهم صوب البيت العربي، الذي لم يفقد القدرة على تقديم النصح ومد يد العون المادي والمعنوي (متى مابدا ذلك ممكناً ومفيداً).. إن من أهم تداعيات الأزمة التي مرت بها الأمة، ومن أخطر سلبياتها تنامي الشعور بالعجز العربي، وبأن مفاتيح الحلول قد انتقلت بالكامل إلى أيدي الآخرين، وأن الأمة قد دخلت في مرحلة انكفاء وكُمون، لم تعد معه قادرة إلا على تدميرالذات!!، وهذا أخطر ما يمكن لأمة أن تسمح لنفسها بتصوره أو بالانجرار إليه، وفي مقابل كل هذا فإن ما قدمته المملكة العربية السعودية وما سعى إليه خادم الحرمين الشريفين بكل إخلاص وتجرد هو العودة إلى المرجعية العربية الصافية المدركة لمسؤولياتها والواعية لمخاطر المرحلة ولتحدياتها الرهيبة.. إنها إذاً فرصة تاريخية نادرة وثمينة لهذه الأمة لاستعادة الوعي والرشد ولتغليب المصلحة العليا من خلال العودة إلى امتلاك القرار العربي لأن البديل خطير ومدمر ولأن التاريخ لا يرحم!!

6- واستكمالاً لما سبق وترتيباً عليه وإذا جاز لنا أن نرجع إلى سابقة تاريخية مُلهمة فإن الشلل والضياع الذي أصاب الأمة في نهاية الستينات من القرن الماضي، لم يستمر لأن الحكمة العربية تغلبت على مرحلة انعدام الوزن تلك وتمكننا بفضل من الله ثم ببعد نظر قياداتنا التاريخية إذ ذاك من تخطي تلك الأزمة وتمكننا من خلال العمل الدؤوب ومن خلال تغليب المصلحة العليا في الدخول في مرحلة انبعاث سياسي واقتصادي.. ومثلما حدث في بداية السبعينات من القرن الماضي فإن المنطقة العربية رغم أزماتها القاسية تمر اليوم بمرحلة من النمو الاقتصادي بالرغم من كل ما يعصف بها من أزمات.. وتعيش دول الخليج بالذات مرحلة من الازدهار شهدت وأشادت بها المؤسسات المالية والدولية.. وإذا كان الشر يعم فإن الخير أيضاً يعم.. ولنا فيما عاشته منطقتنا في مرحلة السبعينات والثمانينات من نمو وتكامل خير مثل ما يمكن أن يكون عليه الحال إذا ما سمح للتعاون الاقتصادي أن يأخذ مداه.. إن مداخيل العمالة والمشاريع العمرانية والإنمائية المشتركة، والتدفقات والمعونات المباشرة وغير المباشرة يمكن أن تقود إلى حالة من النهوض الاقتصادي الشامل، والذي بدأنا نشهد تباشيره في بلدان مثل المغرب وتونس ومصر والأردن.. ومن المنظور ذاته فإن التعاون والتكافل السياسي يملك مردوداً إيجابياً هائلاً للأمة.

إن إحياء المرجعية العربية وعودتها إلى دورها المؤثر والفاعل في محيطها يمكن أن يمتد ليطوق بؤر خلاف واختلاف أخرى.. ومن شأنه أن يطفئ الكثير من النيران التي تحاصر بلهيبها البيت العربي، أو ترقد ساكنة تحت الرماد تنتظر اللحظة المواتية لتأتي على ما بقي لهذه الأمة من آمال وحقوق.

وفي تصوري المتواضع فإن واجب المحبة والمصير المشترك يملي على العقل والضمير الفلسطيني خاصة والعربي عامة أمرين غاية في الأهمية..

فعلى الجانب الفلسطيني مسؤولية خاصة وضرورية لحماية هذا الاتفاق وتطويره إلى أسلوب عمل دائم تمليه ضرورات المصلحة الوطنية الفلسطينية..وكخطوة أولى فإن أخوتنا في فلسطين قد يرون أن من المناسب تشكيل هيئة حكماء ترعى هذا الاتفاق وتسهر على تحصينه وحمايته من تداخل الأهواء والمصالح الضيقة التي طالما عصفت بالكثير من منجزات هذه الأمة.. ومن حُسن الطالع أن هذا الشعب الذي عركته سنوات النضال الطويلة يعرف تماماً أين تكمن مصلحته وأنه يتوفر (وربما أكثر من غيره) على عدد كبير من الرموز والشخصيات القادرة على فرز وتحديد مكامن الخطر وصيانة مكاسب أهلنا في فلسطين..

وهذا نداء آخر للقيادات الحية والمسؤولة في هذه الأمة لكي تُجمع أمرها وتوحد كلمتها، وتدفع القيادات السياسية دفعاً للانضمام أو حتى للتعاون مع العاملين على العودة إلى امتلاك القرار العربي، والاحتكام إلى المرجعية العربية القادرة والمنزهة عن الهوى.. فبين الأمل الذي يقدمه اتفاق مكة والهواجس المرعبة التي تعرض بعضاً من مؤشراتها شاشات التلفزيون بشكل يومي ومرعب تعيش هذه الأمة مرحلة هي بلا شك الأدق والأصعب في تاريخها المعاصر.. وكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته.

فالخيار واضح وجلي لا تخطئه العين.. فإما مرجعية الأخ.. وإما الاستقواء بالعدو والطامع.

(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) .. صدق الله العظيم.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة