محمد الحميدي.. هكذا عرفناه!
أبو خالد، محمد الحميدي. قابلته، لأول مرة، في باريس. كنت طالباً ومديراً لمكتب "الرياض" في العاصمة الفرنسية .. وكان هو رجل أعمال، وعضو مجلس إدارة في مؤسسة اليمامة الصحفية. عرفت معه، وعن طريقه، في ذات اليوم، محمد الفريح وإبراهيم الطوق وعمران العمران.
محمد الحميدي، قابلته لآخر مرة، في المستشفى التخصصي بالرياض، قبل وفاته بأيام، كنا جميعاً حوله، نروح ونجيء: أولاده وأحفاده، وأصدقاؤه الكثيرون، وخصوصاً محمد الفريح وإبراهيم الطوق وعمران العمران: الفريق ذاته الذي التأم في باريس قبل سنوات كثيرة.
عندما قابلته لأول مرة في باريس، هُيئ لي أنني أعرفه منذ قرون، وعندما تركته آخر مرة، في المستشفى بالرياض، لم أكن أحس بأن هذا الرجل يمكن أن يغادرنا، أو يتركنا هكذا نهباً لأحزاننا.
المُلك لله!.. جاءني صوت د. خليل كردي، ثم خالد بن صالح الشثري من بعده، ثم عبدالرحمن بن محمد السدحان، وأنا في باريس هذه المرة أيضاً، يقولون جميعاً: عظم الله أجرك لقد رحل أبو خالد!.. مات!!
سبحانك اللهم.. لا راد لقضائك إني آمنت بك.. لو كان إدراك الحياة يتم بالذكاء .. والنشاط .. والإنتاج.. ومقدار الفرح .. لما غادر أبو خالد هذه الدنيا أبداً .. ولو كان طول العمر يتحقق بما للمرء في قلوب عارفيه من الحب والاحترام لظل أبو خالد من أطول خلق الله عمراً!
كثيرون يعرفون عن محمد الحميدي أنه رجل أعمال، وأنه من أبرز المسهمين في دعم الكفاءة الاقتصادية لعدد كبير من المؤسسات والمنشآت، وأنه من المؤسسين الأوائل للغرفة التجارية بالرياض ولغيرها من المشروعات والفعاليات المثمرة. لكنني لا أظن إلاّ أنهم قليلون أولئك الذين يعرفون عن محمد الحميدي أنه من أبرز رجال الأعمال إيماناً بالمعرفة، وبالعلم، وبالمسؤولية المجتمعية للمثقف ولمنابر الرأي.
بعد أن تشرفت برئاسة تحرير "اليمامة" زاملته في مجلس الإدارة لحوالي عشر سنوات، ورافقته، خارج المؤسسة، لأكثر من ذلك بكثير .. وفي كل يوم جديد أزداد به تعلقاً وإعجاباً.. فمواقف الحميدي الصلبة الواثقة، وتصرفاته المفعمة بالخبرة والذكاء، لا تتم لتحسين الصورة، أو لتلميع الذات، أو لاكتساب مزيد من المؤيدين والمعجبين، بل هي تأتي تعبيراً صادقاً عما يؤمن به، وهو مستعد لحماية ما يؤمن به مهما سبب له ذلك من متاعب، أو خسائر، أو حتى خلاف مع من يعز ويحترم.
وتجدون في "لقاء" الزميل الأستاذ تركي السديري الذي نشره هنا قبل أيام ما يعزز هذه الصورة الجميلة لأبي خالد.. لقد اختلف الحميدي معنا جميعاً.. واتفق معنا جميعاً .. ولكن هاجسه كان دائماً الاحترام لكل من يختلف أو يتفق معه. ولعل من أبرز اختلافاته ما بلغ أحياناً حد القطيعة مع بعض المساهمين في هذه المؤسسة، وما من سبب لذلك سوى أنهم كانوا يعارضون توجهاته المنحازة إلى التحرير.. أو إلى التطوير .. كانوا يرون فيه "مخرباً!" وكان يرى فيهم أنهم في غير موقعهم الصحيح .. هو يرى أن مسؤولية المؤسسة الصحفية مسؤولية ثقافية واجتماعية قبل كل شيء، وهم يرون أنها "استثمار" أولاً. بعض هؤلاء كان لا يعرف أين مقر المؤسسة، وبعضهم كان يكتفي بحضور الجمعية العمومية لمناقشة الميزانية.. أما الحميدي فكان دائماً جزءاً أساساً من المشروع ذاته، في اللجان، في مجلس الإدارة، في علاقاته برؤساء التحرير والمحررين، حتى وهو، أحياناً، خارج الترويكة الإدارية.
الحميدي ظل دائماً موجوداً.. إلى آخر حركة تطويرية مرت بها المؤسسة عند إنشاء هذا المبنى الضخم الذي ضم الصحف الثلاث: الرياض واليمامة والرياض ديلي. فقد شكل مجلس الإدارة يومذاك لجنة من المرحوم الأستاذ فهد العريفي مدير عام المؤسسة، والأستاذ تركي السديري، ومحمد الحميدي وكاتب هذه السطور، للإشراف على إنجاز المبنى الضخم، وتأثيثه بكل متطلبات العمل الصحفي، وللحق فإن الحميدي أنجز عنا، ثلاثتنا، المهمات الأصعب، فهو الأعلم بالمقاولين والمصممين والاستشاريين ومواد البناء والأبواب والأخشاب والحديد وحسن التنفيذ وجودته، وقد كان رحمه الله يبذل لتلك المهمة من الجهد والوقت ما لا يبذله لشركاته، فأنا أعرف أنه، في ذلك الوقت، كان قد تقاعد من أعماله ومشروعاته الخاصة، وهو سلم الأمور لأولاده: خالد وسمير وهيثم، وكلما دخلت إلى مبنى المؤسسة الذي يعد اليوم من مفاخر العاصمة رأيت الحميدي في كل ركن من أركانه.
قدم الحميدي للمؤسسة تجربته وخبرته، وأعطاها من وقته وعمره الشيء الكثير، وكما ذكر الأخ تركي في "لقاء" فقد كان مما يُسعِد الحميدي أن يتنازل عن بعض ما يملك في المؤسسة من أسهم ليدعم فعلياً فكرة دخول المحررين أعضاء مالكين في المؤسسة، وبفضله وفضل المرحوم الشيخ محمد بن صالح بن سلطان، والرجال المخلصين الذين كانوا حولهما، كانت مؤسسة اليمامة الصحفية أول مؤسسة صحفية في المملكة تضم محرريها ليكونوا أعضاء مالكين فيها.
وبعد أن عملت في "اليمامة" بعدة شهور عرفت من الزملاء في المؤسسة أن الحميدي كان واحداً من أبرز الذين وقفوا في مواجهة مشروع غريب تبناه بعض أعضاء المؤسسة، وكان يدعو إلى إقفال المجلة، بحجة أنها، في ذلك الوقت، لا تحقق أرباحاً.. فهي بهذا، في نظرهم، تشكل عبئاً على المؤسسة!! .. وكأني بالحميدي يقول: كيف يجرؤ أحد على إلغاء جزء مهم من تاريخ المنطقة؟! .. وإذ كانت "الرياض" تحقق ولله الحمد أرباحاً مشرفة فلا بأس أن يُقتطع من تلك الأرباح للإبقاء على نقاء المسؤولية الاجتماعية والثقافية للمؤسسة، وليكن من نقاء هذه المسؤولية صيانة وحماية أول صحيفة عرفتها منطقة نجد كلها، فضلاً عما ظلت تؤديه اليمامة من رسالة اجتماعية وثقافية رائدة، منذ حمد الجاسر رحمه الله وإلى اليوم.
ولأن الناس قد اعتادوا على أن من يقترب من الإعلام، من غير أهله، فإنه عموماً لا يفعل ذلك لوجه الله وحده.. أو للمصلحة العامة فقط.. فلا بد أن نقول لهم إن الحميدي كان دائماً على خلاف ما اعتادوا عليه.. لأننا نستطيع أن نلاحظ بكل بساطة أن صحف المؤسسة لم تكن في أي يوم مرتعاً للحميدي، أو لتصريحاته، أو لأخبار مؤسساته وشركاته.. أو حتى لأخباره الشخصية وأخبار عائلته.. ولا أذكر خلال عملي لسنوات طويلة بالمؤسسة، أو قبل ذلك، أو بعده، أنني قرأت شيئاً له أو عنه في صحف المؤسسة.. ولا أذكر في أي مناسبة من مناسبات المؤسسة الكثيرة أنه جاء يوماً في رأس القائمة أو حتى في ذيلها خطيباً أو متحدثاً أو مستأثراً بالكاميرات والفلاشات والأضواء.
أبو خالد مؤمن بالعلم، ومحب للثقافة، ويتمتع بشعور عميق بالمسؤولية الوطنية، وبالمصلحة العامة. والمقربون منه يعرفون أنهم يجدون عنده كل مرادهم من آخر نتاجات الثقافة والعلم، وهو لا يقتنيها للتشوف أو "المنظرة" أو المباهاة، بل يفعل ذلك للتزود وللقراءة والتأمل والمناقشة.. وأجزم بأنه يقرأ من عيون الثقافة والفكر ما لا يفعله حتى الكثيرين من بين المثقفين أنفسهم. وكان بإمكان الحميدي أن يقيم "صالونه" الثقافي، وأن يجمع حوله المريدين، وأن تتصدر أخباره وصوره الصحف والمطبوعات المختلفة في المملكة، ولكن كل ذلك لم يكن يعنيه في شيء.. هو رجل أعمال أولاً .. ولا يهمه، كما قد يفعل غيره، أن يجمع كل الصفات.. وكل المميزات.. حقاً وباطلاً..
هذا هو الحميدي الذي عرفناه .. هذا هو الحميدي الذي لم يتطلع أو لم يسع إلى أن يعرفه أكثر من أصدقائه ومحبيه وأهله.
أحسبه رحل عنا وهو راضٍ عن نفسه رحمه الله.