لا نحتاج إلى دراسات أو شواهد مادية لنقول بأن العالم العربي يعيش حالات اضطراب متضادة ومتصادمة مع بعضها كل منها مهيأ للانفجار وجر الآخر بجانبه ثم الذي يليه في خضم احتراقات مشتركة..
وهذه الاحتمالات المخيفة لا توجد إلا في مجتمعات لا يوحدها إيقاع رأي أو فكر أو رؤية أو ثقافة متقاربة.. ليس شرطاً أن تكون متماثلة لكن على الأقل متقاربة.. هذا غير موجود.. بل إن شواهد التخويف من مزالق احتراقات إضافية هو الذي يتماثل في فضاء هذه المجتمعات..
انظر إلى وسائل التعبير المختلفة.. الفضائيات التلفزيونية مثلاً فيها كل ما هو عجيب وغريب.. محطات قليلة محافظة وبعض متشدد غير متعامل بوعي وحضور ثقافي مع الاستباحات السيئة في قنوات أخرى تلك التي جعلتنا لا نتذوق الأغنية عن طريق السمع وإنما عن طريق العين.. حشد عشرات من الراقصات أو شبه المتعريات كي يردد لنا مطرب عبارات حب فارغة المضمون..
هنا لا أتحدث عن عدد محدود وإنما عن سماء فضائية تتماوج بها مئات الراقصات.. وللعراق نصيب وافر في ذلك وهو الدامي الباكي داخل حدوده.. ستجد أيضاً في موقع آخر انشغالاً بتراث شعبي.. وستحاول قنوات أخرى إما كسب الإعلان التلفزيوني أو تنفيذ دس ضد مجتمعات معينة حين تسخن حوارات مفتعلة بعيدة عن المنطق.. وستجد لدى الأكثرية تجانساً في إنفاذ رغبة جوع نحو المال بواسطة استخدام أرقام الاتصال التليفونية..
إنه عالم ما هب ودب.. والعلاقات بين بعض الدول العربية التي تحكم هذه المجتمعات لا تقوم على أساس طرح شخصية إقليمية لها مصالحها ورؤيتها الخاصة.. وإنما تقوم مستندة على التجاذب مع مشاكل الآخرين.. أي ادخل في مشكلة ما مع طرف يحاور ثم فاوض بعد ذلك مع طرف آخر لتبادل تنازلات.. الشيء نفسه يحدث أيضاً على مستوى تحريك الإثارة الطائفية..
لقد كان منظراً مؤلماً لعدد من السودانيات في أغنى بلد زراعي وهن يمارسن قسوة تحطيم الحجارة الصلدة لكسب دولار واحد.. ولا يقل الأمر إيلاماً عندما تعلم بأن مستوى الفقر في العراق قد ارتفع إلى حدود 55% وهو بلد تتنافس فيه ثروات النفط والزراعة والسياحة..
ومع وجود هذين المثلين المخيفين وكون أن لبنان صاحب رصيد لا يجارى في عدد الحروب الأهلية ومع ذلك فالمظاهر عنده تحفز نحو حرب جديدة ربما لا تكون لأن في تكاثر القتل إدانة أما الاقتصاد والسياحة فهما يموتان اغتيالاً ويرتفع ضجيج الاتهامات.. أتصور أن أوضاع العالم العربي من فضائياته إلى أحزابه إلى حروبه في حاجة لأن يكون الاطلاع عليها وعلى مسبباتها جزءاً من الثقافة المدرسية هنا كي يعلم الشاب القادم على المعرفة مدى ضخامة الاختلافات بين أمنه وفرص عمله بل وترفه وبين جحيم الآخرين..