
في يناير من العام 1879م وحينما مرت قافلة الرحالة الانجليزية آن بلنت ببلدة جبة في طريقها الى حائل وصفتها كأغرب الأماكن بالعالم وأجملها وهي تقول عنها-:
جبة من أغرب الأماكن في العالم ومن أجملها كما اعتقد. واسمها وهو يعني بئرا يشرح موقعها فهي تقع في تجويف أو بئر في النفود ليس في الواقع فلجا لأن حوض جبة ذو مقاس مختلف تماما ولا يشبه في شيء الانخفاضات التي تأخذ شكل حافر الحصان التي سبق لي ان شرحتها وهو على حد سواء فيد للغاية ومن الصعب تعليله من الناحية الجيولوجية كما هو الأمر بالنسبة للافلاج وهو فضاء عار في محيط الرمال وعلى انخفاض 400او 500قدم تحت معدل المستوى ويبلغ عرضه ثلاثة أميال تقريبا وهو في الواقع غور لا يختلف عن غور الجوف الا ان النفود من حواليه بدلا من مرتفعات الصخور الرملية
وهناك من الدلائل ما يشير الى انه كان بحيرة فهناك علامات مائية واضحة على الصخور التي برزت من قراره فوق المدينة مباشرة وغريب ان نقول ان هناك حديثا ما زال باقيا يقول ان الماء وجد هناك فيما مضى والعجيب هو كيف بقي هذا الفراغ خاليا من الرمال. أي قوة تلك التي تضع سورا دون النفود وتمنع اكتساحه وعندما تنظر عبر السبخة أو قرار البحيرة الجاف يبدو النفود كسور من الماء من المحتم ان يغرقها ومع ذلك لا تنتقل الرمال الى الغور وبقيت حدودها مضبوطة بدقة.
والمدينة نفسها أو القرية الآن فيها 80بيتا فقط مبنية على طرف السبخة 2860قدما فوق سطح البحر وفيها بساتين النخيل من النوع الذي رأيناه في الجوف إنما على نطاق صغير جدا والآبار التي تسقى هذه منها هي على عمق 75قدما وتمتح منه المياه كما هو الحال في كل الآبار في بلاد العرب بواسطة الجمال والقرية بهيجة جدا بأسوارها ذات المشارف (المتاريس) وبساتينها وعلى المدخل تقف ست شجرات أثل قديمة جميلة، ذات جذوع ملتوية وأغصان ريشية ومن فوقها تنتصب الصخور عظيمة كالأبراج وهي من الصخر الرملي بلون ارجواني ذي خطوط وجذوع صفراء ووجه علوي اسود وارتفاعها بين 700و 800قدم وقواعدها مخططة بعلامات مائية قديمة ووجد (ولفرد) عليها عددا من النقوش بالحروف (السينائية) وتكتنف جبة هذه التلال وشريط من الرمل الأصفر
ولنكتفي بهذا عن الوجه الخارجي لجبة أما داخلها فأقل جاذبية فالمنازل فقيرة والعناية بأناقته اقل منها بكاف أو اثري ويصعب ان أصفها بالقذارة لأن القذارة في هذا الإقليم الرملي تكاد تكون مستحيلة انها إحدى مباهج النفود ان الحشرات المؤذية غير موجودة في أنحائها فالنفود ونجد حقا الواقع خلف النفود خاليان من هذه المخلوقات التي تجعل من الحياة عذابا في أقاليم أخرى من الشرق. حتى البراغيث التي كانت على كلبنا السلوقي ماتت بمجرد دخولها في دائرة الرمال الحمراء الساحرة غير ان (جبة) سوف تكون قذرة لو استطاعت والواقع ان الناس فقراء جدا وليس لهم أي اتصال بالعالم الخارجي الا عندما يتوقف المسافرون وهم نادرون بين حائل والجوف ليلة بينهم. وعند مرورنا بجبة كان الشيخ قد مات مؤخرا وحل محله شاب لم تكن له أي سلطة على أقرانه الشبان وهم مجموعة كثيرة الصخب وليس لابن رشيد ممثل خاص في جبة ولم يكن يسند الشيخ الفتى (نايف) أي ممثل للحكومة المركزية حتى شرطي واحد .
لا يحتاج أسلوب ضيافتنا في بيت نايف الى ذكر خاص من حيث انه لا يختلف بأية حال عما لقيناه في أي مكان آخر كان هناك كثير من القهوة وحديث كثير ففي أي مكان من بلاد العرب ما على المرء الا ان يدخل أي بيت يرغب ويكون واثقا من انه سيرحب به فيه فحجرة القهوة تظل مفتوحة طيلة اليوم ووصول أي ضيف إشارة لهذين الشكلين من أشكال (التسامح) اللذين لا يعرف العرب سواهما القهوة والحديث والنار موقدة دائما وفناجين القهوة تدار في الحال. حادثة نادرة واحدة اثناء مقامنا في جبة جديرة على أية حال بالذكر.
* رحلة الى بلاد نجد