فقدت الساحة الثقافية مساء أمس الأول أحد قاماتها الأدبية والشعرية وهو الأديب والشاعر الكبير الأستاذ حسين عبدالله سراج عن عمر يناهز الخامسة والتسعين قضاها في خدمة دينه ووطنه وشارك من خلالها في صياغة تجربتها الشعرية الجديدة مع رواد الأدب والثقافة في المملكة.
والراحل يُعدّ مؤسس الشعر المسرحي في بلادنا فقد صدر له مسرحية شعرية بعنوان "غرام ولادة" عام 1952م بالقاهرة وأعادت طباعتها شركة تهامة عام 1982م وحظت بتقديم من رائد القصة القصيرة في العالم العربي الأستاذ محمود تيمور الذي وصفها بأن العاطفة فيها ليست سطحية ففيها استجابات عميقة للحياة، وفيها استبطان للنزعة الإنسانية في الحب وهذه العاطفة تستمد قوتها من غرض رفيع وهدف بعيد، فإن الطموح إلى المجد والمطالبة بالثأر يعملان عملهما في توجيه تلك العاطفة ويسيران بها إلى الغايات السامية.
كما عرف شاعرنا الراحل باتجاهه الوجداني في مجال الشعر فدون العديد من القصائد التي أودعتها تجاربه ومواقفه وعمق ثقافته فصدر له ديوان "إليها" عام 1983م عن دار تهامة.
وللراحل قصائد ومقطوعات شعرية مبكرة ضمها كتاب "وحي الصحراء" الذي صدرت طبعته الأولى عام 1355ه. وعند افتتاح الإذاعة السعودية أذاع الشاعر حسين سراج بعضاً من مسرحياته الشعرية ومقالاته الأدبية منها مسلسل بعنوان (دموع وشموع) وبرنامج إذاعي حمل عنوان (من وحي القرآن الكريم).
وقد تفضل الشيخ عبدالمقصود خوجة بطباعة كل أعماله الأدبية والشعرية والإذاعية وخرجت في عشرة مجلدات.
وبرحيل الأديب والشاعر حسين سراج فقدت الساحة الأدبية الثقافية أحد أقطابها الكبار الذين تركوا بصماتهم واضحة على الحركة الثقافية والشعر المسرحي والشعر الوجداني الأصيل، رحم الله الرائد حسين سراج وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر والسلوان.
هذا وقد عبَّر نفرٌ من الأدباء عن رحيل الشاعر سراج وأكدوا دوره الكبير في تأصيل المسرح الشعري، حيث قال الناقد حسين بافقيه رئيس تحرير مجلة الإعلام أن حسين سراج يُعدُّ اسماً كبيراً في ثقافتنا وأدبنا من خلال ما عرف به من تجارب متميزة في الشعر المسرحي الذي اخلص له حتى ارتبط به في أدبنا المحلي واستطاع حسين سراج منذ مدة مبكرة أن يلفت أنظار كبار النقاد والأدباء في الثقافة العربية المعاصرة ومن ذلك ما كتبه عنه القاص المصري الكبير محمود تيمور في مقدمة ديوانه الشعري الأول "غرام ولادة".
ومما يؤسف له أن هذا الشاعر الكبير لم يحظ بمتابعة نقدية من النقاد والدارسين في المملكة ويبدو أن لاغترابه عن الوطن يداً في أن يسكت عنه الدارسون فهو آثر الظل والصمت مدة طويلة بعد عودته إلى المملكة وإن كانت مدة إقامته في الأردن جعلت دارسي الأدب والشعر في الأردن يعدونه في سياق الشعراء الأردنيين كما فعل الدكتور ناصر الدين الأسد في كتاب له عن الشعر في فلسطين والأردن.
وفي هذا السياق أسهمت دار تهامة في سنوات مجدها الماضية في تعريف القارئ العربي والسعودي بهذا الشاعر بعد أن كانت دار المعارف في مصر قد نشرت إنتاجه الأول في منتصف القرن الميلادي الماضي وما كان ذلك ليكون لولا القيمة الأدبية التي يتمتع بها هذا الشاعر الكبير.
وحسين سراج اختط لنفسه درباً وعراً حينما جرب الكتابة في الشعر المسرحي وكأنه أراد بذلك إكمال ما ودعه قبله شعراء كبار كشوقي وعزيز أباظة، فسراج - (رحمه الله) - كان من رواد هذه التجربة الشعرية على مستوى المشهد الشعري العربي قبل السعودي وهو لذلك يُعد رائداً أصيلاً في هذا الضرب من الشعر وخيراً فعلت اثنينية عبدالمقصود خوجة حينما أخرجت مؤخراً أعماله الشعرية المسرحية في عدة مجلدات باذخة انطوت على أعماله المطبوعة السابقة وعلى نصوص شعرية ومسرحية جديدة لم تر النور من قبل وهذا يعني أن حسين سراج - رحمه الله - آثر الصمت والانزواء دون أن ينقطع عن الكتابة الشعرية والأدبية.
وبوفاة هذا الشاعر الكبير ادعو الله تبارك وتعالى ان يتغمده بواسع رحمته أما نحن - قراءه وعارفيه - فما أجدرنا أن نكفر عن إهمالنا لهذا الشاعر المتميز بأن يدرس شعره في جامعاتنا وأن تدور حوله ندوة أدبية وأن يرشد أساتذة الأدب في جامعاتنا بعض طلابهم في الدراسات العليا لكي يدرسوا شعره المسرحي في أطروحاتهم العلمية العالية، وبذلك فقط يمكن أن نرد لهذا الشاعر بعضاً من أياديه البيضاء على ثقافتنا وعلى شعرنا.
كما عبر الشاعر المكي الأستاذ فاروق بنجر عن حزنه لرحيل الشاعر سراج احد أهم الأسماء الأدبية التي شاركت بكل تميز في بناء الحركة الشعرية في المملكة وقد تتلمذنا على أعماله الشعرية كديوان "الشوق إليك" وديوان "إليها" فرسم من خلال هذين الديوانين ملامح رائعة من الشعر العاطفي من خلال صوره ومفرداته ومعانيه وتتمثل قمة مجده الأدبي بكتابة مسرحية شعرية عرفت ب "غرام ولادة" فكان من خلالها أول من مهد للشعر المسرحي وتلاها بمسرحية "الظالم نفسه".
لقد كان لمدرسة "أبوللو" الشعرية أثرها الواضح في معظم ما كتب، لكن أديبنا الكبير آثر الصمت في آخر سنينه والتزم العزلة عن المشهد الثقافي.
رحم الله الشاعر الكبير حسين سراج وعوضنا بفقده خيراً أما الأديب والكاتب عبدالله فراج الشريف فقد قال: "بالأمس رحل عن دنيانا علم من أعلام الفكر والأدب في بلادنا، وقد ملأ الدنيا شدواً حلواً، كان زاداً للعقل والروح لمن اطلع عليه، وتمتعنا به وهو بعيد عنا يمضي أيامه الأخيرة هناك على ضفاف النيل بمصر الكنانة، ذاك هو الأستاذ حسين باشا عبدالله سراج الشاعر الأديب المسرحي القاص، الذي تنوعت مواهبه وتعدد انتاجه، حتى إنه لما جمع تم اصداره في عشرة مجلدات، هي اليوم بين أيدينا ننعم بقراءتها بفضل جهود الأديب الوجيه الأستاذ عبدالمقصود محمد سعيد خوجة، ومشروعه الكبير لاصدار المجموعات الكاملة لمن ورد ذكرهم في كتاب "وحي الصحراء" المخلد لأدب روادنا، ومن أبرزهم شاعرنا الأديب الراحل - غفر الله له وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر على فقده، والعزاء للوطن كله بفقد أحد رواده الأفذاذ -..
وقد مارس - رحمه الله - السياسة وارتقى أعلى مناصبها وشغل نفسه بالعمل الإسلامي ردحاً من الزمان عبر رابطة العالم الإسلامي، زار معظم بلاد العالم وتجول فيها وأنشد شعراً يخلد زياراته، ويطبعها بطابع الإنسانية المتسامح الذي رسخ في نفسه وبه اشتهر، وهو من أسرة علم فقد تولى والده الافتاء بمكة ورئاسة الوزارة، في زمن عز فيه وجود البارزين في هذه المجالات من أبناء الوطن، جاهد في حياته من أجل كرامته وعزة نفسه لم يرض لها إلا أن تكون حرة أبية، وعاش مرفوع الرأس ويموت بالأمس ويبلغنا خبر وفاته، ونحن نقرأ تراثه الغزير في جل فروع الأدب وأجناسه.
رحم الله فقيد الوطن الذي بلغ القمة في كل ما أنتج، وترقى في المناصب السياسية وأنعم عليه بلقب الباشا حينما كان للألقاب بريقها وظل الأديب الشاعر الذي يملأ الدنيا شدواً ويعامل الناس بخلق رفيع وتواضع جم.
أما الشاعر الدكتور يوسف العارف فيقول: "غريب أمر هذه الدنيا.. سرعان ما تنهزم فيها نفسياتنا التي تواطأ الموت على هزيمتها وسرعان ما ينبلج فجر ضعفنا إذا واجهنا العدم الحياتي وانتقل بعضنا الى الحياة الآخرة!!
غريب أمر هذه الدنيا..
يوم تعجبك بأفراحها..
ويوم تسوؤك بآلامها وأتراحها..
بالأمس فرحتا للجنادرية عرس الثقافة والتراث.. واليوم تفجعنا في أديب سعودي شامخ البيان حسين سراج!!
ذلك الفتى المكي نشأة وتعلماً، الطائفي مولداً البيروتي تمدرساً جامعياً.لقد تنساه المشهد الثقافي السعودي بآخره.. ولم يلتفت إلى قامته الثقافية التي أنجزت عبر مسيرتسها الأدبية الطويلة مجموعات من الشعر والرواية والقصة والمسرحية وها هو اليوم يستعيد هذا التراث الأدبي الذي طواه النسيان.
ربما يكون الموت حياة!!
وربما يموت الإنسان وهو حي!!
عجيب أمر هذه الدنيا!!
حسين عبدالله سراج "رحمه الله" نموذج للأديب الشمولي، سمو عاطفة اذا عالج في شعره عاطفة ورقة يحمل في قصائده الموجهة للأنثى/ الأم، الأنثى/ الزوجة، الأنثى/ الوطن أعمق المشاعر الإنسانية.
حسين سراج: فتح أدبي عملاق سما بروحه وأدبه عن مزالق الشهرة فعاش زاهداً فيها مخلصاً لفنه وأدبه.. ها هو اليوم يغادر دنيانا الفانية بذكرى طيبة وسمعة حسنة وها أنتم أيها النقاد تحيون في موتكم لأننا أمة دفانة كما قال عزيز ضياء رحمه الله.
رحم الله الأديب حسين سراج واسكنه فسيح جناته..
و"إنا لله وانا اليه راجعون".