بحث



الأثنين 1 صفر 1428هـ - 19فبراير 2007م - العدد 14119

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الجنادرية من مضمار سباق إلى عاصمة لتراث الأجيال..

د. يوسف بن أحمد العثيمين
    لقد عبَّر الأمير المتعسكر، والعسكري المتمدين، خير تعبير عن رحلة (الجنادرية) التي امتدت (22) عاماً، برعاية ومتابعة كريمة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي غرسها فكرة، ورعاها مشروعاً، يؤتي أكله كل عام ثقافة وتراثاً.

والواقع أن جميع المؤسسات العسكرية والأمنية في بلادنا (الجيش العربي السعودي، والقطاعات الأمنية، والحرس الوطني)، لا تقتصر جهودها على الأدوار التقليدية من عسكرة، وحفظ أمن، وحراسة حدود ومنشآت، بل تتجاوز ذلك إلى كونها (أوعية) حضارية، وقنوات تنموية تشمل خدمات التنمية والتعليم والتدريب والصحة والإسكان، وهي أيضاً - أدوات (صهر) اجتماعية لمختلف مكونات وشرائح ومناطق المملكة، فضلاً عن كونها أدوات ل (تحويل) الولاءات من العشيرة والقبيلة والمنطقة، إلى الولاء للوطن على اتساع مساحته.

لقد أعطت (الجنادرية) للحرس الوطني، هذه المؤسسة العسكرية الراسخة، وجهاً حضارياً وثقافياً وإنسانياً عبر رسالة هذا المهرجان، المتمثلة في حفظ تراث الوطن وتأصيله وتوثيقه، وتقديم هذا التراث الأصيل للأجيال كابراً عن كابر.

لقد نجحت (الجنادرية) في كونها أصبحت (سوقاً) ثقافياً جديداً للعرب وتكريم المثقفين، وأداة فعالة لحفظ التراث عبر سباقات الهجن والخيل، وتوثيق العروض للحرف اليدوية، وعرض المنتجات الفلكلورية، والمأكولات الشعبية، والأزياء التقليدية، والألعاب الفرائحية، والتي عكست في مجملها (الفسيسفاء) الجميلة لمكونات الموروث الاجتماعي، والمخزون الثقافي في المجتمع السعودي.

ولكن (الجنادرية) أصبحت (ضحية) نجاحها !نعم، فالنجاح مثل الفشل، له ضريبة.. وعلى القائمين على المهرجان الاعتزاز بذلك.. وهم كذلك.

لقد نجح المهرجان في (رفع) سقف توقعات الناس منه، ومن القائمين عليه.. ويكفي أن تعلم أنه ما أن يحل موسم المهرجان إلا وتجد أن (الجنادرية) أصبحت مادة لحديث الناس والمجالس والصحافة والإعلام، وعلى كافة المستويات، وبين مختلف شرائح المجتمع، وهذا مؤشر نجاح، إذ لو كان المهرجان (باهتاً) لما أثار من الغبار حوله ما يثيره كل عام.

ولعل سر نجاحه يكمن في أنه لامس وتراً حساساً عنيفاً ولطيفاً في نفوسنا، لم لا؟ وفعالياته تتناول الموروث والهوية، وحياة الإنسان السعودي البسيط، وثقافته بالمعنى الشامل.

إن (الجنادرية) ليست فكراً أو نمطاً (نخبوياً) ينحصر تأثيره وأثره على شريحة محدودة من المجتمع، أو (فعالية مناطقية) يقتصر الاهتمام بها على من يعيشون في دائرتها، أو (عصروياً) يثير خيال فئة شبابية تلاحق الصرعات الجديدة والمثيرة.

الجنادرية، بمعنى من المعاني، هي (نحن السعوديين)، كلنا دون استثناء، رجل وامرأة، شيباً وشباباً، ذكوراً وإناثاً، علية وسوقة، ومنطقة بعد منطقة هي (نحن) القبائل والأسر والأفراد والمناطق، عادات وتقاليد، وقيماً وموروثاً.. لذا، فلا عجب أن تثير (الجنادرية) كل هذا الحنين، وكل هذه التوقعات، وكل هذه المطالب، وكل هذا الحماس.. لدرجة أن الناس تنسى معها أن مطالبهم ليست (حقوقاً) على الحرس الوطني.. فلا على المحسن من سبيل.. ولكن هي ضريبة (النجاح) الذي حققه المهرجان عبر السنين.

لقد تفاوتت طلبات الناس وتوقعاتهم من المهرجان بين الممكن والمستحيل.. ودعونا نرصد:

@ يريدون أن يكون المهرجان على مدار العام.. وهذا مستحيل، فلا يوجد مهرجان في العالم تستمر فعالياته على مدار العام، ولو كان كذلك لما سُمّي مهرجاناً.. المهرجان - أي مهرجان - ليس معرض سيارات، أو صالة بضائع.. المهرجانات ومضات وقبسات، ولمحات ولوحات، تحشد لها الموارد والقدرات، والمواهب والمنتخبات، ومن ثمَّ تتوج عرضاً واحتفاءً في مدة معينة من العام.

@ يريدون أن تكون الجنادرية (جنادرية لاند).. ولكن هذا (شغل) القطاع الخاص، إذ بإمكانه، وبالتعاون مع هيئة السياحة، أن يطور مفهوماً استثمارياً، ومنتجاً ترفيهياً وخدمياً، يقوم على صناعة التراث الوطني، والحرف اليدوية، والترفيه الفلكلوري، التي يمكن أن (يشغل) الناس، ويصبح مصدر رزق دائم لهم، بدلاً من كون الأمر هواية، أو أعمالاً موسمية.

هذا التوجه يمكن تحقيقه إذا تم تحويل موقع (الجنادرية) إلى محافظة أو مركز، يعيش فيها الناس طوال العام، وجعله (نقطة) جذب للسكن، فضلاً عن الخدمات الأساسية من المدارس والمراكز الصحية، والأسواق التجارية، والفنادق والشقق المفروشة في محيط الجنادرية، لكي تتشكل مع الأيام مدينة تراثية ترفيهية، تكون قبلة للمهتمين والمشتغلين في هذه الصناعة، سكناً ومعيشة وارتزاقاً.. باختصار (جنادرية لاند).

@ يريدون تطويره سياحياً.. وهذا قد يكون ممكناً.. ولكن هذا يتطلب خبرة وتخصصاً، واستثماراً طويل الأجل.. والهيئة العليا للسياحة، بحكم الاختصاص، هي الأقدر على تقديم أفكار محددة لتطوير هذا الجانب.. وفي تقديري أن (تسييح) الجنادرية يتطلب تغييراً جذرياً في مفهوم الجنادرية..فالسياحة في أبسط أبجدياتها صناعة، تتطلب بنية تحتية، وزبوناً دائماً، وإثارة مستمرة، وجمهوراً متجدداً، وخدمات شاملة، وفي النهاية أرباح محققة، هذه المنظومة لا يتوقع أن ينهض بها الحرس الوطني، فهذا ليس (شغله).

@ يريدون القضاء على الرتابة.. بعض الناس لديهم مفهوم (حالم) عن رتابة الجنادرية.. يريدون من الجنادرية أن تكون من (عجائب الدنيا السبع).. وهذا مستحيل.. وحتى لو كان (العجيبة الثامنة) فإنها ستكون رتيبة إذا زرتها أكثر من مرة.. ولكن جوانب التجديد تكون في العناصر الثقافية، وفي العروض المسرحية، وفي الفنون التشكيلية، والعناصر الترفيهية، وفي الحرص - دائماً - أن تكون مجالاً ترفيهياً جذاباً للأسرة جميعاً.. خاصة النساء والأطفال في مجتمعنا الذين هم أحوج للجنادرية من غيرهم.

@ يريدون معالجة ضعف الإقبال على الندوات والمحاضرات.. وهذا ممكن لو تم التفكير في وسائل إبداعية لجذب الناس، وإثارة اهتمامهم، مثل نقلها على الهواء بالترتيب مع التلفزيون السعودي، أو عبر الإنترنت.

@ يريدون فتح الباب للأسرة كوحدة واحدة (زوج وزوجة وأولاد)، لكي يتمتعوا جميعاً بالمهرجان.. وهذا مطلب منطقي وممكن إذا تحققت الضوابط اللازمة لذلك.

@ يريدون فتح المجال أمام السياح من خارج المملكة لزيارة المملكة.. وهذا مطلب ملح وممكن، إذ علينا تسهيل ذلك لكي يطلع العالم على التراث السعودي الغني بعناصره، والثري بتنوعه وأصالته، والضارب بعمق في جذور التاريخ.. والسائح الأجنبي يطوف حول العالم باذلاً الأموال الطائلة لكي يبحث ويتمتع بتراث الشعوب، وليس الترفيه بمعناه الرخيص الذي يجده في بلده دون حاجة إلى وعثاء السفر، وفراق الأهل والولد.. ولعل تسهيل موضوع التأشيرات، وعقود التخفيضات مع الناقل الوطني إحدى الوسائل لتحقيق ذلك، مع (دعاية) لذلك عبر السفارات السعودية في الخارج.

إن هذا سوف يكون من (أرخص) الوسائل لإعطاء العالم صورة ناصعة ومنصفة ومشرّفة عن واقع وتراث المجتمع السعودي، وعلى (حساب السائح).

@ يريدون تشجيع فكرة أن يتاح لكل دولة، في كل عام، استضافة عروضها وفلكلورها وتراثها في المهرجان.. وهذا ممكن.. وسوف يتيح فرصة للشعبين، السعودي والضيف، لكي يطلع الشعبان على تراث وثقافة بعضهما البعض، وإذا افترضنا أن لدينا (128) دولة، فإننا نحتاج إلى (128) عاماً لتغطية الكرة الأرضية وشعوبها، وهذا منجم ثقافي وتراثي لا ينبغي إغفاله.

@ يريدون (يوم) إجازة رسمية تربط مع نهاية الأسبوع، لكي تتاح للأسرة السعودية (3) أيام كاملة لزيارة المهرجان، والاستمتاع بفعالياته.

@ يريدون تشكيل هيئة استشارية تطوعية من رجال الأعمال، ومن المهتمين بشؤون التراث والفلكلور والفنون والأزياء، يقابلها لجنة نسائية لها ذات الاهتمام، على غرار (التشاورية) التي تعنى بالثقافة والتكريم.

@ يريدون إيجاد جنادرية على مستوى المناطق، لكي تكون صورة (مصغرة) للجنادرية على مستوى المناطق، وربما تختار أيام عيد الفطر، أو إجازة الربيع لذلك، وبحيث تكون (جنادرية المنطقة) معهداً للتدريب والعرض، واختيار الأفضل لما يعرض، ومن ثمَّ تنقل ل (الجنادرية الأم) في الرياض.

@ يريدون استحداث جائزة سنوية تمنح لأفضل عرض من مناطق المملكة، بعد الفحص والترشيح من قبل لجنة متخصصة.

هذا طيف من تطلعات الناس وطموحاتهم من المهرجان الوطني للتراث والثقافة

أنتم يا أهل المهرجان كرماء، (وحنّا نستاهل).

3 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


د.يوسف،،
أعتقد بأن الجنادرية فكرة أكثر من رائعة... ولكن !!
من الافضل أن تتم فعاليتها كل سنتين بدلا من كل سنة..
فعقد الجنادرية سنويا فيه الكثير من التكرار والملل والاهم من ذلك هو التكاليف المادية الباهظة التي يتم من خلالها الصرف على إقامة تلك الفعاليات سنويا.
يعني لو تكون كل سنتين.. يكون أفضل
أتمنى حقيقة دكتور يوسف طرح مثل هذا الاقتراح. والله يحفظكم. أبولينا. الرياض


أبولينا
ابلاغ
01:03 مساءً 2007/02/19

 

ادعو الله ان...


الاستاذ الكريم
عند قرأة مقالك طاف في ذهني تلك الصوره للاب حين يتكلم عن احد ابنائه
فهو يمجدفيه ما فعل وما سيفعله , وماذا حقق وما سوف يحقق.
يتكلم عن ابنه ويجعله فارس الفرسان وفريد الزمان , ويراه وقد تكالبت عليه فاتنات العصر وملكات الجمال تتقرب اليه بالطرف الكحيل والخصر النحيل وكلهن يمنين النفس بألاقتران به والانجاب منه لعله يكون صورة من ابيه رجلا ناجحا فحلا قويا.
وفجأه يعيد النظر اليه ليعيد حلمة الثدي الى فم الطفل ليكمل الرضاعه.
يا استاذنا العزيز
متى سنرى الصوره على حقيقتا لنتكلم عنها بواقعيه..؟؟


بن عبيد
ابلاغ
02:26 مساءً 2007/02/19

 

كيف نفعل الجنادرية اقتصاديا


الجنادرية مشروع وطنى يستحق التطوير والمراجعة , ويمكن ان يتم من قبل فريق تحت اشراف صاحب السمو الملكى الامير متعب بن عبدالله بن عبد العزيز.فريق يختلف عن الفريق القائم علية الان ,وهذة دعوة ارفعها الى سموة الكريم. فالمبالغ المالية التى تصرف على المهرجان بحاجة الى ترشيد وشفافية , ومراجعتها سوف يعزز من فاعلية المهرجان وتطويرة. كاستحداث مركز ابحاث للمحافظة على التراث,والصناعات التقليدية القائمة على المواد الخام المحلية ,فمثلا شجر النخيل الذى تشتهر بة المملكة يوجدبة اكثر من عشر مواد خام يمكن ان يقام عليها صناعات حرفية.الفكرة ان يوجة جزء من الاموال الضخمة المخصصة للمهرجان الى استثمارات استراتيجية لتنمية مستدامة.

a_allatif@hotmail


د- عبد الرحمن الراشد
ابلاغ
07:31 مساءً 2007/02/19


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية