يرصد تلك الخسارة الكبرى للعرب بفقدهم لملامح مشروع كان قادراً على الحياة.
في زمن الانحطاط السياسي وتحول العرب إلى قبائل سياسية طائفية ومذهبية، استدعي ملامح مشروع، بكل أخطائه وخطاياه لم يتركنا لحالة يأس عربية وانكفاء حضاري وانهاك متواصل كما نحن اليوم.
المشروع القومي العربي ضحية نظم عربية، سرقت هذا المشروع، حولته إلى دولة أمنية بوليسية بامتياز حتى ابتلعت المشروع والأمة والوطن، وفقد المشروع ملامحه الإنسانية والحضارية. صادرت حرية الإنسان العربي، حاصرت وقمعت وأنهت الحياة السياسية، قتلت وشردت نخبها السياسية... ومن المفارقات أن هذه النظم التي توسلت المشروع القومي.. لم تعد لها سوى ملامح العلاقات العشائرية أو الطائفية أو مصالح القوة ذات الطابع الولائي المطلق للزعيم. غامرت بمستقبل الإنسان العربي، لم تقدم شيئاً يذكر على مستوى الاقتصاد أو التنمية أو تطوير الإدارة أو الرفاه الاجتماعي. فشلت فشلاً ذريعاً في استعادة فلسطين، أو مقاومة المشروع الصهيوني على قاعدة الإنجاز... لكنها بقيت تحكم قبضتها وهي تتوسل واجهة الحزب القومي.
هكذا تتبدى بعض ملامح ونتائج تجربة تلك الأحزاب القومية التي قفزت للسلطة تحت مشروعية الحزب وبأداة الجيش أو قوة الانقلاب في ليلة الإعلان عن البيان الأول.
قراءة التجربة على هذا النحو فقط ربما يحمل المشروع القومي رصيد فشل تجربة لا معاودة القراءة في الأفكار التي حملها وكانت قادرة على الحياة.
لقد أصبح أي حديث أو قراءة أو دعوة لاستعادة ملامح مشروع يتوسل القومي أو العروبي أو الوحدوي، هذيان حالمين أو أشواق منهمكين في استعادة ملامح حلم... حتى أنه يتعرض اليوم كل صاحب انتماء عروبي أو قومي للتهكم والانتهاك والسخرية المرة. وكأن المرحلة التي نعايشها اليوم مرحلة ما بعد المشروع القومي حملت جنيناً قابلاً للحياة ولم يكن جنيناً مسخاً مشوهاً مضطرب التفاصيل مروع النزعات.
تستفزني مفردات غاية في السخرية والشماتة تستخدم ضد بقايا القوميين أو العروبيين أو الوحدويين العرب. فهم مجرد (قومجية) يتباكون على أنظمة بائدة، وغوغائيين يدافعون عن نظم الاستبداد، وجوقة منقرضة تستعيد بعض حضورها من خلال الفضائيات وهي مجرد أصوات من الماضي الكئيب. هكذا وبكل بساطة يقرر البعض من كتاب اليوم الذين لا يفرقون بين مشروع له مقومات الحياة، وبين استقراء التجربة واكتشاف ملامح مرحلة بروية وعدالة. للتجربة أياً كانت أخطاؤها بل وخطاياها لكن لا يعني هذا الاستسلام لإلغاء كل مقومات مشروع قابل للحياة... بين ملامح مشروع كان لها مقومات الحياة وبين تطبيقات نظم شمولية بائسة لم تكن بمستوى الحلم الكبير تكمن في أي قراءة لها صفة العدالة.
هكذا اليوم في زمن البؤس العربي الشامل يصبح كل منافح أو مستدع لملامح مشروع عربي قومي مجرد مسوق للنظم الأمنية الشمولية البائسة. وكأنه لا وجود لأنظمة القمع سوى في أحضان متوسلي المشروع القومي. خلط فاضح وقتل متواصل حتى لفكرة عربية جامعة ولأي محاولة لاستعادة مقوم حقيقي غائب اليوم عن أجندة الساسة أو المثقفين.. السؤال لو كان لهذا المشروع حضوره اليوم حتى بالحد الأدنى هل تحول العرب إلى قبائل طائفية ومذهبية تواصل حفلة الدم ومشاهد التدمير الذاتي.
عندما أقرأ لأحدهم وهو يستدعي تاريخا عربيا، يجب أن يُقرأ قراءة أكثر وعياً بتاريخ مرحلة وهو لا يتوسل سوى مصطلحات من نوعي (قومجي) إمعاناً في الانتهاك والتسفيه، أدرك أن هذا إفراز لزمن الكاتب (العربجي). حيث يتحول كل العروبيين أو القوميين أو أصحاب المشروع البائد - في نظر هؤلاء - إلى جوقة هذيان شامل.
ماذا خسر العرب الكثير بسبب انحطاط المشروع القومي على يد تجارب نظم القمع والإلغاء؟.. ألم تكن حياة هذا المشروع بإيمان الجماهير العربية به، في مرحلة لها بريق ولون الحلم العربي، وبقدرها العروبي وبحلمها بنظام عربي وحدوي يضع الأمة على معارج النهضة.. بعد أن غابت زمناً طويلاً في غياهب النسيان أو التخلف أو الانحطاط.
الحلم العربي مبعثه الروح التي ضخها في أوصاله التبشير بهذا المشروع... ومقتله أيضاً في تجارب نظم الانحطاط العربية التي حولت فكرة مشروع يحمل ملامح الحرية والاستقلال والتقدم إلى دولة الاستبداد والقمع والإلغاء ومن ثم التخلف الذريع في كل مجالات الحياة. ومن شديد الأسف أنه حتى دولة الاستبداد العربي اليوم تبدو رحمة بالنسبة لمستقبل العرب المظلم المنظور.. في وقت صار المشهد اليومي هو الذبح على الهوية والإنهاك المتواصل على مذبح الطائفية وتفتيت ما بقي من الدولة العربية القطرية إلى قوى وشبه دويلات طائفية ومذهبية وعشائرية.
من الحق أن يقال إن المشروع القومي العربي - حتى نظرياً - لم يكن يعطي أولوية للحرية السياسية على الطريقة الليبرالية الغربية، لكنه كان يحمل جنيناً قابلاً للحياة، وكان بإمكانه أن يحقق المزيد كجزء من ملامح مشروع قابل للتعديل والمواءمة وقراءات التحولات. لكنه قبل هذا كان بإمكانه بناء دولة عربية قوية قادرة على صناعة حياة أكثر تقدماً ومنعة وبقاء. للمشروع أدوار في مواجهة الاستعمار القديم واستقلال القرار الوطني ورفض الوصاية الأجنبية وعدالة توزيع الثروة ونشر التعليم والتوجه نحو التنمية الشاملة.
لم يقدم هذا المشروع الكثير لكنه أيضاً حافظ على كيانات، لم يرحل بالعرب إلى عالم متقدم، لكنه لم يتركهم كما هو الحال اليوم في حروب طائفية مذهبية تمثل أكثر الأشكال بدائية في التحزب والارتهان للهوية الطائفية الضيقة القاتلة لمعنى التكوين الاجتماعي القادر على التعايش بحيوية ناهيك عن العيش بسلام.
قد يقول قائل إن حصاد اليوم المر هو من نتائج هذا المشروع، وهذه تحمل بعض المشروعية من وجه لكنها تتجاهل وجهاً آخر. لم يحقق هذا المشروع الكثير عبر النظم التي توسلته ولا أقول المشروع بحد ذاته، ففي رأيي أن المشروع القومي العربي انتهك على يد متوسليه من العسكر والمتحالفين معهم حتى تحول إلى مشروعية بقاء نظام حاكم لا بقاء وطن، ومن حلم دولة لها كل مقومات الازدهار إلى مشهد نظام لا يعرف من وسائل البقاء سوى القبضة الأمنية والدولة البوليسية التي أفسدت بطبيعتها الحياة، لتحرير هذه المسألة علينا أن ندرك عدة عناصر تجعلنا نقترب من نتائج لها صفة الوثوق أو الاطمئنان إلى بعض صحتها على أقل تقدير. أولها أن المشروع القومي لم يكن مشروعاً دينياً طائفياً إنه كان مشروعاً عربياً وحدوياً، أي أنه مشروع يحمل مقومات البقاء رغم أنه لا يصل إلى مستوى مشروع دولة ليبرالية تعددية دستورية على الطريقة الغربية.. ومن سخرية الأقدار أننا لن نتذوق شهد هذا الحلم قريباً، كما أن القلق يأخذنا حتى ربما لا نقوى على استعادة حلم دولة قطرية عربية لها صفة البقاء ومواجهة حلقات التآمر. وعندما نقول ان المشروع القومي كان مشروعاً وحدوياً لا نقصد الفكرة الاندماجية القسرية تحت مظلة نظم توسلت هذا المشروع على الطريقة الستالينية، لكن نقصد أنه كان يحمل جنين هذه الوحدة ويعمل من خلالها كعنوان قابل للحياة وان تعددت الوسائل.
يُحمل البعض المشروع القومي ملامح الشوفونية القومية العصبوية، لكن التجربة التاريخية لم يعبر عنها هذا المشروع باستدعاء العرقي بمفهوم النقاء القومي.. قد يكون هذا المشروع أهمل مسألة الاثنيات القومية في النسيج العربي. لكن ها هي ملامح اليوم التي فقد فيها العرب حلمهم القومي، ها هم يتحولون إلى مشروع تفتيت من داخلهم عبر استدعاء الهوية الدينية والعرقية (مسيحي/ مسلم، قبطي/ مسلم، سني/ شيعي، عربي/ كردي. كردي/ تركماني، عربي/ أمازيغي...). استدعاء الخلل في المشروع القومي لا يبرر النزوع نحو خلل أكبر وتدمير أكبر وتحول العرب من نسيج قادر على هضم مسألة العروبة في كيانات أكثر قدرة على الحياة وممانعة التفتيت..
خسر النظام العربي القومي معركته في التنمية، وخسر معركته في فلسطين تلك القضية التي طالما توسلها، وخسر معركته في مشروع وحدوي قادر على الحياة. لكن كان له القدرة على الصمود والبقاء رغم كل ما يتحرك في المنطقة مع عوامل الانهاك والتفتيت.
يتحمل النظام العربي الكثير من المسؤولية عما آلت إليه الأحوال اليوم في المنطقة، لكن علينا أن ندرك أن المنطقة مستهدفة منذ أمد بعيد، وأن مشروع استدعاء الوعي الطائفي كان جزءاً من أجندة حاضرة للسيطرة على هذه المنطقة لعاملين اثنين لا يمكن تجاوزهما: أولهما مصالح الغرب الاستراتيجية، حيث لا يمكن للغرب أن يترك بسهولة منابع النفط والحبل السري الذي يصل عالمه بالطاقة والحياة رهن بنظام قوي مستقل يحمل إمكانية السيطرة على ثرواته التي تمثل أعظم مصادر الطاقة في العالم، ولذا كان التفتيت والإرهاق وإشغال المنطقة وسيلة للسيطرة على تلك المصادر. الأمر الآخر أمن إسرائيل التي لا يمكن أن تحيا وتقوى وتحافظ على كيانها بوجود نظام عربي قوي يملك القدرة على تحقيق حالة توازن مع المشروع الصهيوني في المنطقة.
انحطاط المشروع العربي القومي هو حياة وعلو للمشروع القومي الفارسي هذه هي الحقيقة اليوم حتى لو حاول البعض صرف النظر عنها باعتبارها استدعاء مذهبياً أو طائفياً.
الطائفية اليوم هي الغطاء لهذا المشروع وحروبها هي تصب في مصلحة هذا المشروع.
الإسلام السياسي استخدم منذ وقت مبكر في مقاومة المشروع القومي العربي، إبان الحرب الباردة، وعندما تم القضاء على هذا المشروع، استدعيت الطائفية كوسيلة للبقاء في مشهد صراع.
فقد المشروع القومي بريقه منذ وقت مبكر، وها هي فكرة الإصلاح والتحول الديمقراطي تبدو حلماً بعيد المنال. لا النظام العربي قادر على الاقتراب من هذا التحول دون تنازلات، ولا مقومات المجتمع العربي قادرة على استلهام حالة تحول، ولا صراع القوى الاقليمية والدولية في هذه المنطقة بمنأى عن مخطط الانهاك، حيث انبثق عقلها التآمري على استدعاء الطائفية التي لا تحمل سوى مشروع الإنهاك والإضعاف المتواصل.