الطيبُ... الصالح
كثيراً ما نظن أن الإعجاب بحضارة ما يعني انسلاخ المرء الذي يمارس الإعجاب من وطنيته، حتى إن ظنوننا قد تتمادى بهذا الشخص لدرجة اتهامه بالعمالة للدول التي تبرز فيها هذه الحضارة.
والمعادلة السابقة ليست معادلة رياضية علمية واجبة التحقق بطبيعة الحال، وهذا ليس صحيحاً باطراد، فهاهو الزعيم الهندي الشهير جواهر لال نهرو، الذي يرجع إليه الفضل - بعد المهاتما غاندي- في انتزاع الهند من السيطرة الإنجليزية، كان (أي نهرو) رغم عدائه السياسي البارز لبريطانيا، شديد التأثر بالحضارة الإنجليزية، وعظيم الإعجاب بثقافتهم، بل كان يتحدث ويكتب بلغة إنجليزية فاخرة، كما يقول الطيب صالح في كتابه الماتع: "المضيئون كالنجوم: من أعلام العرب والفرنجة (2)".
أخذ الطيب صالح من أصوله السودانية اسمه الأول فوافق الاسم المسمى، علماً وأدباً ومعرفة وسلاسة قلم.
تقرأ في كتابه الذي ينقلك بين الشرق والغرب بحرفنة واحترافية فلا تحس بفارق التوقيت في الانتقال، ولا باختلاف درجات الحرارة.
يحدثك الطيب عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته وحياته، فتظن أنك تقرأ لمحدث يجيد انتقاء الأحاديث وترتيبها في سياق مؤثر، ثم ينقلك للحديث عن الفاروق عمر بن الخطاب، فكأنك تقرأ لابن كثير، ثم يفيض عليك من فيوض العارفين، فتتسائل: كيف علمت بريطانيا الزهد لهذا الصالح.
ولو توقف حديث الطيب الطيبِ على عمر الفاروق، لما تعجبت، فقد كانت شخصية الخطاب مبهرة لمعظم المثقفين العرب، لكن الطيب يعرف الطيب، فقد كتب عن عثمان بن عفان ما لم أره لمثقف من المعاصرين جودة واتقاناً وإنصافاً.
وكمن يلتقط الرحيق يتحدث عن كرم عبدالله بن عمر بن الخطاب، ثم يلتفت إلى أنه بقدر ما كان عبدالله بن عمر كريماً في عطائه، فقد كان كريماً في أخذه، ثم يفيض أستاذنا الطيب: وفي الأخذ أحياناً بعض معاني الكرم. كان (أي ابن عمر) يعطي كأنه يأخذ، ويأخذ كأنه يعطي. وكان شعاره في ذلك بسيطاً. أخبروا عن نافع مولى ابن عمر قال: "كان يُرسل بالمال إلى عبدالله بن عمر، فيقبله ويقول: (لا أسألُ أحداً شيئاً ولا أردّ ما رزقني الله)".
وهو يتحدث عن مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه كما يتحدث عن مقتل الحسين بن علي، فيُبكي قارئه تأثراً بتصويره للدراما الدامية في الحادثتين التين مضى أربعة عشر قرناً عليهما!
turkid@alriyah.com