
ضمن فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة وضمن برنامجه الثقافي اقيمت مساء امس بقاعة الملك فيصل بفندق الانتركونتننتال محاضرة بعنوان (الاصلاح.. الاصول الشرعية والمنطلقات العلمية) القاها معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين وادار الحوار فيها الدكتور: عبدالرحمن بن صالح الشبيلي وقد بدأ الشيخ الحصين محاضرته بالحديث عن الارتباط القوي بين الاصلاح والدين بقوله: وعند صياغة المنظمين للندوة عنوان هذه الكلمة كان واضحاً في اذهانها ولا شك الارتباط القوي بين الاصلاح والدين، وبخاصة في المجتمعات الاسلامية وبخاصة في المجتمع السعودي حيث تتميز المملكة العربية السعودية بأن كل المواطنين السعوديين فيها والمقيمين معهم اقامة دائمة كلهم بدون استثناء مسلمون يؤمنون بأن الاسلام منهج شامل للحياة له السلطة العليا والمطلقة على تنظيم حياتهم في شتى مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وفي تاريخ البشرية يظهر الارتباط بين الدين والاصلاح في مظهرين: ان يكون الدين اداة للاصلاح وان يكون موضوعاً للاصلاح.
وحيث يظهر الارتباط المشار اليه في كون الدين موضوعاً للاصلاح نواجه فارقاً ظاهراً ومميزاً بين الاسلام والاديان الاخرى.
واضاف الشيخ الحصين بقوله: فيما يتعلق بالاديان غير الاسلام نلاحظ انها تتميز بالمرونة والقابلية للتغيير والتطوير ولذا نرى الحركات الاصلاحية في هذه الاديان تتجه دائماً الى التعديل والتغيير في فلسفتها او مكوناتها بهدف ان تكون الأفكار الدينية ملائمة للظروف الآتية التي يعيشها الانسان.
وقد مكن لهذا الامر السمات المشتركة تقريباً بين الاديان غير الاسلام.
ومن هذه السمات ان شخصيات مؤسسي الاديان الاخرى او انبياءها - بما فيها الاديان ذات الاصل السماوي - شخصيات إيمان وليست شخصيات تاريخ بمعنى انها تفتقد التوثيق التاريخي الكافي لاقناع اتباعها عقلياً بأن تلك الشخصيات وجدت فعلاً.
والسمة الثانية ان مصادر هذه الأديان او كتبها المقدسة تفتقد التوثيق التاريخي الذي يصل اسناد هذه المصادر الى نبيها او مؤسسها بصورة كافية للاقتناع العقلي بأنها كلام النبي، الامر الذي يسمح بالاقتناع الايماني بأن المصدر كلمة الله.
والسمة الثالثة ان هذه المصادر وقد تسربت اليها الافكار البشرية بما تحمل من تصورات وهمية، ومعلومات كانت سائدة في وقت معين وتغيرت مع الزمن كل هذا يؤثر سلبياً على الاقتناع الايماني بالمصدر الالهي للكتاب المقدس.
والسمة الرابعة قصور هذه المصادر عن مواجهة كل جوانب الحياة، او اختلال التوازن في معالجتها لجوانب الحياة، بمعنى انها تفتقد الشمول والتكامل وكلا الامرين يوجد المقتضى لتطوير الدين او تعديل مساره.
أما الاسلام فتغيب فيه كل السمات المشار اليها.
فالمسلم ليس لديه فقط الاقتناع بأن نبيه شخصية تاريخية بل انه وبقدر ما لديه من تعليم يعلم تفاصيل حياة نبيه حتى انه قد يعلم بالتوثيق التاريخي الكافي عن التفاصيل الدقيقة للحياة العامة لنبيه اكثر مما يعرف عن جاره، ويعلم عن التفاصيل الدقيقة للحياة الخاصة للنبي صلى الله عليه وسلم اكثر مما يعرف عن الحياة الخاصة لأبيه وأمه.
ومصدر الاسلام القرآن توجد منه فقط صيغة واحدة، ولا تختلف نسخة القرآن الموجودة اليوم في المغرب او الصين (او أي مكان في الارض) عن النسخة التي كتبت (وفق ادق احتياطات التوثيق) بعد خمسة عشر عاماً من انتهاء الوحي.
في خلال اربعة عشر قرناً مضت لم يكتشف في القرآن أي اختلاف او مناقضة للواقع او الحقائق العلمية.
والاسلام نظم جميع جوانب الحياة وتميز تنظيمه لهذه الجوانب بالتكامل والتناسق، او كما يعبر المستشرق النمسوي المهتدي محمد أسد: (الاسلام بناء تام الصنعة وكل اجزائه قد صيغت ليتمم بعضها بعضاً ويشد بعضها بعضاً فليس هناك شيء لا حاجة اليه وليس هناك نقص في شيء فنتج من ذلك كله ائتلاف متزن مرصوص. ولعل الشعور بأن جميع ما في الاسلام من تعاليم وفرائض قد وضعت في مواضعها هو الذي كان له اقوى الاثر في نفسي).
إن اليهودي لا يفقد يهوديته والنصراني لا يفقد نصرانيته ان تشكك في ان موسى او عيسى وجدا فعلاً او تشكك في صحة اسناد الكتب المقدسة لمؤسس الدين، او تشكك في صحة بعض محتويات الكتب المقدسة او ان التفكير البشري تسرب اليها او اقتنع بعدم كفايتها لتنظيم الحياة.
أما المسلم فإنه لا يبقي مسلماً ان شك في وجود النبي صلى الله عليه وسلم او موثوقية القرآن او صحته، او شك في ان علاج الاسلام لجوانب الحياة علاج كاف لا يحتاج الى تعديل او تبديل.
ان قابلية الأديان الأخرى للتطوير والتغيير بملاحظة السمات المشار إليها أعلاه أوجبت ان يكون اتجاه المصلحين والمجددين فيها إلى تعديل مسار الأفكار الدينية لكي تتلاءم مع الظروف المتغيرة ولكي تستجيب لتطور الفكر البشري وتصورات الإنسان المتغيرة عن المجتمع الصالح.
وبالعكس فإن عدم قابلية الإسلام ذاته للتغير بالتعديل أو الإضافة أو الحذف أوجبت دائماً ان يكون اتجاه المصلحين والمجددين في الإسلام ان يعودوا به إلى صورته الأولى النقية وان يزيلوا ما علق به من تشويه أو تحريف.
فالإسلام ذاته ليس موضوعاً للاصلاح وإنما يكون به الاصلاح قال تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".
بعد ذلك، تحدث الشيخ الحصين عن الأصول الشرعية للاصلاح وهي أربعة أمور: الإيمان والوعي كحقيقة الإسلام، تطابق عمل المصلح ودعوته لمبادئ الإسلام، تفادي اعاقة عمل مصلحين آخرين وأخيراً المصابرة والمثابرة على الثبات.
ثم تعرض الشيخ الحصين لتجربته في مجال الاصلاح في الإدارة بقوله: وتجربة المتحدث الحياتية تهديه إلى ان أول منطلق للاصلاح في مجال الإدارة هي مقاومة الغلو في إصدار القواعد التنظيمية، ان محاضرة كاملة لا تكفي للايضاح عن سلبيات هذا المرض وأثره على تخلف الإدارة.
يكفي في هذا المقام الإشارة إلى ظاهرة الميل غير السوي إلى الاسراف في الاعتماد على القواعد التنظيمية - سواء ظهرت في شكل قانون أم لائحة أم إجراء إداري - في حل المشاكل.
كما تحدث الشيخ الحصين حول الاصلاح الاقتصادي بقوله: مر المجتمع السعودي بتجربة رأسمالية على مقياس صغير، ولكنها كانت كافية ليدرك المجتمع ان الاتجاه الرأسمالي في الاقتصاد ليس دائماً عامل بناء، وأنه يمكن ان يكون عامل تدمير.
ففي خلال مدة قصيرة جاوزت القروض الربوية الاستهلاكية ثلث ناتجنا القومي الإجمالي، بعد استبعاد قطاع النفط والغاز أما عقود المخاطرة في الأسهم فقد أدخلت الدموع على آلاف البيوت ان استعمال المال في غير وظيفته الطبيعية أي اخراجه عن ان يكون قياماً للناس، واتخاذ المال طريقاً ذا اتجاه واحد من الفقير إلى الغني ليكون المال دولة بين الأغنياء وحتمية الظلم بين طرفي المعاملة في عقود المخاطرة وعقود الربا (تظلمون وتظلمون) كل هذه السمات الثلاث من السمات الملازمة للنظام الرأسمالي.
وأشار الشيخ الحصين إلى وجوب أن نعيد النظر في مدى الحكمة من تسارع مسيرتنا في اتجاه الاقتصاد الرأسمالي.
ويعزز هذا الواجب واقع نظامنا المصرفي الربوي وحقيقة أنه يعبد الطريق لتتجه مدخرات مجتمعاتنا إلى الأسواق الدولية التي ليست في حاجة إليها والتي تتسم بالمنافسة الحادة مما يؤثر على الجدوى الاقتصادية لاستثمار المال الوطني وفي ظل العولمة الاقتصادية إذا لم تثبت مؤسساتنا المصرفية في معركة البقاء أمام عمالقة المصارف العابرة القارات فالمتوقع أن يزداد الأمر سوءاً.
إننا بابتعادنا عن المبادئ التي نص عليها القرآن الكريم للتعامل في المال أي بأن يكون قياماً للناس يستعمل في وظيفته الطبيعية لمواجهة حاجات الإنتاج والاستهلاك والتوزيع وأن لا يكون دولة بين الأغنياء وأن لا يظلم به المتعامل فيه ولا يظلم فإن القانون الإلهي (يمحق الله الربا)، (فآذنوا بحرب من الله ورسوله) لابد أن يتحقق.
واختتم الشيخ الحصين محاضرته بالحديث عن الإصلاح التعليمي بقوله:
بالرغم من تغير اسم (وزارة المعارف) إلى اسم (وزارة التربية والتعليم) فلا يزال الاهتمام الأكبر - إن لم يكن الوحيد - الاهتمام بالتعليم بمعنى التركيز في العملية التعليمية على ملء ذاكرة الطالب بالمعلومات ويمثل هدف النجاح والحصول على شهادته هدفاً فاعلاً ومؤثراً ومتقدماً في سلم أولويات الطالب وولي أمره. وفي الدعوة لإصلاح التعليم تسود الرأي العام فكرة القلق على انفصام التعليم عن حاجات السوق أو القلق على مكانة المملكة العربية السعودية في سباق التقدم في تعليم العلوم الطبيعية والرياضيات. ولا شك إن لهذا القلق في مجاليه ما يبرره ولكن هناك أمر يجب أن تعطي له أولوية في مساعي إصلاح التعليم، وأعني بذلك مسؤولية التعليم عن بناء الشخصية السوية للمواطن، وهذا يتطلب وعي الطالب الكامل بهويته الثقافية، والثقة بمكوناتها إذ إن القوة المعنوية لا تغني عنها القوة المادية وقد فطن المفكرون في الإصلاح حتى في المجتمعات غير المسلمة إلى أن التقدم المدني والتكنولوجي لا يمكن أن يكون بديلا عن التقدم الروحي والخلقي وربما لا نجد أبلغ من ملاحظة الزعيم الروسي جورباتشوف الذي كتب في (برسترويكا) (يمكن لصواريخنا أن تصل إلى مذنب هالي وتطير إلى الزهرة بدقة متناهية ولكن إلى جانب هذه الانتصارات العلمية والتكنولوجية نجد نقصا واضحاً في استخدام المنجزات العلمية، ولسوء الحظ فليس هذا كل ما في الأمر فقد بدأ تدهور تدريجي في القيم الايدلوجية والمعنوية وبدأ الفساد يسري في الأخلاقيات العامة وزاد إدمان الخمور والمخدرات والجرائم) (مهمتنا الرئيسية اليوم هي إن نرفع من روح الفرد ونحترم عالمه الداخلي ونعطيه قوة معنوية ونحن نسعى لأن نجعل كل قدرات المجتمع الفكرية وكل إمكانياته الثقافية تعمل من أجل تشكيل شخص نشط اجتماعياً وغني روحياً ومستقيم وحي الضمير).
ومثل ذلك ملاحظة الزعيم الأمريكي ريشارد نكسون الذي كتب في آخر كتبه قبل وفاته بعنوان (ما بعد السلام).
(الإسلام الأصولي عقيدة قوية لأنه يستجيب لحاجات الروح، والعلمانية في الغرب لا تستطيع أن تغالبه، وكذلك العلمانية في العالم الإسلامي إن حقيقة إننا أغني وأقوى دولة في التاريخ لا تكفي، العامل الحاسم هو قوة الأفكار العظيمة).
أو ملاحظة السياسي الأمريكي جون فوستر دلاس (إن الأمر لا يتعلق بالماديات فنحن نمتلك أكبر إنتاج عالمي في الماديات ولكننا بحاجة إلى إيمان قوي وصلب وفاعل ومن دون هذا الإيمان سيكون كل ما نملك قليلاً).
أن السؤال الصعب كيف نحقق هذا الهدف في إصلاح التعليم؟
لا شيء يمكن أن يعوض النقص الذي نشعر به فيما يتعلق بالمعلم ذي الكفاية وحتى يكون في الإمكان تجاوز هذه الصعوبة فيمكن اقتراح تأليف كتيبات متدرجة المستوى تكون موضوعاً للقراءة الحرة للطالب حيث يشجع عليها بكل الحوافز الممكنة، كما تكون موضوعاً للنقاش والحوار بين الطلاب وبينهم وبين معلميهم وموجهيهم.
في مساعي إصلاح التعليم لا مناص من الانتباه لخطر متوقع وواقع مع الأسف وهو تأثير مسيرة التعليم بالأفكار الشائعة، والمشاعر العاطفية بدلاً من الاعتماد على التفكير الموضوعي وإعمال المقاييس العقلانية والواقعية.
بعد ذلك فتح المجال للتعليقات والأسئلة من قبل الحضور.
1
معالي الشيخ !
أسأل المولى القدير
أن يمد معاليكم
بدوام العون والتوفيق
وجزاكم الله خيرا على جهودكم المباركة
نصحا للأمة
وإبراء للذمة
جعل الله ذلك في ميزان حسناتكم
( يوم لا ينفع مال ولا بنون ).
ابو فيصل - زائر
12:47 مساءً 2007/02/17