بمقدورنا أن نتلمس في الكتاب الجديد الذي أصدره حازم صاغيه الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، تلخيصا لذلك المزاج الناري الذي يطل فيه المؤلف على ماضيه السياسي على نحو يضمر الكثير من التهكم والإلغاء. وهو بهذا يسجل سابقة في كل سير الكّتاب العرب، من حيث هي مادة لحياة متحركة تحوي الأخطاء والتخبطات، مثلما تتضمن لحظات إشراق وجمال.
وحازم صاغيه الذي اشتهر كاتبا يساريا عبر مجلة "الحرية" وجريدة "السفير" ببيروت السبعينيات، عُرف عبر صحيفة "الحياة" بعد عقدين من الزمن من بين الكتّاب المنفتحين على الغرب والفكر الليبرالي عموما. ولطالما أصبحت تلك التحولات ذريعة استخدمت ضده في غير مناسبة، ولكأن تصورات الشخص صك وراثي لاينبغي ان يحيد عنه كي لايتهم بالخيانة. حازم يجيب على تلك القيم القبلية الساذجة بكتاب يتضمن نزعة تنطوي على مناكدة متعمدة، مع انه يرفض هذا الوصف لنصه في مقدمة الكتاب.
(هذه ليست سيرة) الصادر عن دار الساقي، مجموعة من التصورات يكتبها صاغيه عن تواريخ انتمائه وانفصاله عن الأفكار والأحزاب والتنظيمات التي تَشَّكَل وعيه ووعي جيله في خضم تصارعها. وهو بهذا يحاول تقديم شهادة عن مرحلة يرى انها تفتقر الى مصادر التفكير السياسي، وهي محكومة بحماس الطوائف والصداقات والبيئات التي يعيشها الفرد.
يوفر الكتاب فرصة للقارئ كي يقترب من بيئة الشمال اللبناني المسيحي (الروم الأرثوذكس) التي رعت الكاتب صبيا وأسهمت في تحديد قناعاته. وهي قناعات تلبّست، أول أمرها، لبوس التعصب العروبي. ولكن المؤلف لا يدع للقارئ فرصة كي يأخذ الأفكار على محمل الجدّ، فإفراطه في غواية اللغة واسلوب التهكم، تجعل تلك البيئة تغرق في بحر من الصور المربكة، فيظهر وجهها البائس المهلهل، وكأنه يحاكي ما آل اليه حالها في ذهن كاتبها. غير ان بمقدورنا أن نتلمس في بورتريهات المكان المتشظي، بوادر الانفصال والتلاحم بين الهويات المحلية والجهوية. فالمسيحيون اللبنانيون عموما، كانوا من بين دعاة العروبة الأوائل، وكانت قدرتهم على دحض النظام الملّي العثماني تتحدد بإيجاد هوية تستبدل المراتبية الدينية بمراتبية جديدة، تصبح في النهاية قادرة على تثبيت حق المواطنة. في كتاب صاغيه نجد ترابطا لا انفصاما بين المسيحية والعثمانية، هذا الترابط يبعد فكرة "الذمّيّ" من الممارسة اليومية ويضعها في اللاوعي القصي للناس الشعبيين على هيئة اندماج، او في الاقل بين النماذج المسيحية التي دخلت في خدمة العثمانيين. جدته بطلة "روايته" لاتقترب في طقوسها وتصوراتها من روح الكنيسة المتسامحة التي تمجد اللاعنف وتساوي الناس أجمعين، بل تضع قيم الرجولة والقوة وبلاغة الحماس للعرب، فوق تلك الاعتبارات. هي تستعين بالشعر الجاهلي كي تضاعف نزعة التعصب لعروبتها، لتجد نفسها راغبة عن فكرة ضعف المسيح وصلبه، ومزهوة برجال الصحراء الأشداء الذين يفتكون باعدائهم دون رحمة.
في جو مشحون بالحب لصوت العرب وجمال عبد الناصر والأغاني التي تمجّده، تعرّف حازم الصبي على السياسية بمعناها الاقتحامي. كان البعث طريقه الأول الى الانتماء وهو طالب ثانوية ببيروت حيث اضطر الى الهرب الى مدرسة أخرى بسبب شكوى أحد الآباء من تلقينه ابنه ("جرثومة البعث"، وبعثيتي يومذاك لم تتعد عبارات إنشائية لمشيل عفلق وبضعة أبيات صرخها سليمان العيسى فوق المنبر.). وجد حازم الشاب نفسه عضوا في تنظيم "الطليعة العربية" الناصري تحت تأثير معلميه الناشطين في ثانوية بعاليه، ولكنه مالبث أن انفك من قيوده التنظيمية بعد أن اكتشف بعده المخابراتي.النزعة القومية بقيت ترافق تجربته في السياسة الى مابعد نكسة حزيران، حيث تعرضت تلك التجربة الى المساءلة فانتمى الى "القومي السوري" الذي لم يكتمل انتظامه في صفوفه سوى أشهر قليلة. ثم كان تحوله الى الماركسية التي تعرّف عليها عبر قراءاته وصداقاته ودراسته في بريطانيا. وبين كل تلك التجارب يذكر صاغيه تورطه في مديح الخمينية بعد الثورة الايرانية، مستجيبا الى نزعة الكثير من اليساريين في العالم الذين غفلوا وجه تلك العقيدة الشمولي.
رحلة شيقة لو نظر المؤلف اليها على شيء من الاسترخاء، لظفر القارئ بمادة غنية عن الحياة الحزبية والتنظيمات والفصائل والناس والمشاهير منهم. صاغيه لايذكر أسماء من التقاهم في دروب "نضاله" إلاّ على نحو مبتسر، ومع ان بعضهم من الكتّاب والسياسيين المعروفين، غير انه لايضع سوى اسمهم الأول، ولا يتوقف طويلا أمام شخصياتهم. في حين تشغله شخصيات بيئته الأولى، وبينها جدته، التي يصوغها على نحو كاريكاتوري، هي ومن حولها من المعارف والاصدقاء. الحس الفكاهي وهو افضل مافي حكايته، يضيع في حفريات اللغة والدراسة النفسية للنماذج مع انه في مواقع يستعين بهما لخلق المشهد الكوميدي.
اسلوب العمود الصحافي المكّثف الذي اعتاد صاغيه كتابته، حيث يسجل في جمل قصيرة مجموعة من الأفكار المتشعبة، أكل مشروع كتابه الذي يحتاج الى مساحة مختلفة للتأمل. ولكن هذا النص يبقى شهادة مهمة، ويمثل ضربا من الكتابة الجديدة التي تبتعد عن التحفظ ومجاملة الماضي وتبرير خطاياه.
فاطمة المحسن