بعض الفائزين بالجوائز لا يستحقونها، ولكن بعضهم الآخر، ومنهم الروائي الكولومبي غابريال غارثيا ماركيز الفائز قبل ربع قرن بجائزة نوبل، يستحقونها بحق وحقيق، كما يقال. فقد فاز بهذه الجائزة لا لأنه منشق كالمنشقين السوفيات، ولا لأنه يهودي الأصل، أو يهودي يكتب باليومنيشية التي لا يتحدث بها اليوم سوى أربعين ألف يهودي في كل أنحاء العالم، بل لأنه كاتب روائي أنجز أعمالاً خالدة منها روايته "مئة عام من العزلة" التي يحتفل العالم في هذه الأيام بمرور أربعين عاماً على صدورها. وقد فاز "غابو" بهذه الجائزة رغم أنه يساري، وهي صفة لا تدخل عادة في عداد الصفات التي تؤهل أصحابها للفوز "بنوبل". "فنوبل" يمينية حتى يثبت العكس، ونادراً ما ثبت هذا العكس، ومن حالات الندرة هذه فوز غابريال غارثيا ماركيز بهذه الجائزة.
ومع أن لهذا الروائي الكولومبي الكبير أعمالاً روائية كثيرة، إلا أن لمئة عام من العزلة مكانة خاصة في مسيرته الروائية. فقد نُقلت، كدليل على تميزها، إلى 35لغة، وباعت أكثر من 30مليون نسخة. وقد استغرق مخاضها، كما يقول "غابو" 18شهراً من العزلة، خلالها اعتزل كاتبها ضجيج الحياة اليومية ليتفرغ لكتابتها. ومن طريف ما ذكره بعد انجازها أنها تراءت له بكامل نضجها وبهائها، لدرجة كتب فصلها الأول كلمة كلمة، دون أية حاجة إلى تبييضه لاحقاً.
الرواية تختزل أدب ماركيز برمته. فقد تناول رائد "الواقعية السحرية" في روايته هذه، وعلى عادة الروائيين الكبار، تاريخ بلاده، بدءاً بالاستعمار والحروب الأهلية والتدخل الاقتصادي الاجنبي، وصولاً إلى اندثار نمط العيش الأصلي فيها. إنها قصة "ماكوندو" القرية الوهمية التي تنزلق بالتدريج إلى الفناء، من خلال أجيال عدة من أسرة آل بويندييا. واستناداً إلى الظاهر، فإن هذه القرية ستبقى وهمية. فلن تهجر العالم المتخيل لتتجسد في الواقع. لقد رفض أبناء اراكاتكا، مسقط رأس ماركيز التائه على الساحل الكاريبي، أن يضيفوا كلمة ماكوندو إلى اسم بلدتهم في استفتاء شعبي أجري مؤخرا. على أن ماكوندو اثبتت قابليتها للحياة، بعدما تخطت الرواية طابعها الأدبي لتتحول إلى كتاب رؤيا، أو كتاب رؤيوي.
تمتد أحداث "مئة عام من العزلة" على قرن من الزمن، وتمر على ستة أجيال من أسرة بويندييا. هي قصة سلالة تبدأ مع خوسيه اركاديو بويندييا لتصل إلى موت آخر فرد من الأسرة. في البداية تبدو ماكدوندو كأنها تشهد ما يشبه الحقبة الذهبية المطبوعة بالبراءة والبساطة، لكنها تنزلق نحو الحروب الأهلية والصراعات الاجتماعية التي تجلبها اليها حضارة مزعومة، فتغرق بعدها في الانحدار حتى الفناء الكلي.
يأخذ ماركيز قارئه إلى متعة نقية وبسيطة، ويحمل روايته أكثر من تأويل. ليست ماكوندو البديل الشاعري عن اراكاتكا، أو حتى صورة رمزية عن القرية الكولومبية التقليدية وحسب. إنها أيضاً تأطير للاستعارة الكونية عن التاريخ اللاتيني، وربما حتى في التاريخ الغربي منذ عصر التنوير. وتبدو الرواية أيضاً تنويعاً على الحكاية الإنسانية التي تصور من خلال أساطير توراتية (الخلق ونهاية العالم والبطاركة والأنبياء والجنة الأرضية، والجنة الأخرى المفقودة، وأرض الميعاد والطوفان) ومن خلال اسقاط المعايير التوراتية أيضاً.
وتجمع الرواية التي يحتفل بها العالم اليوم بين العام والخاص، ويتداخل فيها التاريخ الوطني بالسيرة الذاتية. إنها رواية تحلم بارسال مجتمع عادل، وفيها حنين إلى ماض باد واندثر من نوع ما نعرفه في رواية بروست: البحث عن الزمن الضائع.
وإذا كانت هذه الرواية الخالدة لماركيز قد أثارت إعجاب العالم، فقد استمر هذا الإعجاب مع رواياته الأخرى، وآخرها روايته "ذاكرة غانياتي الحزينات" وموضوعها عشق رجل تسعيني لفتاة، أو على الأصح، لطفلة في الرابعة عشرة من عمرها. ولكنه يختلف عن العشق الذي يصوره نابوكوف في روايته الذائعة الصيت "لوليتا". في ذاكرة غانياتي الحزينات لا يصور ماركيز المشاعر الخفيفة والعلاقات العابرة التي صورها نابوكوف في روايته، وإنما استحضر جوهر الكائن البشري الآفل وهو في طريقه إلى الآخرة، في انجذابه الغريزي نحو المرأة وهي في بداية رحلتها على سطح هذه البسيطة. إنه "انجذاب"، أو تعلق مدمر للذات، أكثر مما هو حب وحتى عشق. هذا إن لم نقل إنه ليس حباً أو عشقاً أبداً لأن هاتين العاطفتين يفترضان اشتعال اثنين لا اشتعال واحد. في ذاكرة غانياتي الحزينات لا نعثر على هذا الاشتعال الثنائي، وإنما نجد عجوزاً تسعينياً متعلقاً تعلقاً غريباً بطفلة باردة أو صامتة تتقلب في فراشها، تتأوه حيناً أو تهمهم، وتنام أكثر الوقت. لم تتكلم "ديلغانينا" - وهذا هو اسمها - سوى مرة واحدة في الرواية ولكن لتنطق بما لا معنى له. فقد قالت له مرة: أيزابيل هي التي ابكت الحلزونات. سألها العجوز: ولمن تكون الحلزونات؟ فلم تجب.
لا يجد القارئ "ديلغانينا" إلا في فراش اللذة، وابتداء من العاشرة ليلاً حتى مطلع الفجر. ينهض التسعيني إلى بيته، أو إلى عمله، في حين تُسرع الطفلة على دراجتها القديمة إلى أحد المعامل حيث تعمل. وقد اقتنع التسعيني بأن دلغانينا موجودة فعلاً في الحياة الواقعية عندما أرته الدراجة. أما قبل ذلك فدلغانينا عبارة عن جسد صامت ملقى على فراش، قابع باستمرار في حالة سلبية.
ثمة اذن كائنان أحدهما مقبل على هذه الدنيا، والآخر مدبر عنها. أحدهما - وهو الطفلة - مثير، في حين أن الآخر مُثار أو مستثار. ماركيز يسلط الضوء على هذا الأخير، لا على المثير المنفعل القابل والخائف، الطفلة جميلة ونظيفة وحسنة التربية ولكنها تكاد تموت من الخوف لأن صديقة لها هربت مع حمال سفن نزفت خلالها ساعتين. وما يهم ماركيز هو تصوير نفسية العجوز الذي يبدو في الرواية شبيهاً ببطل تراجيدي شكسبيري يجد نفسه في لحظة بالغة التوتر والمأساوية. لدى هذا العجوز رغبات جنسية ووجودية غير قابلة للاشباع أو للشفاء، في حين أن الطفلة مجرد حطب لا بد منه لاشعال هذا الفرن الوحشي داخل العجوز.
علاقة بشرية غريبة وطبيعية في الآن نفسه، نشيد ضد الفناء والزوال. أكثر من حب. أمر مركوز في الجبلة الإنسانية ذاتها. توق غير قابل للشفاء والاشباع. لا يشرح ماركيز سر هذا الشغف الذي ملك على العجوز قلبه وكيانه. هل هام بها لأنها لم تنطق قط، ولم يرها سوى مرة واحدة في ثيابها؟ أم لأنه كان وحيداً ولأنها كانت تعزية تلك الأيام الجافة العجفاء؟. هل تعلق بها لأنه وجد نفسه وحيداً وهو على حافة قبره، ولا من يؤنس وحدته؟ هل تعلق بها لأنه وجد نفسه ناقصاً بدونها، ولأنها كانت بالنسبة إليه نجمة الصباح أو نجمة المساء الأخير؟ أم تعلق بها كل ذلك مجتمعاً؟
أسئلة كثيرة تثيرها هذه الرواية الحديثة لماركيز، وأسئلة كثيرة تثيرها روايته الخالدة مئة عام من العزلة، كما تثيرها سائر رواياته. وهذا دليل عمق هذه الروايات التي يجمع قارئوه ونقاده على أهميتها ، وعلى أن عصرنا هذا ما زال قادرا على أن يضيف روايات ذات شأن إلى تاريخ الروايات العظيمة الذي أخذ، بنظر البعض، بالأفول.