الرئيسية > الرأي

علو في الحياة وفي الممات


حصة بنت فهد العصيمي

الوداع اللي بعلم لعيني اعبر من رمدها

والوداع اللي بلا علم لقفص صدري غبينه

والوداع اللي بلا رجعة على أمر وأدهى

والله أنه غرغرة سم وسكاكين سنينه

نعم انه الوداع والفراق الأبدي بكل ما تتضمنه هذه الكلمة من معان عشتها وتجرعت مرارتها عندما غادرت المسجد في تلك اللحظات التي أراها أقسى لحظات عشتها في حياتي حينما غادرت المسجد بخطى ثقيلة، غادرته بلوعة في القلب ومرارة في الحلق وحرقة في الصدر ودمعة حائرة في العين ولكنني استدركت نفسي وانتشلتها مما هي فيه حينما تذكرت قوله تعالى في سورة غافر {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم} اللهم اجعلنا منهم بقدرتك انك على كل شيء قدير. فليرحمك الله يا أبي باذنه تعالى رحمة واسعة ويسكنك فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون المصاب جلل وما حدث يعجز القلب والعقل على احتماله ولكنها سكينة الله التي ينزلها على عباده فاللهم لا اعتراض على حكمك وقضائك.

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر

فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

غفر الله لك فقد كنت نموذجاً حياً ومثالاً يحتذى في الطيب والكرم والعطاء والتضحية، كنت نبراساً اضاء وسيضيء لنا الطريق ما بقينا على قيد الحياة.

عندما اقرأ حديث الرسول عليه الصلاة والسلام (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) تتجسد صورتك أمامي وأذكر ماضيك المشرق.. علمتنا وتعلمنا منك الكثير مما لا يمكن ان يسطر بقلم، علمتنا الاخلاص والعطاء والاستغناء عن الآخرين، علمتنا الشموخ وجسدته صورة واضحة أمامنا وقد صدق أبو الحسن الأنباري حينما قال:

علو في الحياة وفي الممات

لحق انت احدى المعجزات

علمتنا ان نبحث عن الجوهر وان لا ننخدع بالمظهر أياً كان بريقه فقد قضيت حياتك يرحمك الله بعيداً عن زخرف الحياة وزينتها واكتفيت منها بما هو لازم.

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته

ما قاته وفضول العيش اشغال

كنت يرحمك الله بعيداً كل البعد عن الرياء والسمعة والفخر والمباهاة، تعمل العمل تبتغي من ورائه وجه الله تعالى ولا تنتظر من أحد جزاء ولا شكورا.

قضيت أول عمرك في التعليم فكنت مثالاً للمعلم المخلص الناجح تربي وتخرج على يديك أجيال لازالوا يذكرونك حتى الآن ويثنون عليك.. وبعد تقاعدك اخترت لنفسك حياة لسان حالها يقول:

وإنما المرء حديث بعده

فكن حديثاً حسناً لمن وعى

كنت يرحمك الله نعم الزوج ونعم الأب ونعم المربي ونعم الصديق، ربيت فأحسنت وأعطيت فاجزلت وفارقت فراق المستريح بعد أداء الرسالة على وجهها الأكمل. والله يا أبي لولا إيماننا بأن اكرام الميت في دفنه وأنها سنة من سنن الله في خلقه عليها سار أجدادنا وآباؤنا وسيسير عليها بإذن الله أبناؤنا وأحفادنا إلى قيام الساعة لما استطعنا ان نضعك بأيدينا في القبر ونواريك فيه ولكنها إرادة الله وقضاء الله والحمد لله حمداً جزيلاً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

ما يهون علينا مصابنا ويعزينا في فقدك كثرة المصلين عليك والداعين لك والمعزين فيك جزاهم الله عنا وعنك خير الجزاء وجعله في موازين أعمالهم، ومما يعزينا أيضاً السمعة الطيبة والذكر الحسن لك أينما حل ذكرك ويكفي أنك رحمك الله عانيت وتألمت كثيراً في مرضك مما عساه ان يكون تكفيراً وتطهيراً لك لتنتقل بها إلى رب هو أرحم بك من خلقه سبحانه.

فعسى الله تعالى ان يكرم مثواك ونزلك وان يجمعنا بك في جنات النعيم مع الصديقين والشهداء والأبرار والصالحين وحسن أولئك رفيقاً حيث لا فراق ولا ألم ولا دموع انه تعالى سميع مجيب الدعاء.

ابنتك

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    اختي العزيزه ,
    اسال الله ان يجمعنا مع من سبقونا في واسع رحمته انه سميع مجيب الدعاء ,
    لذلك الدعاء عباده روحيه عظيمه يلجا فيها المخلوق الضعيف اللى الخالق العظيم بعد ان تنقطع به الاسباب ليجد عنده مالم يجد عند احد من البشر.
    نواف المبارك
    nqht@hotmail.com

    ابو محمد - زائر

    08:51 صباحاً 2007/02/15



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة