م. حمد بن إبراهيم اللحيدان
ملتقى المدن الذكية Smart Cities Forum، يعد أكبر حدث متخصص في هذا المجال تشهده منطقة الشرق الأوسط، ويحظى الملتقى بحضور عدد كبير من القيادات الإدارية والتنفيذية والمختصين والمهتمين في مجال تقنية المعلومات والاتصالات من القطاعين العام والخاص. وسيناقش الملتقى التخطيط لبناء المدن الذكية، وبنية الاتصالات وتقنيات الشبكات اللاسلكية، والتوجهات والتجارب العالمية، واستعراض تطبيقات المدن الذكية في مجال التعليم والمرور.
وتعد السعودية أكبر سوق للتقنية في الشرق الأوسط حيث أشار تقرير حديث أصدره مركز دراسات الاقتصاد الرقمي "مدار" إلى أن القيمة الكلية لسوق حلول تكنولوجيا المعلومات في دول مجلس التعاون الخليجي وصلت إلى حوالي ستة مليارات دولار خلال العام 2002.وتوقع التقرير أن يحقق هذا القطاع معدلات نمو منتظمة خلال الاعوام القادمة . وأشارت الدراسة إلى أن المملكة العربية السعودية تستحوذ على النصيب الأكبر من سوق تقنية المعلومات في المنطقة بمعدل إنفاق يبلغ 7ر 3مليارات دولار أميركي، فيما تأتي الإمارات في المرتبة الثانية بمعدل إنفاق يصل إلى 2ر 1مليار دولار.
و قد انعكس هذا الاهتمام على كافة المجالات في المملكة العربية السعودية، ففي قطاع البنوك حيث تتم معظم العمليات من خلال أجهزة الحاسب الآلي، بدأ عملاء البنوك يديرون حساباتهم من مواقع أعمالهم، ورافق ذلك إعادة تصميم فراغات جميع فروع البنوك لتستوعب هذا التغيير. أما في المجال التعليمي فقد تم تدريس الحاسب الآلي في المدارس الثانوية وتنتشر المعاهد الخاصة لتقديم دورات في الحاسب الآلي وعلومه، كما أن كليات العمارة والتخطيط تعتمد الآن تدريس الرسم والتصميم بالحاسب الآلي كجزء من منهج التعليم فيها.
إلا ان الملاحظ أن تلك التقنيات لم تلامس المدينة بما تحويها من مساكن ليعيد تشكيل فراغاتها ويمتزج بكل أجزائها وقد يرجع السبب في ذلك إلى قلة معرفة القطاع الهندسي لتلك التقنيات وفهمها ومن ثم التفاعل معها وتطبيقها على عمارتنا.
ويأتي هذا الملتقى ليلقي الضوء على اهمية المدن الذكية ولكن لا بد من التوضيح انه لا يمكن لنا ان نتصور مدينة ذكية دون ان تكون منازل تلك المدينة هي الاخرى ذكية ولعلي في هذا المقال استعرض جوانب تاريخية لهذا المفهوم مع ايضاح المفهوم للمنزل الذكي .
تطور المسكن السعودي خلال القرن العشرين :
شهد المسكن السعودي خلال القرن العشرين مراحل عديدة من التطور على مستوى التصميم والطابع المعماري ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التطور ظل طوال تلك الحقبة التاريخية وحتى الآن ملتزماً بالقيم الثقافية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي من حيث العلاقات الاجتماعية والترابط الأسري وخصوصية وضع المرأة في الإسلام ومفهوم الخصوصية بشكل عام، أي أنه يمكن القول إن عوامل التطور التي فرضتها المعطيات المتجددة على مر عقود متتالية قد تعاملت مع مختلف العناصر المنعكسة على تصميم المسكن مثل العوامل البيئية ومواد وتقنيات البناء ومفاهيم القيم الجمالية.
وبالنظر إلى أنماط المساكن التي كانت سائدة في عهد الملك عبد العزيز خلال النصف الأول من القرن العشرين نجد أن تلك الفترة شهدت ظهور عمارة سكنية متميزة هي مثال للعمارة الصحراوية المبنية بالطين وهي انعكاس طبيعي لمادة البناء المتوفرة والظروف المناخية السائدة كما أنها عمارة متوافقة مع متطلبات السكان الاجتماعية والدينية والاقتصادية فقد تميزت المنطقة الوسطى بالمباني السكنية ذات الفناء الداخلي السماوي حيث تحيط به حجرات المنزل وتفتح عليه نوافذها وتقوم هذه الحجرات بجدرانها المرتفعة بتظليل الفناء ليصبح مصدراً للهواء الرطب خلال ساعات النهار. ويوفر هذا الفناء الخصوصية المطلوبة للمنزل، ويمكِّنّ جميع أفراد العائلة في الوقت نفسه من المسامرة وممارسة الأنشطة الاجتماعية المختلفة في أجواء مفتوحة. وبالإضافة إلى أهمية هذا الفناء في التحكم في مناخ المنزل فإنه يلعب دوراً في إضاءة المنزل في ظل تلاصق المباني مع بعضها البعض.
ونتيجة لمادة البناء المتوفرة (الطين) وأسلوب البناء التقليدي - الحوائط الحاملة - فقد جاءت المباني في حوائط سميكة وبحور صغيرة مع قلة الفتحات وضيقها ولهذا ظهرت المباني في كتلية وضخامة ولكنها بسيطة وجافة مع قدر محدود من الزخرفة، وتعتبر العقود مثلثة الشكل، أو العقود ذات الحواف البارزة والمحيطة بالحوش السماوي للمبنى وكذلك فتحات التهوية الصغيرة المثلثة الشكل والمزاغل الطولية الرأسية والأفاريز ذات الحليات، هي عناصر الزخرفة الوحيدة في عمارة المنطقة الوسطى وعموماً فإن ملامح العمارة في تلك المنطقة تمثل العمارة السعودية الأيلة في تلك الفترة .
وقد واجهت عمارة المسكن التقليدي أول تحد لها في الثلاثينيات من القرن العشرين عندما بدأت تظهر مجمعات سكنية لم تكن موجودة من قبل. ولابد أن نشير هنا إلى اكتشاف البترول بكميات تجارية عام 1938م والذي مثل نقلة اقتصادية كبرى في تاريخ المملكة صاحبتها تغيرات في كل مناحي الحياة ومن بينها التحولات في النواحي العمرانية وخصوصاً التحولات في تصميم المسكن، فقد أخذت الأنظمة والتقنيات التقليدية في التلاشي شيئاً فشيئاً مع ظهور أساليب وتقنيات جديدة. فقد شهدت الخمسينيات من القرن العشرين بدء انشاء مباني الشقق السكنية الحديثة في المنطقة الوسطى بالمملكة . وقبل حلول نهاية تلك الفترة كان الاتجاه في شقق سكنية قد أرسى نفسه خاصة في مدينة الرياض نتيجة لعاملين: الأول وفود العمالة من الدول العربية المجاورة والدول الأخرى في ذلك الوقت والتي فضلت نمط مباني الشقق على المسكن التقليدي، والثاني مشروع الملز الذي اشتمل على ثلاثة مبان مؤلفة من شقق خصصت لسكن الموظفين الحكوميين .
وقد أدخل هذا المشروع فكرة الشقق كسكن للسعوديين . نتيجة لذلك توطد هذا النمط وانتشرت العمارات السكنية بمدينة الرياض منذ ذلك الحين.
لقد أثرت سرعة التقدم خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين ودخول تقنيات حديثة واحتكاك المجتمع السعودي بالمجتمعات الأخرى، على شكل وتصميم المسكن السعودي، لقد شيدت المساكن في تلك الفترة وفقاً للأنماط العالمية السائدة لتوافر المواد وطرق التشييد الحديثة مع مراعاة التغيير الذي طرأ على نمط الحياة العصرية دون المساس بالقيم والثوابت الاجتماعية . فعلى سبيل المثال توقف استخدام الطين في البناء تماماً لتوفر مواد البناء الحديثة وأساليبه المتطورة كالخرسانات المسلحة والمباني الحديدية.
وقد تطور مفهوم التشييد فلم يعد البناء يتم بيد المعلم أو البناء، ولكن عن طريق شركات متخصصة تلتزم بأعلى المواصفات مع ضبط الجودة والتحكم بها كما أدى استخدام الوسائل الحديثة كالحوائط الجاهزة وغيرها إلى سرعة الانجاز فأصبح من الممكن تشييد أعداد كبيرة من المساكن النمطية في أزمنة قياسية. كذلك لم يعد بناء المنازل يراعي الأحوال المناخية في ظل توفر أجهزة التكييف التي تناسب أسعارها جميع مستويات المواطنين. أيضاً توقف الاهتمام بالرواشين والمشربيات لتوفر الزجاج العاكس والستائر المصنعة من القماش أو المعدن. لذا فإن معظم المساكن الحديثة التي شيدت في تلك الفترة تفتقر إلى أي طابع أو عناصر معمارية محددة تميز كل منطقة عن الأخرى فهي عمارة متطورة حديثة ذات صبغة عالمية وأهم سلبيات تلك المرحلة هي انعدام الهوية والأصالة، فقد غزت المدن والقرى طرزمعمارية غريبة لحضارات متعددة مثل: استخدام البعض طرز الحضارة اليونانية والرومانية، وعزوفهم عن استنباط الأنماط التقليدية النابعة من تراثنا الأصيل .
المفهوم العام للمسكن الذكي
بعد استعراض التطور التاريخي للتقنيات المنزلية خلال القرن العشرين وهو ما أوضح أن العقدين الأخيرين من القرن الماضي شهدا تطوراً مذهلاً في تقنية المعلومات والحاسبات الشخصية والأجهزة الرقمية وهو ما مهد الطريق لظهور فكرة المباني الذكية بشكل عام والمسكن الذكي بشكل خاص وسوف نستعرض الان تحليل المفهوم العام للمسكن الذكي.
أشار جيفري (1990) R.J) (Caffreyإلى أن المباني الذكية هي المباني التي تتكامل فيها أنظمة البيئة، من استخدام للطاقة والتحكم في درجة الحرارة والإضاءة والصوت ومكان العمل والاتصالات . نلاحظ أنه قد ربط بين مفهوم المبنى الذكي وبين قدرة المبنى على التحكم في العوامل البيئية المختلفة بما يحقق راحة مستخدميه. بينما أشار تقرير صناعة الإنشاءات اليابانية إلى ثلاث ميزات يجب أن يمتلكها المبنى الذكي وهي:
(أ) أن يعرف المبنى ما يحدث في الداخل والخارج.
(ب) أن يقرر المبنى الأسلوب الأكثر كفاءة لإمداد المستخدمين (Atren. 1988).
(ج) أن المبنى الذكي يحتوي على أنظمة تمكنه من الاستجابة للظروف والعوامل الخارجية والتحكم والمتابعة للبيئة الداخلية وتخزين المعلومات المولدة لمعرفة أداء ا لمبنى في نظام الحاسب المركزي.
يحتوي المنزل الذكي على نظم الشبكات المحلية للإمداد بمعلومات الإدارة وكمساعدات دعم القرار من خلال وصلات بنظام الحاسب المركزي، إضافة إلى احتوائه على نظم اتصالات متقدمة لتحقق الاتصالات السريعة مع العالم الخارجي بواسطة نظام الحاسب المركزي، واستخدام أجهزة الألياف البصرية والمايكروويف ووصلات القمر الصناعي التقليدية (Atren.1988)
أما M.Jedamsik (Jedamsik.2001) فقد ركز على كل من التحكم والمعلومات المتاحة للمستقبل وافتراض أن المنزل الذكي يشتمل على أربعة مكونات :
أ) تفاعل المستخدم.
ب) المجال التقني (التحكم في الإضاءة والحرارة والمناخ والمياه ......الخ)
ت) مجال المعلومات حيث يعمل المنزل في هذه الحالة لقاعدة معرفية تتناول أمور الصحة والحسابات الأسرية والجدولة.
ث) مجال الخدمات والذي يضم الربط مع الخدمات الخارجية مثل التعليم والخدمات التجارية والبنكية .....الخ.
ويمكننا ان نلخص أهم مميزات المنازل الذكية فيما يلي:
- حفظ الطاقة :
من خلال هذه الأنظمة نستطيع خفض ما لا يقل عن 20% من فاتورة الكهرباء حيث ان تبريد أو تدفئة المنزل تتم حسب الحاجة الفعلية وبصورة مبرمجة ليس لليوم فقط بل لأيام السنة كلها، والتحكم بالإضاءة الداخلية والخارجية للمنزل وجدولتها وأن تكون مبرمجة لجميع الأماكن والفراغات خلال ساعات اليوم.
- الفعالية في أداء الأجهزة :
إن التحكم بهذه الصورة يطيل عمر الأجهزة الافتراضي كنتيجة لعملها بصورة منتظمة وعند الحاجة لها فقط، كما أن التحكم في جميع الأجهزة ومن أي موقع ودون إضافة تمديدات خاصة أو وضع مؤقت أو خافت لها هو مما يجعل جميع أجهزة المنزل تحمل هذه الميزات.
- الأمن والسلامة :
من خلال هذه الأنظمة يمكننا أن نجعل من المنزل وكأن الحياة تدب في داخله تلقائياً فالإضاءة يمكن أن تعمل بصورة متغيرة لكل يوم لتعطي شعوراً بأن الحياة في المنزل تبدو طبيعية، والأبواب والنوافذ ترسل إشارات حينما تفتح ليلاً، وقبل أن تصل إلى المنزل يمكن أن تضيء المنزل حتى تشعر بالأمن والسلامة من خلال اتصال هاتفي بالمنزل.
- الشعور بالراحة :
إن منزلنا الذي يدار بصورة كاملة من خلال أجهزة تحكم بسيطة يعطي ساكنيه شعوراً بالراحة والمتعة فالإضاءة والأجهزة تدار من خلال لمسات بسيطة على أجهزة التحكم لتتكامل وظائف المنزل.
بعد مناقشة الاتجاهات المختلفة لمفهوم المنزل نستطيع أن نصل إلى تعريف شامل لمفهوم المنزل الذكي بحيث يمكن القول ان المنزل الذكي هو المنزل ذو القدرة التفاعلية مع المستخدم عبر استخدام تقنية إلكترونية (ذات معالج) وتكون ذاتية التشغيل تخوله التفاعل مع الظروف المحيطة به داخلياً وخارجياً ويرتبط بصورة تكاملية مع كافة الأنظمة والأجهزة سواء داخل المنزل او خارجه مما يمكنه من محاولة فهم سلوكيات المستخدمين ومن تلبية رغباتهم ذاتياً وتهيئة البيئة الملائمة لإتمام جميع أنشطتهم الحياتية على أكمل وجه.
كما هو موضح بهذا الشكل :
تكامل نظم المنزل مع البيئات التي تعمل على التحكم بها - المصدر www.tronarch.com
اننا نتطلع في هذا الملتقى تسليط الضوء على اهمية ان تصبح مدينة الرياض هي المدينة الرائدة في هذا المضمار الذي تحول معه كل شيء إلى رقمي ولذا تكمن اهمية تحول المنازل إلى منازل المدينة الذكية ايضا لتتكامل تلك المنظومة الشاملة للمدينة بكامل عمرانها مع تكامل الاتصالات بمنظومة رقمية تحقق الهدف المنشود والله الموفق.
@ ماجستير عمارة - منازل ذكية
عضو مجلس ادارة الجمعية السعودية لعلوم العمران
