ما يثير الذعر في كثير من الأحداث الاجتماعية المفزعة أنها تمثل تداخلاً عنيفاً مع مختلف المقاولات والآراء التقليدية التي تصف المجتمع أو تبالغ في الحديث عن صفائه وابتعاده عما هو سلبي وخلوه من الأحداث التي تتبدى في مختلف المجتمعات، ومع أن العقلاء قد خرجوا من دائرة المدائح المجانية للمجتمع والتغزل بطهره وتكاتفه وتعاونه إلا أن الأكثر حضوراً وطغياناً هو ذلك الصوت الذي بات الأقل تأثيراً والذي لا يرى في مجتمعه إلا مجمعا ضخماً للخير والصلاح والسلامة، هذه اللغة باتت مستهجنة وبات كل فرد بمقدوره الرد عليها.
ليس احتقانا ولا مبالغة في الإيذاء ولكن لغة الامتنان المفرطة هي نوع من اللاغيات التي تتعامل مع المجتمع مثلما يتعامل الشاعر مع القبيلة: رؤية واحدة سطحية لا ترى في الجماعة إلا موئلا للخير والقوة والفروسية وكل ما هو إيجابي، مع أن المجتمع الوطني يختلف كلية عن المجتمع القبلي ويفترض به أن يكون أكثر إشهاراً لأخطائه لكي تظل على السطح وتكون مادة للحديث والنقاش وهو ما سيسهم في طرح التصورات التي يمكن أن تحد من بقائها وانتشارها.
الخبر الذي أورده الزميل مناحي الشباني يوم الأربعاء الماضي عن ستة شبان يغتصبون طالبة بالمرحلة الثانوية ويجبرونها على تعاطي المخدرات أمر لا يجب أن يؤخذ بالتهويل والصراخ المعتاد أمام حوادث كهذه، ذلك أنه في النهاية عبارة عن جريمة - رغم كونها تثير الاشمئزاز - إلا أن الإجرام لا يعترف بحدود وليس له خطوط يتوقف لديها، وفي ذات الوقت لا بد من الحذر من التعامل مع القضية على أنها مجرد حالة شاذة لا تمت بصلة للواقع ولا للمجتمع، لأن محاولات الالتفات على مثل هذه الأحداث من أجل إبعادها عن السياق الاجتماعي العام ساهم في تكثيف مظاهر الخطأ وبقاء الوازع الإجرامي وخيوطه المتشعبة دون تداخل واضح ودون تعاطٍ علمي جاد.
الفاعلون في الجريمة والقائمون بها شباب سعوديونين، أي أنهم جزء من البنية الاجتماعية والتكوين المحلي، وإن اختلفت ظروف بعضهم لتدفع بهم نحو مصير كهذا إلا أنهم في النهاية يؤكدون أن هذه الشريحة مثلما أنها بقيت لفترات طويلة مستهدفة بالذم والوعظ والتنديد إلا أنهم في ذات الوقت يعيشون حالة جعلت منهم مصدراً للخطر.
لا المعاني ولا الأفكار التي يجملها الشباب يمكن أن تكون حائلا بينهم وبين كثير من الأخطاء التي تدور في أغلبها حول قضايا أخلاقية ترتبط بالجنس بالدرجة الأولى، ذلك أن الثقافة التقليدية لا تجاهر بإصلاح هذه القضايا إلا في سياق التخويفي والوعظي لا بحثاً عن إقامة وعي يحيط بالجنس ويرشد التفكير فيه.
إن نشر هذه القصص أمر إيجابي للغاية فهو يسهم بالتأكيد في جعل المواجهة بين المجتمع وأخطائه مواجهة واعية وواضحة، لكن الذين لا يجيدون الحديث عن المجتمع إلا وفق مدائح فارغة سوف تصدمهم مثل هذه الكتابات والأخبار، وهم يشكلون غالباً إسهاماً ضخما في ترويج وإبقاء مثل هذه العلل الاجتماعية السائغة للظهور في أي لحظة.
نشر مثل هذه القضايا المرتبطة بالشباب شجاعة إعلامية، وأداء إعلامي متطور، وهو في ذات الوقت موقوف وطني وإصلاحي وتربوي، يدرك أن حديث الإعجاب السطحي بالمجتمع والتغني بفضائله نوع من الخيانة التربوية التي يستحق الجميع أن يكونوا معها عرضة للوم.
شكل المجتمع لا يعترف بشروط للصلاح يعلقها على مدخله لكي يتقيد بها الداخلون، فهو مجتمع يحدث فيه كل شيء، ولكي تزول الدهشة وعبارات التخفيف والتهويل معا، علينا أولاً أن نفهم الشرط الاجتماعي للاختلاف ووجود كل أشكال الخطأ والصواب، لكي لا تضيع الجهود في الحديث عن نسبة هذه الأحداث والجرائم إلى خانات ضيقة تضيع معها الرؤى الإصلاحية والتنظيرية الواعية، ولا إلى تهويل يتحدث بشجب مفرط للجميع، فقط اليقين أولا بأننا مجتمع عادي وطبيعي هو ما يمكن أن يسهم في فتح النقاش تداول كل الاحتمالات.