ربما الأجدر أن أقول بإحساسها عطفاً على وجود طفلة العاشرة بيننا نحن جموع النساء الحاضرات وليمة العشاء الجميل وهي ترمقني بود مرارا ذلك المساء الذي حللنا فيه ضيوفا على اهلها... أعني اهلنا في الدوحة. ممزوجين بتدفق دهشة الفرح والتلاقي بعد تباعد السنين ودوراتها وجدت انني احصي عدد المرات التي اجد ابتسامتها العذبة تواجهني كلما تجولت نظراتي في ارجاء المكان.
عائدين مؤقتا لردم ما انقطع من حبال التواصل العائلي نسري بعدها نطارد غربة الامكنة ؟
لا أبدا. فالغربة لم تكن غربة مكان بقدر ما كانت وحشة النفس البعيدة عن أهلها وعن التواصل معهم وفي زمن تميز بهرولة أحداثه وتراكم همومه بدت حركة التلاقي الإنساني واجبا مؤجلا دوما إلى ان تكثف الحنين ذات يوم مكتوب وربما الاحتياج المعنوي إلى العودة للذات والجذور فشددنا الرحال إليهم .
فماذا يقول الإحساس الإنساني عندما يلتئم مع ذاته وتاريخه وصلات الرحم وحاضره؟
من الصدف الجميلة ان يبدوهذا السؤال هماً اجتماعياً عاماً فرد له تقرير إعلامي مطلع (الشرق الاوسط) البحث في تنامي وجود منتديات قبلية وعائلية كمواقع على الانترنت تهتم بالتواصل بينهم وتكون حلقة تواصل تعمل على تكثيف التكافل الاجتماعي وتعنى بالتاريخ والتراث والتي تعمل بدورها على التوثيق والرصد والمواكبة يقول معه احد المؤسسين ان المنتدى يقوم على مبدأ المواءمة بين دورها الخاص والعام توازنا لا يطغى بعضه على بعض ولعل رسالة المجالس تبلور هذا التوجه والتي منها ان تكون مرجعا علميا وشعبيا يضم إرث الأجداد وتراثهم على امتداد العصور وآخر يشير ان هدف هذه المنتديات بعيدا عن التعنصر والتقوقع هي ان تكون بدائل اجتماعية في عصر متسارع وتعميقا لدور المجالس على أرض الواقع.
مريح ان تشعر بأنك جزء من الجماعة وأنك مع توجه الأغلبية في التواصل العائلي الذي يبدو ظاهرة إنسانية ربما افرزتها غربة العصر ومشتقات الترحال سواء مكانا أو شعورا حيث تلاشت عادات تواصل جميلة ومؤثرة وحل معها اعتياد الانفراد بحياة نواة الأسرة الصغيرة وملازمة إطارها المحدود بدعوى النموذج العصري للحياة المدنية.
"هل نذهب اذن؟"..أداعب الصغيرة وضحى تفاعلا مع دعوة المضيفة امها للخروج للخيمة المنصوبة في ساحة البيت الكبير كي نتناول القهوة والشاي.
تبتسم الطفلة وهي تحرك رأسها موافقة.. "إيه نروح".
حول "المنقلة" نتجمع وهي تحمل دلال القهوة والشاي وأيضا شراب الزعتر (آتي على ما يبدو من عمق العولمة الغذائية فلم نعرفه في طفولتنا) الخيمة تقليدية الشكل والرائحة تعبق بالبخور ونسمات ربيعية تجاملنا القريبات بإعلان تحسن الطقس عندهم منذ ان (طبينا) الدوحة. هناك احاسيس نقية تملأ الأجواء هناك محبة وضيافة سلوك وكرم ، أرق التعابير تتكرر ودعوات الأيام القادمة تنهال علينا....الحديث كالعادة يتشعب ويدور حول الأسماء ونوع القرابة (حوار يجمع حوالي اكثر من 50امرأة) وأين تسكن هذه العائلة أو تلك ندور بعنوانين الشرقية والبحرين والكويت والدوحة وأيضا الإمارات كأننا مسافرون ،جهلي يحرجني أحيانا ولكن إحداهن تناولني ضاحكة بعض الأوراق وتعلن "هذه مفاجأة لك".
أمسك بالأوراق وأعاينها لاجد شجرة العائلة بكل فروعها مزينة بالأسماء.
الآن أشعر أنني مثل وضحى أتكىء على دفء ومحبة الأهل دون حدود.