أطباء.. ولكن أدباء
د. أحمد عبدالقادر المهندس
إذا كان الطب مهنة إنسانية رائعة، فإن الأدب هو طب النفوس، وهو يكمل الطب في شفاء القلوب الرقيقة والنفوس الحائرة. ولا شك أن هناك تكاملاً بين العلم والأدب، والأدب والطب لأن هدفهما هو الإنسان، فالطبيب يعالج الجسد والأديب يعالج النفس. وهناك شواهد متعددة من تراثنا العربي الإسلامي تدل على التكامل بين العلم والطب والأدب، والذي يمكن أن نلاحظه عند مفكرينا وعلمائنا من أمثال ابن سينا، والبيروني، والرازي وغيرهم.
ومن الأدباء العالميين، الأديب الروسي انطون تشيخون ( 1860- 1904م) الذي طغت شهرته أديباً وكاتباً عل شهرته كطبيب، وينطبق هذا على أكثر الأطباء الأدباء، لأن الأديب أو الكاتب يظل دائماً في دائرة الضوء والشهرة بالرغم من أنه يتخذ الطب مهنة أما الأدب فهو هواية ومتعة...
وهناك عدد كبير من الأطباء الأدباء في عالمنا العربي، لعل أبرزهم في مصر الدكتور مصطفى محمود الذي تجاوزت شهرته كأديب وباحث شهرته كطبيب، فقد تخرج مصطفى محمود في كلية الطب بالقاهرة عام 1952م متخصصاً في الأمراض الصدرية، ومارس مهنة الطب حتى عام 1962م، وانصرف بعدها إلى الكتابة الفكرية، وقد مهد لهذا التحول بالعمل الصحفي إلى جانب دراسة الطب، فكتب في مجلة الرسالة عام 1947م إنتاجه القصصي الأول، وفي عام 1954م صدرت له مجموعة (أكل عيش).
عمل بعد ذلك في مجلتي (روز اليوسف) و(صباح الخير) ونشر فيهما الكثير من المقالات والقصص التي عبر فيها عن قلق فكري عميق يعيشه منذ الصغر كما يقول، فكان كتابه (الله والإنسان) الصادر في 1956م رمزاً لذلك القلق. وقد ضمن الدكتور مصطفى محمود كتابيه الأدبيين: (حوار مع صديقي الملحد) و(رحلتي من الشك إلى اليقين) وصفاً أدبياً ممتعاً للحوار العميق الذي أجراه بين ذاته التي كانت تعيش في عالم المادة والإلحاد، وذاته التي حلت فيها سكينة الإيمان العميق بالله.
وهناك الدكتور يوسف ادريس الذي تجاوزت شهرته كأديب وقاص شهرته كطبيب. وقد أبدع الدكتور يوسف إدريس مئات القصص والمقالات وبعض الروايات القصيرة والمسرحيات التي كان لها دور في تطور القصة والمسرحية شكلاً ومضموناً، وقد كان لتجربته كطبيب أثر واضح في أدبه وقصصه.
أما في سوريا فيبرز الدكتور عبدالسلام العجيلي، فهو طبيب نهل من الثقافة الغربية، وقام برحلات عديدة إلى مختلف بلدان العالم، مستلهماً العديد من مقالاته وقصصه من نبض الحياة.
ولعل أهم ما يميز الدكتور عبدالسلام العجيلي كتاباته التي تتسم بإحياء التراث العربي والتنوع والابتكار. فقد عاش طويلا في بلدته الريفية الرقة، بالإضافة إلى ممارسته مهنة الطب لفترة طويلة مما أغنى تجربته الأدبية.
وفي المملكة العربية السعودية هناك الدكتور عبدالله مناع طبيب الأسنان الذي رأس تحرير مجلة إقرأ لفترة طويلة وهو أديب وكاتب قصة له مجموعة من المقالات وبعض القصص مثل أنين الحيارى ولمسات، والدكتور عصام خوقير وهو طبيب أسنان أيضاً يكتب القصة والمسرحية وله رواية السكر المر، ومسرحية السعد وعد وغيرها من القصص والمسرحيات.
ولا يتسع المقام لإيراد أسماء الأدباء الأطباء الذين انصرفوا إلى الأدب والفكر مستلهمين من الطب بعض همومه واشجانه، وطغت شهرة الأدب والفكر والإبداع على حياتهم، حتى أصبحوا أدباء ومفكرين أكثر مما هم أطباء.. ولكنهم في الواقع أطباء أدركهم حب الأدب ومتعة الفكر..