بحث



الجمعه 21 المحرم 1428هـ - 9 فبراير 2007م - العدد 14109

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ثقافة التسامح بين الإعلام والتربية

أ. د. محمد بن عثمان كشميري
    أي شيء أكبر ظلماً للإنسان من أن يهمش وجوده وتختزل شخصيته ويهزأ بفكره وآرائه، اخترع المتنطعون والجهلة وأنصاف المتعلمين نعوتاً ومسميات يطلقونها على البشر إن هم خالفوا تصوراتهم ووجهات نظرهم، ولم يستعص على هذه الفئة منال في تبرير مسمياتهم التي يبتدعونها وتصنيفاتهم التي يلصقونها بالآخرين ما دام الآخرون، يتباينون معهم فكراً ويختلفون منهجاً، انسياقاً مع المثل المعروف (إن لم تكن معي فأنت ضدي) فأصبح قبولهم الآخرين والتسامح معهم مشروطاً بالتوافق القسري مع رؤاهم وتوجهاتهم وأخيلتهم المريضة.

طافت رياح التغيير بأرجاء المعمورة ومشت الحادثات بساحاتها وتلظى الإنسان بشتى ألوان الذل وصنوف الهوان، وشكا الحق الجريح للزمان معاناته مع الاقصاء وعدم القبول، وظلم الإنسان، وكانت المعاناة تمر عبر نقيضين فكر منفتح وآخر متزمت منغلق، كيف يلتقيان؟ إن ضمان حرية الكلمة والتعبير عن الرأي والجهر بهما هما أعظم حقوق الإنسانية التي سنها الخالق، وأن أي وأد أو كبت لهما لهو عدوان على حقوق مشروعة كفلتها نواميس التشريع الإسلامي، وأيدتها كل دساتير الأمم المتقدمة والأديان السماوية.

كان يوماً مجيداً في تاريخ الإنسانية الكبير، يوم سطعت شمس الإسلام وعم سناها كل أرجاء المعمورة، لتحمل نسائم الحرية للإنسانية المعذبة، ولتسجل في روزنامة التاريخ انقضاء عهد الاستعباد، وبداية عهد الحرية، والانعتاق، وترسيم حقوق الإنسان وكرامته {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} سورة الإسراء. جاء الإسلام بمعايير جديدة تعمق التعامل بين البشر، وترقي بقيم الاتصال والتواصل بين الناس، فمنحت فكر الإنسان رداء، الحرية، وأعطت قناعته وتوجهاته، دستور الانتقاء والتعبير واحترمت رأيه وحامت عن خياراته، وحملته مسؤولية نتائج أعماله وأفعاله {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره}، {لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}، {كل نفس بما كسبت رهينة}، و{ولو شاء الله لآمن من في الأرض جميعاً أفأنت تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين}. ونظمت علاقته بالآخرين وفق نسق اجتماعي متكامل، يتآلف فيه الجميع داخل المنظومة الإنسانية فأمر عز وجل بالإحسان والتسامح مع غير المسلمين وقبولهم أعضاء في المؤسسة الاجتماعية {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} الممتحنة (8)، وأن نخالطهم وأن نأكل طعامهم {وطعامهم حل لكم وطعامكم حل لهم}، كما أمر عز وجل على أن يكون العدل والتسامح رائدنا في التعامل معهم إذ قال عز من قائل عليماً {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة 8).

وأمرنا بعدم التسرع في إصدار الأحكام على الناس بدون تثبت، ودليل مادي، كتكفير بعض رجال الدولة والعلماء، ورجال الأمن، فقال تعالى: {ولا تقولوا لمن القى إليكم السلام لست مؤمناً} (النساء 94).

{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء على الناس} وعدم اغتياب الناس والتشهير بهم، في المجالس والمدارس والمحافل، وعلى منابر المساجد، {يا أيها الذين آمنوا لا يغتب بعضكم بعضاً}، {ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}. وعدم السخرية والاستهزاء بالآخرين {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم}.

أسفر فجر الإسلام عن بزوغ صبح جديد للعالم حين كانت الدنيا ظلاماً حوله، فأبصر اليقين واستلهم حقائق وسنن الحياة وبدأ الادراك والوعي يأخذ مساره الطبيعي بين العقل والقلب وتهاوت صروح القبلية والعرق والكاريزما، وظهرت للوجود معادلة جديدة للكرامة الإنسانية معادلة مختلفة تجير الانتماء إلى قيم حضارية راقية تسمو بالنفس البشرية إلى زلف العلا {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عقدة التغني بالذات التي شكلت في أعماقه ملكة التعصب المريض والدفاع الإعلامي الأرعن، منذ قال عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا

حين سئم العالم تكاليف القهر يائساً من منصفيه راسفاً في قيود الظلم تدمي يديه في مجتمع يعلي من شأن الظلم ويدعو إليه، يمجده ويعتبره أساساً للعلا والرئاسة كما قال الشاعر:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد

ذا عفة فلعلة لا يظلم

والظلم طبع ولولا الشر ما حُمدت

في صنعة البيض لا هند ولا يمن

بين ظهراني أمة متناحرة تُشعل حروباً عبثية لأسباب ساذجة، أذن الفجر في ساحتها إعلاناً بشروق العدالة وانبلاج الحق وبلاغ للناس بهزيمة الباطل وانحسار الشر. بعثة النبي العربي الهاشمي الخلوق المتخلق - الأديب المتأدب بوحي من الله تعالى إذ قال صلى الله عليه وسلم: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" صاغت هذه البعثة للإنسانية قواعد السلوك الأخلاقي وخطّت أسس التعامل في قاعدة اختصرت كل المفاهيم في كلمة واحدة هي (مكارم الأخلاق) وكان نجاح قيمها يعود لخصال النبي الخير داع الذي أثنى عليه المولى عز وجل في ذلك: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}.

أزمة العالم في كل العصور أزمة أخلاقية يستجير فيها الضعيف من تعسف القوي وظلت كذلك حتى قيض الله للإنسانية رسالة العدل والمحبة والسلام رسالة الإسلام التي تدعو للإحسان والوئام، وحفظ حقوق الآخرين وصيانة أعراضهم وكرامتهم، فكيف تلاشت هذه المعاني وحل بدلاً منها ما نشاهده من أحادية في الفكر، وانتقاص للآخرين واهدار لكرامتهم، وتغييب فكرهم.

ثلاث جهات مسؤولة عما وصلنا إليه من التقهقر الأخلاقي، وجاهلية القرن العشرين، أولها الأسرة - وثانيها المدرسة - وثالثة الأثافي الإعلام.

للاسف لم تنجح الأسرة أو المدرسة كلتاهما في ايجاد تربة خصبة لبذرة الحب والوئام والتسامح وتقبل الآخرين في نفوس الجيل الناشئ، بل على العكس من ذلك فقد انغلقتا على مفاهيم إقليمية، واثنية، وعقائدية، واحادية في الفكر موحشة في الغلو، واقصاء للمخالف، والوافد، والذمي.

لم تفلح هيئة التدريس أو الكيان الأسري من استئصال نزعات التعصب الأرعن ونظرات الشك والريبة التي يسددها أبناؤنا للآخرين لأنهم مختلفون هذا هو ذنبهم الوحيد. فهل تلتزم الأسرة والمدرسة بتطبيق تعاليم الدين السمحة التي أمرت بالعدل والإحسان وترسخ في أذهان أبنائنا هذا المفهوم وتغرس في قلوبهم مشاعر الحب والتسامح، أرجو أن تفعل فطريقنا طويل والمسيرة الحضارية للأمة لا تخطو بمعزل عن العالم المتطور، وإذا سادت هذه الروح والمشاعر فليس بإمكاننا اللحاق بركب الحضارة فكما نرفض الغير - فإن الآخرين لا يتقبلوننا أيضاً لماذا؟ لأننا برابرة متوحشون ودمويون، ضيقو الأفق منغلقو التفكير هذه للاسف صورتنا الذي يبرزها الإعلام المشبوه حينما يبث صور القتل وجز الرؤوس واظهار صورة الدين الإسلامي دين السماحة والسلام بأنه دين الهمجية والإرهاب الذي يقوم على الظلم والاعتداء والقهر والاستبداد واستباحة حقوق الآخرين ونبذهم والإساءة إليهم.

أين تقف الأسرة في هذا العصر العاصف بالتمرد الصاخب، بالمستجدات، كيف بإمكانها توجيه أبنائها وتربيتهم في عالم يضج بالمتغيرات، ويتدفق بالبدائل التي تتحدى ذكاء الإنسان وتسخر من محاولاته الدؤوبة للسيطرة والتحكم على أشكال التحديث ونماذج التغيير، من نظام تقني وعلمي جديد، إلى تيارات وقوى متناقضة، وانفجار معرفي كبير، ووسائل إعلام قادرة على أسر فكر الإنسان واستمالته وتغيير وجهته بما تقدمه من معلومات وتحليلات كاذبة وحوارات يدعى إليها أفراد لا يخفى على العارفين انحراف فكرهم وأحقادهم للتلبيس على الناس وتزييف الوعي وخلق حالة من الصراع الطبقي الأيدلوجي بين فئات المجتمع، وتكوين حراك مزيف ومفتعل لزرع الفتنة، وايجاد حالات من الفوضى والقلق الاجتماعي بين الطبقات المختلفة وظهور مفاهيم غريبة عن المجتمع للاسف لم يستطع الإعلام العربي وهو في أوج تألقه أن يكون بديلاً للتربية أو حتى رديفاً لها ولم يثبت القائمون بأمره والمسيرون لبرامجه صدق النوايا وحسن الاختيار فيما يبثونه، عبر أجهزته المختلفة المسموعة والمرئية، فجاءت جميع البرامج تعج بأفكار تناقض مفاهيم التربية وتصادم أسس العرف العام، مما أوقع الجيل الناشئ في حيرة والتباس بما يتعلمه في المدرسة وما يراه على شاشة التلفاز من مشاهد لا تحترم سنة وتسخر من براءته ولا تقيم وزناً لأمانة الميثاق الإعلامي ومسؤوليته الأخلاقية وتحت باب الرأي الآخر وعبر مفهوم الحرية الفكرية عمد الإعلام العربي إلى فتح الباب على مصراعيه لكل التوجهات والرؤى بمختلف أشكالها وأطيافها الفكرية بدون تمحيص وتدقيق فنتج عن ذلك ظهور طروحات تناهض القيم وتسخر من الموروث وتحرض على العنف وتمجد الغلو والتطرف وفكر التكفير.

ما بال إعلامنا العربي بات غافلاً عن أهم واجباته فأفسح المجال لكل منحرف ودعي، ولمن تخبطه هوس الفتوى الضالة، أن يلج أبوابه ويتصدر منابره، مفتياً بمصادرة الرأي الآخر، وتكفير المسلمين، واهدار دمهم، ولم يسلم من ذلك أحد حتى علماء الشريعة ورجال الدين. لا يستوي في المقام من سخر إعلامه لأهواء شخصية ومنافع دنيوية ليبث فكراً يتنافر مع رسالة الإعلام السامية، كمن هو قائم بواجباته الإعلامية مجندة لاعلاء الفكر وترسيخ القيم وتوعية الناس بأسس الخير وأصول التسامح والبعد عن الغلو والتطرف والشطط وتقديم الترفيه البريء المتسق مع تعاليم الدين وقيمه.

"إن الإعلام النزيه الحر هو الذي لا تتعارض رسالته مع العقيدة وتجيء برامجه متطابقة مع أهداف الدين ومقتضيات الشريعة، متجانسة معها فيما تدعو إليه من حرية التعبير وحماية للكرامة الإنسانية والاعتراف للناس بحقهم في تعدد الآراء وانكار الاستبداد والظلم والاضطهاد". ويؤكد ذلك معالي الدكتور صالح بن حميد بقوله: "إن التيارات الفكرية المناهضة تهب في سماء الأمة الإسلامية مستهدفة تشويه سماحة الإسلام وزرع الشك في سياسات دوله وتشريعاتها، وللاسف فقد حقق هذا الفكر المشبوه كثيراً من أهدافه خصوصاً بين أفراد الشباب المندفع التي تنقصه الدراية الكاملة والرؤية الواضحة بأمور دينه فانساق مع الفتوى المنحرفة التي تزين له العنف وتدعوه لقتال المسلمين ومحاربة أهل الذمة ورجال الأمن، كل ذلك باسم الدين وهو منهم براء".

إن إعلامنا العربي مطالب الآن أكثر من أي وقت مضى بأن يكون أميناً على رسالته، مخلصاً في دعوته، وأن يعمل على اثراء المعرفة وتشكيل الوعي السليم مع مضاعفة الجهد في مواجهة التيارات المتطرفة التي تريد العبث بقيمنا وتضليل عقول المراهقين من أبنائنا باستعمال الدين مطية سياسية لادخال الفوضى وعدم الاستقرار على مجتمعاتنا. وأن عليه واجب التدقيق والمراقبة في كل ما يبث من برامج واختيار تلك التي تصون الأخلاق العامة وترعى قيم الأسرة المسلمة، البرامج البعيدة عن الإثارة والاستفزاز وتصوير العنف وأدلجة الفكر المنحرف.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية