بحث



الخميس 20المحرم 1428هـ - 8فبراير 2007م - العدد 14108

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


سعد البازعي والمكوِّن اليهودي في الحضارة الغربية

سعد البازعي
سعد البازعي

أحمد الواصل
    يقدم سعد البازعي الناقد وأستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة الملك سعود، كتابه الجديد المكون اليهودي في الحضارة الغربية، المركز الثقافي العربي - 2007، الذي يحمل أطروحة مفارقة على مستوى عربي، وربما على مستوى بعض الشعوب، حول المكون اليهودي الثقافي من إسهام في المعرفة والعلوم والإبداع من خلال الجماعات اليهودية، بطوائفها الإشكنازيم (متحدثو اليدشية عبري - ألماني) والسفارديم (متحدثو عربية - إسبانية)، التي كان لها أثر بارز، ولا يزال مستمراً، في تطور النظريات العلمية والنقدية، وحركات الفنون والأدب مطالع القرن العشرين، ولم يكن هذا من عصر قريب إلا لكونه اتضح في سياق عناصر فاعلة داخل الحضارة الغربية عموماً، ولكنه ظل جزءاً في مفهوم الجماعات اليهودية المترحلة جراء انهيار الأندلس، والاندماج الحذر الذي تحكمه العلاقات المختلفة بين الشعوب الأوروبية التي تخوض فترة عصر التنوير خلال القرن الثامن عشر الميلادي حيث كان الفيلسوف سبينوزا مجايلاً لها، وإن كان خارج سياقها العام لعدة أمور، غير الإثنية (العرقية) والدينية، تهميشه من قبل طائفته في هولندا، وطباعة كتبه المحدودة، ولكن ما بين استقطاب بعض الشخصيات اليهودي، فئة التجار والصرافين، إلى استنبول موئل الخلافة العثمانية، من خلال حركة مرنة، ذات اندماج طبيعي، سمحت في تنقل يهود العرب سواء في المغرب العربي بين المغرب نفسها أو ليبيا أو تونس أو في المشرق بين بغداد والبحرين والكويت حتى حلب وفلسطين واليمن، ولكن ظلت الجماعات اليهودية في أوروبا تفتقر إلى أمان تاريخي واجتماعي وديني، ولم تكن الفرصة التي جعلت من ألمانيا حدود القرن التاسع عشر إلى ما قبل مطلع القرن العشرين أن تكون موئلاً لشخصيات يهودية فاعلة فيها، مثل : الإصلاحي إسرائيل ياكبسون، والشاعر هاينه وسواهما، ولكن بمجيء الفوهرر أدولف هتلر وقتاله على جبهته الشرقية في يوغوسلافيا أصدر قراراً باعتبار اليهود جماعة عرقية دامغاً العرقي بالديني، وهذا ما حدا بكثير منهم يبحث عن خلاص الهجرة إلى أمريكا، ولعلنا نذكر منهم من أصبحوا أساتذة ونقاداً ومفكرين من مثل : ألفرد إدلر مؤسس علم النفس الفردي، وجاك دريدا، ونعوم تشومسكي وهارولد بلوم وسواهم.

على أي حال، يضع البازعي كتابه في ثلاثة أقسام، الأول : أبعاد تاريخية ونظرية حيث يتحدث عن الحضور اليهودي في إطار تاريخي، وسؤال الهوية عبر مأزق الانتماء عند المفكر الفرنسي ألان فنكلكروت، والكاتبة والمفكرة الفرنسية سيمون في، والشاعر بول تسيلان، والروائي الأمريكي فيليب روث، والناقد الأمريكي جورج شتاينر، ومؤرخ الفلسفة ريتشارد بوبكن، ثم يتحدث حول نظرية الاختلاف والتقويض ما بين ثلاثي مفكرين : ماركس وبوبر وشتاينر.

وينتقل الكتاب إلى قسمه الثاني متخذاً عنوانه : اليهود من التنوير إلى الخلاص، عبر نماذج سبينوزا بوصف تنويرياً متطرفاً، ومندلسون بوصفه سقراطاً يهودياً، والشاعر هاينه ومأزق الانتماء عنده، وعند الروائي دزرائيلي، ويتناول نهاية القسم حول الحضور اليهودي في القرن التاسع عشر كرة من زوايا يهودية، وأخرى من زوايا اوروبية.

وينتقل الكتاب إلى القسم الثالث : الأقلية الكاسحة، مستعيراً عنوانه من كتابات حسن ظاظا، ليتناول بعض الأطروحات العلمية كما هو التقويض الفرويدي، والفلسفية عند مدرسة فرانكفورت : فروم وهوركهايمر، وأدورنو، والنقدية عند علمين مهمين بعنوان: الملحق اليهودي إيلي دريدا (المعروف بجاك دريدا)، ومكونات يهودية في النقد الأدبي : هارولد بلوم.

ويتناول الجزء الخاص بجاك دريدا من خلال مبحث سوسيوفكري أو سوسيوثقافي أثر الهوية اليهودية التي صاغت ملامح حياته كونه أستاذا جامعيا وناقدا ومفكرا مرموقا، وكانت المحاور حول مواجهات الهوية وقلق البقاء حيث ركز على أزمة نسبة اسمين للمولود اليهودي واحد يسجل رسمياً وآخر يبقى استخدامه في البيت وبين الخاصة، ويتناول أزمة الحس الهامش التي قادت ثورته عليه، وهذا ما أثر في تكوين مفهوم نظريته التقويض، ثم يتم تناول كيفية التلقي غير المعوق بأي نظرة ثقافية معادية أو مهمشة، ويعود بها إلى عاملين، فالأول هو تركيبة الثقافة الأمريكية المشترك في تكوينها طائفياً المذهب البروتستانتي، والاقتصاد الرأسمالي، والعامل الثاني :كثافة التجمع اليهودي السكاني في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تخدم النظرية الدريدية أو تزدهر إلا لهذا السبب الحاسم الذي جعل من دريدا مواطناً أمريكياً لا مهاجراً أقلوياً، ويتحول الحديث إلى سؤال الإثنية والفلسفة، ثم سياق الهرمنيوطيقا التلمودية ، ومنها إلى تقويض التقويض.

وينتقل الجزء الأخير من هذا القسم إلى ناقد أمريكي مهم جداً، وإن لم يترجم له إلى العربية، نقلهما عابد إسماعيل، سوى كتابين : قلق التأثير وخارطة للقراءة الضالة، لوحقا بالمنع مراراً، وبالإهمال دوماً، وهو هارولد بلوم الذي يجمل البازعي الخيوط السبعة المتصلة بين بلوم وسواه من الشخصيات اليهودية الثقافية:

1- التصوف اليهودي (القبَّالة)، وصلته بالتصوف الشرقي (الغنوصية).

2- الاهتمام المكثف بالمثقفين اليهوديين : أدباء وفنانين، والموضوعات ذات الصلة باليهود والانتماء اليهودي.

3- توظيف نظريات التحليل النفسي لفرويد، خاصة، عقدة أوديب.

4- توظيف أساليب ومناهج تفسير متبعة في التقليد التلمودي منها طرق تفسير المدراش.

5- تكريس الاختلاف بنزعات ثورية ومضادة للسائد في الثقافة الأوروبية.

6- التفوق والمغايرة عن الأكثرية الأوروبية بكل أطيافها الثقافية.

7- النزعة الرسولية في صورتها الماشيحية.

ولد هارولد بلوم عام 1930لعائلة مهاجرة من روسيا إلى الولايات المتحدة، ودرس فيها حتى تبوأ كراسي تدريس رفيعة في جامعة ييل ونيويورك وهارفرد، وهو من النقَّاد الذين رفعوا شأن الشعر الرومانتيكي الإنجليزي سار متأسياً بخطى أستاذه الناقد ماير أبرامز، ولكنه تأثر بالكندي نورثرب فراي وكينث بيرك.

فقد نشط خلال فترة السبعينيات ضمن جماعة سميت بجماعة نقاد ييل، الجامعة نفسها، الذين منهم جاك دريدا وبول دي مان، لكنه خرج عليهم، ممثلاً النقد في جانبه الكلاسيكي ولكنه تجاوزه إلى مفهوم ما بعد البنيوية حيث أنتج نظريته الأصيلة حول التناص وعقدة الخلاص أو السقوط في السلف الشعري المدعومة بمناهج وأطروحات علم النفس والمعرفة الباطنية للقبالة والغنوصية.

ولا يخفي بلوم يهوديته في مجتمع أمريكي، فمن خلال حوار أجراه إمري سالوزنسكي في كتاب : النقد والمجتمع، الذي ترجم بعضه فخري صالح، دار كنعان، وتقصَّد عدم ترجمة حوار هارولد بلوم، دون تعليل، حيث يقول في الحوار الذي اعتمد البازعي نسخته الإنجليزية : سكانت نشأتي في الطفولة شديدة المحافظة بل لقد نشأت لكي أكون تلمودياً س، ولكن يرى البازعي، بأن بلوم ليس يهودياً بالمعنى التقليدي، وإنما هو يهودي بالمعنى الثقافي أو الإثني، أي بانتمائه إلى فئة من المهاجرين اليهود حاملة تراثها ومحافظة عليه وناقلة إياه عبر الأجيال بدورها لتطويره على طريقتها الخاصة.

ويناقش البازعي أبرز المفاهيم والاتجاهات المؤثرة على بلوم كالرومانتيكية و القبَّالة وإنتاجه لنظرية التأثير بكونها ظاهرة صراعية بين أجيال من الشعراء توقاً إلى تحقيق التفرد والاستقلال كسر هيمنة النموذج السابق.

و يهتم البازعي في إيضاح نظرية التأثير التي كانت على بلوم نفسه، لا على نماذجه من الشعراء، بل بموقفه الكاره للشاعر والناقد ت.إس. إليوت بوصفه معادياً للسامية، والإعجاب الكبير الذي وصف بأنه خرج من عباءة فراي.

ويخلص البازعي إلى أن أي مؤلف في موضوع كهذا، موضوع المكون اليهودي في الحضارة الغربية، يخشى من (سوء الفهم)، حيث يعيد شرح الدوافع وراء اطروحة الكتاب، ومنها يرتكز على اعتباره منطلقاً في مباحثه المعرفية من : التأريخ والتحليل والتقويم، ومهما تكن من ملامح سلبية ربطها السياسي والإيديولوجي والتعصب الديني حول الموقف من اليهودي بوصف صهيونياً ومتآمراً وخسيساً، إلا أن هناك يهودياً يمكن أن يرى في شخصه الدلالة الإيجابية، حتى لمدلول الهدم والتدمير، في الأساليب النقدية والفلسفية التي كشف الكثير منها هذ الكتاب عبر قراءة لأعمال وشخصيات الكثير من الفئات اليهودية التي توطنت ما بين أوروبا وأمريكا، وأدارت عالم الثقافة من خلال طروحاتها في المعارف والعلوم والإبداع.

3 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


تحية لسعد البازعي وللواصل
إن الشعوب بحاجة إلى تتحاور وتتجاوز بعضها حضارياً، ولعلنا نتعلم ألا نقترف أخطاءً
مثلما يدفعنا إليها السياسييون وسواهم
تحيتي للجميع
فهد بن عبد الرحمن العبيلي


فهد العبيلي
ابلاغ
05:12 مساءً 2007/02/08

 


لماذا نهرب من أن ثقافتنا أحد مكوناتها يهودي، وليس صهيونياً؟
لماذا لم نعد نفرق بين السياسي والثقافي والاجتماعي والتاريخي؟
لماذا ؟
ما الذي حدث ؟
وشكرا للمشاركة
أخوكم سلطان الوشمي


سلطان الوشمي
ابلاغ
12:32 صباحاً 2007/02/09

 


لقد عرفت أن الروائي سمير نقاش ( عراقي يدين باليهودية ) بأنه عندما هاجر إلى إسرائيل هاجر بالعراق كله معه وظل يحلم بالعراق رغم أنه تركها ؟
أليس من المرارة أن يعيش البشر بعذاب من أجل إيولوجيا، فما بالك بمبدع ؟
أرجو الرد ونشكر جردية الرياض على هذه الموضوع
رائد السلامة\ طالب جامعي


رائد السلامة
ابلاغ
12:37 صباحاً 2007/02/09


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية