ربما لظروف الحياة الصحية التي كان أهل الجزيرة العربية يعيشونها على هذه الأرض التي لا تجود آنذاك سوى بالهجير اللافح والغبار الذي يمنع الرؤية والبرد القارس والجدب المميت والجوع المدقع والخوف السائد في كل الاتجاهات ولكنها كانت هي الوطن والذكريات.
وأحاول أن أركِّز على موضوع الجوع، فرمضان يذكرنا بجوع الآخرين، وكذلك جوع أهل البيت في غالب الأمر يذكرهم في بعض شبعتهم لجوع الضيف، ومع مرور هذه القساوات تولد عند العربي في هذه الجزيرة مبدأ الكرم في الغالب ولا أطلق ذلك على الكل.
أصبح الضيف من عصور داثرة شيئاً مهماً للغاية وعُرف عظيم عند العربي حتى وصل بهم الأمر أحياناً لنبذ من لا يكرم ضيفه خوفاً على العار الذي يلحق بالقبيلة جراء ذلك.
وأول إكرام الضيف هو الترحاب به والبشاشة في وجهه وعدم العبوس والتذمر أو حتى السكوت، حتى أن الكثيرين جعلوا أساس الضيافة الترحاب بعبارات تدل على الابتهاج بمقدمه والأكثر والأجدر بالمضيف هو الترحاب قبل نزول الضيف من راحلته وكسر حاجز رهبة الاستضافة يقول أحد الشعراء، وأعتقد أنه جاهلي وأظنه "حاتم الطائي":
أمازح ضيفي قبل إنزال رحله
ويخصب عندي والمكان جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرا
ولكنه وجه الكريم خصيب
يقابله في ذلك قصة الشيخ صياح المرتعد عندما حل ضيفاً على مطير الحمزي الشمري، وكان مع صياح ركب ولم يجدوا سوى زوجة مطير ولم يكن عندها ما يقري ضيفاً واحداً فطلب منها صياح ماعون دهن ولكنه كان يابساً فأحماه على النار حتى لان فعصره وأخرج منه قليلاً من الدهن، وتدهنوا جميعاً حتى ما إذا سألهم أحد لا يلقون باللوم على صاحب هذا البيت وكأنه أهدى إليهم - أي صاحب البيت - هدية عظيمة لأنه ستر عليهم.. إلخ القصة، وقد أوردتها كاملة في هذه الصفحة قبل سنين، والشاهد منها بيت قاله صياح رداً على مطير يحمل هذا المعنى:
اللي يسب بشبعة البطن خايب
ساس القرا حلو النبا والتراحيب
ويقول الشيخ سعدون العواجي (رحمه الله):
عند الفضيلة عد يومين بحساب
اول قراهم قول يا ضيف حييت
ويقول عادي بن محمد بن رمال (رحمه الله):
أول قراهم لركابه تراحيبي
ماكر حرار عسيرات مجاذبها
وأما قول الشاعر الجاهلي سالف الذكر أمازح ضيفي قبل إنزاله رحله، فيقابله قول ابن عبيكة بن رمال:
نحيي بهم من قبل تجديع الألباس
ونقلط لهم تمر الحلا من نماها
ولا أعجب أنك تجد كثيراً من أهل البادية وأقول "بادية" لأن 90% من أهل الجزيرة العربية هم من أهل البادية إلى ما قبل 500عام وأخص هذه النقطة لأن البدوي في بيته يرى راحلة الضيف وهي مقبلة فتجده يقول:
"حيا الله الضيوف قبل عرفهم"
أما بقية القول فهو شامل لأهل الحاضرة والبادية بعد ذلك وعندما تحط رحله وينزل في بيت المضيف فيوضع في أجمل مكان ويقدم له أجمل مأكول لديهم وحتى راحلته يهتمون بها أيما اهتمام ويضعون لها أكلاً وماء، فإن وجد ذبيحة وإلا فسمنها يكفي عند سمينها ما عدا ضيف الذبيحة المعروف فلا عذر من ذلك حتى وإن كانت هي المنيحة الوحيدة لديه أو حتى سانيته الوحيدة التي يظهر عليها الماء كما فعل نايف بن رمال راعي جبة عندما حل عليه ضيف له قدره فلم يجد سوى سانيته الوحيدة ويسمونها "المعيد" فنحرها لضيفه إكراماً له فلقب "بذباح معيده"، وعندما جاء الصباح فإذا بعدة جمال هاملة ليس عليها وسم تحن على البئر أعاضه الله بها وهكذا الكريم معان.
وعند تجهيز الطعام للضيف لا ينسى المضيف أهمية تسلية ضيفه وعدم تجاهله ووصف الكثير بمؤنس ضيوفه وأذكر أن أحد رجالات البادية لقب "بعشير ضيفه" لا أتذكر اسمه ولكن لما لهذه السمة من أهمية فقد لقب بذلك.
وعلى الرغم أن هناك بروتوكولات وسلوم لا تنطوي تحت الإكرام الفعلي وإن كانت لديهم تعد إكراماً مثل عدم سؤال الضيف، وكما سمعت أنها تخضع لإدراك المضيف نفسه.
يقول أحد الشعراء:
حنا ما نزعل ضيفنا بالتناشيد
ما ننشده ياكود ينشد حدينا
ويقول من يناقضه الاتجاه والتوجه:
الضيف ما يطنيه كثر التناشيد
المشكله كان المعزب تطينا
حتى في الجاهلية يعتبرون أن مسامرة الضيف من اقرائه وإكرامه، يقول أحد الشعراء الجاهليين:
فراشي فراش الضيف والبيت بيته
ولم يلهني عنه الغزال المقنع
أحدثه إن الحديث من القرا
ونفسي تعلم انه سوف يهجع
إذاً الحديث مع الضيف يعتبر من القرا وقد لا يجد المضيف لضيفه ما يقدمه فيفكر في حيلة لانقاذ ماء الوجه وعدم السماح لهم بذمه بين القبائل كما فعل الفارس شايع بن مرداس الأمسح أو كما قال الحطيئة في قصيدة له يصف ضيافته لرجل هو وابنه وأوشك أن يقتل ابنه ليكون عذراً بعدم وجود ما يقدمه لضيفه، وأما شايع فقصته المشهورة مع ضيوفه عندما أكرمهم من ركائبهم عندما قال:
عشيتهم واشبعتهم من ركابهم
عشر ضواة كلبوهن همايم
ما حاشته اليمنى لضيفي ومن حضر
ألا ولا أقبل بهذاك لايم
الله خلق حيفي بسيفي لضيفي
ويلومني من لا لفعله قدايم
وبعد تقديم الطعام له واشباعه من جوعه يفرش للضيف أجمل الفراش وأدفؤه ويظل يلاحظ ضيفه بعد نومه يقول شايع الأمسح:
تذكرت من ينده منيع بن سالم
اللي يحظ الضيف حظ الحمايم
كأنه شبه اعتناءه بضيفه كاعتناء الحمامة بصغارها.
ويقول أحد الشعراء القدامى:
بجرد عليهم الأجلة سويت
بضيف الشتاء والبنين الأصاغر
وعندما يتم القرا للضيف في أول وجبة يستطيعون ذلك، يكن طعامه من طعام أهل البيت بلا تكلف ولا يسأل عن حاجته قبل ثلاث ليال إلا إن سأل هو، وهذا في العرف الشعبي، ولا أعلم له أصلاً في العصور المتقدمة.
كما أن أمراً في غاية الأهمية، عند أغلب أهل الجزيرة العربية وهو التفاخر بإكرام الضيف لا بالكلام ومحاولة إخبار الغير عن طريق ذلك الضيف أن المضيف قد أكرمه وذبح له وكل له قدره ومقامه في ذبيحته، والحقيقة أن لكل جهة من جهات أهل هذه الجزيرة طريقته في ذلك، وأعرف أن أهل الشمال عندما يذبح المضيف للضيف يقوم صاحب البيت بأخذ دم من الذبيحة ويحني به رقبة مطية الضيف حتى إذا ذهب لأهله أو رآه أحد في طرشته تلك ويُسأل عن مضيفه فيقول فلان فيحمد ويناله الثناء. يقول دغيم الظلماوي - رحمه الله - من قصيدته المشهورة يا كليب شب النار يا كليب شبه.
إلى أن وصل:
نذبح لهم كبش عريض ملبه
ومع مذبح السكين "حن" الركابي
ويقول عادي بن محمد بن رمال - رحمه الله -:
ودلال أبوها متاعيبي
احرقهن البن وبهاره
"محنِّي" ركاب الاجانيبي
زود على غوش سنجاره
ولي جوانب أخرى في هذا الموضوع سأتناولها بإذن الله لها مدلولاتها ومسبباتها في حينه.