ويثير خطاباً "عولمياً" يؤكد على دخول التاريخ السياسي والاقتصادي للبشر حقبة جديدة، تستبدل القواعد الأساسية التي نهضت الدولة الحديثة عليها وتتجاوز حدود السيادة ومفهوم الأمن القومي ومبادئ الهوية وتراث العلاقات الدولية.
لم يعد هذا المنتدى كما أطل على العالم في بداية السبعينيات مسرحاً متعالياً يختال على خشبته أبرز "طواويس" الثراء والنفوذ، صحيح انه لازال يستعير بعضاً من بهرجة مهرجانات السينما وحفلات الأوسكار الشهيرة، وصحيح أيضاً انك تستطيع الحصول على بطاقة عضويته فقط عندما تكون رئيساً "الأفضل أن تكون مالكاً" لشركة لا يقل دخلها السنوي عن ألف مليون دولار وتدفع حوالي عشرين ألف دولار فقط رسوماً سنوية مضيفاً إليها مئتين وخمسين ألف دولار أخرى، إذا كنت تريد أن تكون كبيراً في حوض كبير وتملك حق المشاركة في وضع أجندة المنتدى، وحتى تصبح كذلك - إن شاء الله - فإن عليك أن تكتفي بالجلوس في مقعدك وتنعم بمراقبة "الصناع" الكبار وهم يحاولون الإمساك بدفة التاريخ وتشكيل اللوحة الجديدة للعالم، والواقع أن كل ما ستحصل عليه لا يزيد عما هو ترديد لأصداء الكواليس والغرف الموصودة حيث تولد الحقائق.
هذا كله صحيح ولكن دافوس ملء العين والبصر في عالم يستقبل رياح التغيير الذي يكنس جنباته، وهي رياح لا تهب في اتجاه واحد، بعضها على الأقل يعصف مثيراً الزوابع من كل لون، مجسداً لأكثر المرامي المضمرة لمنطلقات المنتدى والقوى الفاعلة في نطاقه، وهي قوى تتطلع إلى إعادة انتاج الهيمنة الغربية في صياغات قادرة على استيعاب الشرط العالمي لمرحلة انقضاء الحقبة الاستعمارية المباشرة وسياسة البوارج الحربية، على الرغم من أن هذه المرحلة لم تسحب أذيالها عن صفحة العالم تماماً، وبقيت صواري البوارج تخدش انسيابية الأفق واتساعه هنا وهناك، ليخلق ذلك طلباً متنامياً على "التبرير" الذي يحتاجه المشروع العولمي الموصوم بنسبه الاستعماري المقيت، حيث يتصدى دافوس لذلك بتوسيع أسواق الثقافة العولمية وترويض الذهنية المشككة بسلامة طويته مبشراً بالرفاه والازدهار.
على أية حال أصبح دافوس أحد محركات التغيير الذي يشق طريقه أمام اعتراضات واهنة، عاكساً جملة من المظاهر التي تتشكل داخل التحولات الاقتصادية المعبرة بدورها عن مستويات تراكم الثروة وفيض القوة المتدفق بحثاً عن فتوحات جديدة تستوعب العالم في اطار دعاوى المشاركة وتقاسم الثمار بين بني البشر، ولكنها لا تسجل في منطقتنا على الأقل سوى تجديد لنزعة السيطرة الاحتلالية القديمة، فهل يمثل دافوس حجم التطورات المباطنة لاتجاهات بعث الحيوية في أوصال الهيمنة الغربية كما يزعم خصومه؟ أم انه يشير إلى نشوء نخبة عالمية متجاوزة لأساسيات الحداثة السياسية وأدبياتها تسعى إلى تعميم الرخاء كما يدافع رواده؟ حيث تؤشر الثقافة الدافوسية التي يجري تعميمها على الانحسار الذي منيت به روح "باندونغ" والمفاهيم التي ارتبطت بها، وأججت روحاً متفائلة بين شعوب العالم الثالث لم تلبث أن التهمها طوفان المشاكل وتفاقم العجز في كل الميادين، مقابل صعود الثقافة الدافوسية المبشرة بالازدهار والنمو الاقتصادي في إطار براغماتية باردة لا يرف لها جفن.
هذه النخبة متزايدة الاندماج مصممة على سعيها لتغيير العالم في سياق تصوراتها الخاصة، متعالية على ميراث الحداثة السياسية ومتجاوزة للحدود الوطنية، وغير آبهة بما يسمها من الحيادية واللامبالاة إزاء القضايا الإشكالية المتوالدة عن الاستغلال الجائر للبشر والطبيعة، ومآسي الحروب والفقر المدقع، وجاهدة في الثقافة الممهدة لطريقها، فقد ترافقت التطورات الكبيرة في تاريخ التقدم الإنساني، مع تغييرات في اتجاهات الذهن البشري وتحولات جذرية في المفاهيم والأفكار المعيارية للعلاقات والسلوك، لذا تمثل دافوس جهداً منظماً لتكريس ثقافة المجتمع العالمي الجديد الذي يرعى "التقدم" في اطار الرؤية الدافوسية.
ومع أن الأب الروحي للمنتدى أبدى صدمته في منتدى هذا العام إزاء اتجاهات العالم ووصفه بأنه عالم مصاب بانفصام الشخصية، إلا ان ذلك لم يكن سوى تأوه كتيم تلاشى في رنين النبرة القوية للمستشارة الألمانية السيدة ميركل، التي لم تجد غضاضة في وصف العولمة بأنها مسار تحرير، مستحضرة مقولة الرئيس الأمريكي بنيامين فرانكلين "إن من يضحي بالحرية من أجل الأمن سيخسر الاثنين معاً"، أما الحرية كما تراها من منصبها كمستشارة لألمانيا ورئيسة للاتحاد الأوروبي حالياً، فليست سوى تحرير قطاعي الطاقة والخدمات، كيف؟!! لأن هذه "الحرية" النفطية الاستثمارية، تمثل شريان الحياة بالنسبة لنمو الانتاج العالمي الذي تمسك بزمامه الشركات الكبرى "متعددة الجنسيات" المتصدرة لحركة العولمة، ومع ذلك فإن العنوان الذي جمع تحت مظلته الحشد الأنيق لسادة السطوة الاقتصادية والسياسية، تجاوز في مباشرته السيدة ميركل معبراً عن هواجس المجتمعين حيال الاقتحامات الصادمة لأعماق فضائهم المتفرد بامتيازات القوة والثراء، فكان "خلق توازن جديد للقوى" يقدم انحناءة اعتراف أمام صعود العملاقين الآسيويين الصين والهند ومن يتحرك لاقتفاء أثرهما في آسيا وأمريكا اللاتينية.
بيد أن النقطة الأهم التي يؤشر عليها تزايد نفوذ دافوس، تتركز في مستويات التحول الطارئة على صناعة القرار وإدارته على صعيد الدول والنظام الدولي.. ومساره المتعمق في تشكيل نظام العلاقات الدولية ومفاهيم السيادة القومية في عالم المستقبل، حيث تتقدم القوى الاقتصادية نحو اقتسام إدارة المجال العمومي الوطني على مستويين الأول هو نمو قدرتها على "تصنيع" الرأي العام باستخدام التأثير المتزايد للإعلام، أما الثاني فهو اتساع نفوذها على إدارة الإبداع والابتكار مترافقاً مع نمو سيطرتها على ثروة الأمم، وهي مصممة على خلق عالم بلا حدود يتسع لطموحاتها عن طريق إعلاء اقتصاد السوق وتمجيد ديناميكيات الرأسمالية ومزايا العولمة وإلغاء أنظمة الحماية الوطنية، حيث يؤدي ذلك إلى توسيع قاعدة مشاركتها في اتخاذ القرارات الوطنية والعالمية، بصفتها أعظم القوى الدافعة للتقدم، ومع أن السعي لتعميم ثقافة دافوسية، يوصم في العادة من قبل معارضي التيار العولمي، بأنه دعوة لأصولية رأسمالية فجة أعقبت عهد الإقطاع، وسعي نحو مصادرة البعد الثالث لمفهوم المواطنة، المؤسس للانبعاث الحضاري الغربي، وهو البعد الحقوقي المتعلق بالأمن الكامل لمواطني الدول، فإن العولمة ومن خلفها دافوس، تمضي قدماً وتسجل انتصارات متوالية، وتستعد بروح برغماتية مرنة حتى السيولة، ليس لاحتواء الوافدين الجدد فحسب ولكن لإدماجهم في طلائع زحفها الكاسح، وإذا كانت القوى الجديدة التي يتطلع منتدى دافوس الأخير إلى التوازن معها والممثلة في الصين والهند والبرازيل، لا زالت تعبر عن تحفظات خجولة حول الواقع العالمي المتكون في قلب التيار الجديد، فإن هذه التحفظات لا تلبث أن تذوب في جذوة الحماس التنموي التي تكتسح قيم الثقافات الوطنية والأيدولوجية القديمة على اتساع العالم، وتدفع بخطواتها الصاعدة نحو تقاطع مصالحها مع محركات ودوافع العولمة، مما يجعلها متأهبة لقبول التسويات وفق قواعد عقلانية خالصة، تتيح لها المشاركة في إدارة القرار العالمي.
كيف يمكن النظر إلى مواقع العولميين ورواد دافوس؟ هل هم مجموعة من الطامعين الذين يستعدون لافتراس المنجزات الإنسانية ونهش حقوق المواطنين في الدولة الحديثة، والإبقاء على "متخلفي" العالم محجوزين خارج التاريخ، أو هم رواد يبشرون بالتقدم ويقودونه عبر استخلاص الحكمة وتعميمها، أياً كان الأمر فإن سؤال واقع العرب والمسلمين، يرزح كالجبال على صدورهم وصدر زمنهم، أين نحن من كل ذلك؟!