د. عبدالواحد خالد الحميد
يقال ان الفلسطينيين هم أكثر الشعوب العربية ثقافة وتعليماً.. وقد يكون أو لا يكون ذلك صحيحاً في الوقت الحاضر بعد مرور عدة عقود على شيوع هذه المقولة لأن دولاً عربية عديدة استطاعت خلال السنوات الماضية تحقيق تقدم كبير في مجال التعليم في حين أن أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال وفي مخيمات اللاجئين في الدول العربية المجاورة صعبة للغاية ولم تساعدهم على مواصلة تفوقهم التعليمي بالشكل الذي يتمنونه..
ولكن أيا كانت نسبة المتعلمين الفلسطينيين حالياً فإن أحداً لا ينكر أنهم كانوا سباقين إلى الالتحاق بمؤسسات التعليم وكان لهم دور كبير في نشر التعليم في بعض الدول العربية من خلال عملهم كمدرسين منذ الخمسينيات الميلادية من القرن الماضي، وربما أيضاً قبل ذلك، حينما كانت هذه الدول تفتقر إلى الكوادر المحلية في مجال التعليم.
والشاهد من ذلك كله هو أن الفلسطينيين لا ينقصهم التعليم ولا تنقصهم الثقافة لكن ظروفهم كانت ولاتزال صعبة.. فهم يواجهون عدواً غاصباً يمتلك التأثير السياسي الخارجي ويمتلك القوة العسكرية والإمكانات المالية وكل مقومات فرض الهيمنة بلا حدود..
ورغم تميز الفلسطينيين تعليمياً وثقافياً فإن من المحيِّر أن لا نرى تأثيراً ايجابياً كبيراً على أوضاعهم.. بما في ذلك الوضع داخل مؤسسات الحكم والدولة. وأكبر دليل على ذلك ما تشهده الأراضي الفلسطينية المحتلة من صراع مسلح بين أطراف محسوبة على حماس وأخرى محسوبة على فتح..
وهو صراع بالغ الضراوة وصل حد إراقة الدماء والاختطاف، والإيذاء .. بالإضافة إلى تبادل الاتهامات بين الطرفين عبر الفضائيات وعلى صفحات الجرائد والمجلات.
وبالتعبيرات والمصطلحات التي يميل الساسة الفلسطينيون، وبعضهم مثقفون، إلى استخدامها نسمع دائماً أن الحرب الأهلية والاقتتال بين الفلسطينيين ورفع السلاح هي "خطوط حمراء" لا يمكن تجاوزها.. كل سياسي فلسطيني يطل علينا من شاشة التلفزيون في برامج الأخبار يتحدث عن خطوط حمراء ثم لا نلبث أن نرى في الفقرة التالية من البرنامج صور الفلسطينيين وهم يتقاتلون فيما بينهم!!
بكل أسف يبدو أن لا خطوط حمراء لدى الأشقاء الفلسطينيين في تنافسهم على كراسي الحكم.. فالواقع أن أي حكومة - أي حكومة على الإطلاق! - كانت ستوفر للفلسطينيين قدراً أفضل مما حققته رئاسة السلطة ورئاسة الحكومة خلال الفترة الماضية!
الطرفان يتقاتلان على لاشيء إذا قارنا حجم المخاطر ومدى البؤس والمصاعب المعيشية التي تواجه الفلسطينيين بسبب الفراغ السياسي الحالي بما يمكن أن تكون عليه الأمور لو أن هناك حداً أدنى من التفاهم بين الفلسطينيين.
ما جدوى التعليم والثقافة إذا كان الفلسطينيون الذين يفاخرون بأنهم الأكثر تعليماً وثقافة في المنطقة يتصرفون مثل قبائل الهوتو والتوتسي في أدغال افريقيا وطالما أن نظرية الخطوط الحمراء بين الفلسطينيين هي أسطورة اخترعتها النخب الثقافية الفلسطينية التي تقعد على كراسي السلطة والحكومة والبرلمان في فلسطين!؟
أتمنى أن يستفيد الأشقاء الفلسطينيون من دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله لعقد اجتماع وصلح في مكة المكرمة.. فهي فرصة ذهبية لوضع حد لهذا العبث الذي يمارسه الأشقاء في فلسطين بسبب تناحرات سياسية لا علاقة لها بالمصلحة العليا للشعب الفلسطيني..