لبنان أرضٌ تموت
فيه الحروب.. وتحيا!!
يخوض لبنان معارك بالنيابة، إذ لا نرى في من تتعالى أصواتهم وخلافاتهم إلا ما يتجدد منذ زمن طويل، من تحالفات يتناقض أصحابها بالمبادئ والتوجهات، لكن لأن الغايات متحركة مثل الأهداف، نجد أعداء الأمس أصدقاء اليوم، لدرجة أن التربة اللبنانية التي فاضت بالمفكرين، والفنانين، ورجال الأعمال الناجحين، عجزت عن توفير جو صحي ينتشر فيها، وربما لا تتهم البيئة بأي خطأ، مادام يغنيها، أو يطورها ساكنوها، ولبنان صانع المجد، والحرب، والتناقضات الغريبة، لا ينطبق عليه أي تحليل اجتماعي أو سياسي..
فهو ملتقى ثقافات، وحضارات، ومهاجرين إلى كل أصقاع العالم، ومن الغرابة أن المواطن اللبناني ناجح بكفاءة عالية خارج بلده، وصاحب دكان على أرضه حسابات خسارة ومكسب لا تراعي قيم الوطن، وإنما الدرجة التي يصل إليها التاجر إلى أهدافه ب (ميكانيكية) تجعل الغاية قبل الوسيلة..
أزمة الأيام الماضية - التي كادت أن تنزلق إلى حرب أهلية - لم تكن إلا تراكم خلافات، وعداوات، وتارات، عجزت القيادات التي تتمتع بأعلى درجات الثقافة والتعليم أن تتلافى نتائجها، والاجتماع على هدف واحد، وما هو أغرب أنه بمجرد أن خرج القادة بنداءاتهم لضبط النفس، وعدم الانجرار إلى الصدام، والانسحاب من مناطق التوتر، جاءت الاستجابة سريعة، ومعنى ذلك أن الإطفائيات بيد تلك الزعامات، والسؤال لماذا لا يختصر الزمن ويجتمع الخصوم؛ ليسجل المجتمعون كفاءة المواطن المسؤول، والقائد الحريص على وحدة شعب يملك وسائل التعايش والنجاح، فقط بشروط أن يحترم الجميع خصائص كل فئة وتوجهاتها، بعيداً عن الاستقطاب، ومحركات الصدام بتوجيه من قوى خارجية..
الأكثر غرابة أن انفجار الشارع اللبناني صادف اجتماع باريس (3)، الذي استطاع جمع سبعة مليارات وستمائة مليون دولار لدعم إعادة الإعمار. وهو رقم يفوق أي دعم خارجي باستثناء مشروع (مارشال) الشهير لإعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والمأساة أنه بتلاوة نتائج قرارات الاجتماع، يفاجأ الحاضرون بالنكسة، التي من حظ اللبنانيين أن وصلت أخبارها بعد الاتفاق والتوقيع، وإلا لربما تراجعت الدول المانحة، أو أجلت اجتماعاتها إلى آماد غير معلومة..
هل لبنان مريض، والطبيب ذي المواصفات العالية غير موجود، أم أن المرض عرضي يمكن تسويته من خلال عدة أشخاص يقودون الحرب، أو ينشرون السلام وأعدادهم لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وإذا كان المرض قد جاء من عدوى خارجية ومن ثم (تخندق) كل شخص بطائفة، أو قوة إقليمية، أو دولية داعمة، فهل يذهب لبنان ضحية على مذابح الآخرين؟ أم يلتزم هؤلاء الأشخاص بقيم الحياة، التي هي حق مشروع لكل مواطن، ويصبح بعدها الوطن أكثر قداسة من كل الخلافات؟!
إن إيجاد حل للبنان لا يقوم على وصايا الخارج بنفي الآخر، ولا إخراجه من عضويته الوطنية؛ لأن لبنان بمثل ما هو أرض المتناقضات، فهو أرض الإيجابيات التي تستطيع أن تخرج من الرماد موجوداً آخر، فهل ينتقل من أسطورة دولة الطائفة إلى دولة (العَلَم) الذي يحمله ويرفعه كل المتحاربين بالكلمات والأسلحة؟..