جريدة الرياض اليومية

السبت8 المحرم 1428هـ - 27 يناير 2007م - العدد 14096
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
لمحات حول (مدة التكليف) في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

د. تنيضب الفايدي

يظهر العصر الذهبي للحكومة الاسلامية امثلة تطبيقية فيما يتعلق بتنفيذ الوظائف العامة والشروط والمدة الزمنية لشاغلها، ونكتفي باستجلاء نموذجين رائعين من سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مؤسس أول حكومة نظامية في التاريخ وليس هذا الاستجلاء للتطبيق لاستحالة ذلك في البيئة العربية الحالية وانما ليستقر ذلك في الوجدان.

النموذج الأول:

نال أبو موسى الاشعري (عبدالله بن قيس) رضي الله عنه شرف المكانة لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد هاجر أبو موسى مع نفر من قومه الى الحبشة ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم (لكم الهجرة مرتين: هاجرتم الى النجاشي وهاجرتم اليّ) كما دعا له الرسول صلى الله عليه (الهم اغفر لعبدالله بن قيس ذنبه وادخله يوم القيامة مدخلاً كريماً).

واستمع له الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يتلو القرآن الكريم - من غير ان يعلم - فقال صلى الله عليه وسلم في حقه (لقد اعطى مزماراً من مزامير آل داود).

ولأبي موسى الاشعري منزلة عظيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ان له مكانة بين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولهذا تولى ابو موسى امارة البصرة وقام بمهمات عظيمة الامارة والقضاء كما اصبح معلماً حيث جعل مسجد البصرة مدرسة بل مركز عالمي، ولا سيما للقرآن الكريم، وتفقيه الناس فيه، كما وضع الاسس العلمية للقضاء مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث تظهر الرسائل المتبادلة بينهما ذلك بوضوح وعندما امضى ابو موسى الاشعري اربعة اعوام في البصرة (أميراً منصفاً وقاضياً عادلاً ومعلماً متمكناً) وبعد انتهائها - ورغم امكاناته العلمية وموقعه من الصحابة - دعاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى المدينة المنورة، لأن المدة التي امضاها في الامارة كافية، ويرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بأن مسؤولية (أربع سنوات كثيرة ومن وصاياه: ألا يقر لي عامل أكثر من سنة).

وهذه امثلة مضيئة في الواقع الميداني، وبعض العمال (الامراء) وان كلفوا بالامارة لكنهم يبغضونها فقد سئل سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه ما الذي يبغض الامارة الى نفسك فقال (حلاوة رضاعها ومرارة فطامها).

النموذج الثاني:

عمير بن سعد رضي الله عنه: أحد الصحابة الذين شهدوا بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما اروع منزلة من حضر بدراً مع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وكذلك شهد الغزوات مع الرسول القائد، وكان من الرجال الذين وجههم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه (عمالاً) على المناطق حيث اصبح عاملاً (أميراً) على حمص، وبعد مضي عام استدعاه عمر بن الخطاب الى المدينة المنورة (عاصمة الخلافة الاسلامية) ليطلع على ما انجزه لأهل حمص، وفوجئ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان عميراً بن سعد قد أتى من (حمص) ماشياً وتبدو عليه آثار السفر الطويل، وقد سأل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عميراً رضي الله عنه لماذا لم تركب راحلة فأجاب بأن (أهل حمص لم يعطوني راحلة وانا لم أسألهم ذلك).

ومع ذلك لم يسلم عمير رضي الله عنه من مساءلة عمر رضي الله عنه: ماذا فعلت بالامانة التي حملتها وماذا عملت بالعهد الذي اسند اليك؟ وهل أتيت بشيء من الاموال لمقر الخلافة وكانت اجابة عمير سديدة وكان التقرير واضحاً (أتيت البلد الذي بعثتني اليه فجمعت صلحاء اهله، ووليتهم جباية فيئهم واموالهم حتى اذا جمعوها وضعتها في مواضعها.. ولو بقي لك فيها شيء لأتيتك به..) ولما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزاهة عمير بن سعد رضي الله عنه وحرصه الشديد على تطبيق العدالة بين الناس الذين ولي عليهم اراد ان يجدد له عاماً آخر لكن عمير بن سعد امتنع عن قبول التجديد كما يذكر ذلك صاحب كتاب (حلية الاولياء).

ويجد الكاتب حرجاً شديداً في اضافة الجزء التالي من المقال الى ما سبق، لكن الاستشهاد بالمثالين السابقين كان نتيجة لما تناولته وسائل الإعلام عن وزير عربي اثار قضية وتفاعلت تلك القضية، وتناولت جزءاً من سيرة ذلك الوزير حيث افادت بأنه ما زال وزيراً لنفس الوزارة رغم مضي عشرين عاماً ويظهر ان هناك اشباهاً ونظائر في الوزارات في البلاد العربية يمضون مدداً مثله في الوزارات والادارات، فكم حدث من استغلال النفوذ لمسؤول الادارة او الوزارة التي يمضي فيها هذه المدة الطويلة مديراً او وزيراً، وكم يسخر اصحاب الحاجات والمصالح وموظفو تلك الوزارة لتسهيل المصالح الخاصة نظراً لتجاوز المدة المقررة في القوانين والانظمة واللوائح ويصبح هناك غموض في الاهداف والسياسات التي تتبعها الادارة او الوزارة مما يؤدي الى التدني في مستوى وسير انجاز الاعمال، وكم اضاعت تلك السنوات من حقوق وكفاءات، وكم هاجرت من عقول وكم القت تلك السنوات في (روع) ذلك المسؤول او الوزير بأن لديه الامكانات والقدرات التي لا تتوفر لغيره فكل قول او تصرف يبدر منه لا يقبل النقد ولا المناقشة، بل واجب التنفيذ.

أليست هذه المدة الطويلة التي امضاها (وزيراً) كافية بأن يقول او يفعل كما يشاء.؟

وهذه التجاوزات معروفة قديماً فقد تعددت تشكيل الوزارات في نهاية عصر الدولة العباسية وقد (تزامل) وزيران في احدى التشكيلات الوزارية واستبعد أحدهما في التشكيلات اللاحقة بينما بقي زميله (أبو علي) وهذه كنيته في كل تشكيل و(دس) له زميله بيتين من الشعر:

وقالوا ان العزل للوزراء حيض

لحاه الله من أمر بغيض

ولكن الوزير أبا علي

من اللائي يئسن من المحيض

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية