يُعدّ مستوى الخدمات الطبية أحد أهم المعايير المعتمدة في تقدير مدى تقدم الأمم والشعوب، انطلاقاً من قاعدة مؤداها أن الشعوب التي تحظى برعاية طبية جيدة هي شعوب توافرت لها عناصر الثقة والأمن، ومن ثم القدرة على المضي في الحياة دون خوف أو تردد.
وإذا كان هذا المعيار - ولله الحمد والمنة - قائماً وظاهراً في بلادنا، لا يحتاج إلى بحث في وجوده أو إثبات لحضوره في حياة المواطنين والمقيمين، إلا أن ما يعزز وجوده هو أن هذه الخدمات الطبية المتميزة في بلادنا تقدمها الدولة ممثلة بوزارة الصحة بالمجان، وللجميع دون تمييز طبقي، أو فرق وظيفي، أو تنوع مهني، فالكل أمام هذه الخدمة متساوون.
لقد فطنت قيادتنا الرشيدة - رعاها الله - لأهمية الخدمات الطبية في حياة أبنائها، فعمدت إلى توفيرها مجاناً لكافة قطاعات الشعب، على اختلاف مستوياتهم انطلاقاً من أن الحياة الإنسانية وحمايتها، والعمل على رقيها هي من الأصول العامة التي تقع في قمة اهتماماتها، كما وأن الإنسان هو المحور الذي تدور حوله كل إنجازات التنمية والنهضة والتقدم، وتبعاً لذلك شهد قطاع الصحة وخدماتها تطوراً كبيراً، حتى وصلت إلى أفضل المستويات، وأصبحت هناك مدن طبية متكاملة الخدمات تضاهي كبريات مثيلاتها في العالم المتقدم، وهذا ما يحسب لحكومتنا الرشيدة - أيدها الله - التي عنيت بإقامة هذه الخدمات وتقديمها على درجة عالية من التنوع، والتعدد، والتخصص، بحيث أصبحت تتصدى لكافة التخصصات الطبية.
ومن المراكز الطبية التي تقف شاهداً على ما وصلت إليه المملكة من مستوى طبي رفيع مدينة الملك فهد الطبية، التي تعد إحدى المدن الطبية العملاقة، فهي وإن لم يتم تشغيلها بكامل طاقتها حتى الآن، إلا أنها تعتبر حصناً من حصون الرعاية الطبية المتقدمة في بلادنا، وإذا كان المقام لا يتسع لبيان حجم الخدمات التي تؤديها، فإن ما يميزها هو تلك الروح الشفافة التي تتعامل بها مع مختلف الحالات، بحيث تسود فيها المساواة بين الجميع انطلاقاً من أن الرعاية الصحية حل لكل مواطن، وواجب على كل مسؤول في هذا القطاع، الأمر الذي يجعل المواطن يشعر بقيمته وإنسانيته، فهو في هذه المدينة ليس بحاجة إلى مجاملات، أو واسطات، أو تدخلات، وإنما ينال حقه الطبيعي من الخدمة من دون أي تمييز بين مرتبة وأخرى، أو بين شخص وآخر، أو أي فوارق أخرى سواء كانت وظيفية أو مهنية، أو غير ذلك من الفروقات التي أصبحت - مع الأسف - تشكل ظاهرة في تعامل البشر مع الخدمات الحكومية، وإن كانت خدمات ضرورية مثل الخدمات الطبية.
أقول هذا الكلام من واقع تجربة مررت بها عندما تعرضت الوالدة - شفاها الله - لعارض صحي استدعى تنويمها بالمستشفى، ولا أبالغ عندما أقول إنه بمجرد وصولها إلى طوارئ هذه المدينة وجدت العناية اللازمة والفورية، وعندما كانت حالتها تستدعي الدخول فقد تم ذلك دون التعذر بعدم وجود سرير أو الحاجة لتدخل أو محاولة التوسط لدى الغير في سبيل الحصول على هذه الخدمة، الأمر الذي يكشف عن مدى الوعي بأهمية المساواة بين البشر من دون وساطة وتمييز، ومما أكد هذا الانطباع لدي هو ما تواترت عليه روايات ذوي المرضى الآخرين الذين التقيتهم أثناء الزيارات المتكررة، فلقد اجمعوا على الإشادة بهذا الأسلوب المتميز في استقبال المرضى وشمولهم بما يستحقونه من عناية ورعاية.
ومما يدل على أن مدينة الملك فهد الطبية هي إحدى المدن الواعدة التي سيكون لها شأن رفيع - علاوة على ما هي فيه - أن خدماتها "المجانية" المتكاملة آخذة في التطور، فالمدينة حتى الآن لم تعمل بكامل طاقاتها، فهي لا تزال بحاجة للدعم بالمزيد من العناصر البشرية، سواء في مجال الطب أو التمريض، وعندما تستكمل هذه الشواغر والنواقص وتصل المدينة إلى حد العمل بكامل طاقاتها سوف تشكل إضافة ثرية وغير مسبوقة إلى قطاع الخدمات الطبية في بلادنا بشكل عام.
إن الحديث وإن تناول الجوانب الفنية في عمل هذه المدينة، لا ينبغي أن ينسينا ذلك الجانب الإنساني المتميز في تعامل كافة العاملين هناك بدءاً من مسؤولي الأمن ومروراً بمختلف الأقسام، حيث يستطيع المريض والزائر أن يلحظ منذ الوهلة الأولى ذلك الجانب الإنساني الذي يطبع سلوك الجميع على اختلاف أعمالهم، حيث يجد المراجع للمدينة - مريضاً كان أم زائراً - تعاملاً راقياً يراعي الجوانب الإنسانية من قبل كل من يتعامل معهم داخل المدينة، حيث تظلل وجوههم جميعاً ملامح البشاشة، الأمر الذي يضيف لقيمة الخدمات الطبية التي تقدمها المدينة بعداً آخر لا يقل أهمية وتحضراً.
إن التجارب الشخصية، واستقرار الرؤية من خلال الواقع العملي، تؤكد على أن هذا الصرح العملاق ثري بجوانبه الفنية، وجوانبه الإنسانية معاً، وهما جناحا العلاج وسبب الشفاء - بعد الله - فمتى وجدت هذه المدينة الدعم اللازم والرعاية الواجبة من قبل المسؤولين، فإنها ستكون الملاذ الآمن - بعد الله - للباحثين عن الشفاء والخدمة الطبية المميزة بإذن الله تعالى.واختتم هذه السطور عن ذلك الصرح الطبي الشامخ (مدينة الملك فهد الطبية) بالتوجه بالشكر والتقدير والعرفان لجميع منسوبي هذه المدينة على ما يقدمونه من اهتمام ورعاية وحرص على تقديم أفضل ما لديهم من خدمات طبية وإنسانية أسهمت في التخفيف السريع من آلام المرضى واشعرت ذويهم بأنهم بين أيدٍ رؤوفة رحيمة لا تقل حباً وحرصاً عنهم لمرضاهم.