شاشة تمتلئ بالأشرطة..
حتى الآن لم أكتشف سر القنوات الفضائية الترفيهية التي تنبع كل دقيقتين ولا تستطيع رؤية أي صورة فيها نظراً لامتلاء الشاشة بأشرطة ومربعات ومثلثات ودوائر وفلاشات وقلوب، بعضها عبارة عن رسائل قصيرة مبهمة يتبادلها المشاهدون (أو في هذه الحالة المستمعون)، والبعض الآخر يعطي نسباً لاستفتاءات تافهة، وغيرها يعرض أرقام الاتصال من أجل مضاعفة الهرج على الشاشة، واخرى لمزيد من الاستنزاف لدخل المشاهد العربي المسكين، وغيرها لترسيخ ضحالة الفكر والعشوائية واهدار الوقت.. والقائمة تطول!.
وبالطبع فإن جمهور هذه القنوات ليس ببسيط، فهي موجهة إلى فئة المراهقين الذين يمثلون الفئة العمرية الأكبر في العالم العربي، فقد اشتكت احدى الأمهات من هوس ابنتها المراهقة بالمحادثات الخاوية التي تدور في مثل هذه القنوات والتي لاحظت شكوى الكثير من الأهالي منها، وترى انه من الصعب تقنين مشاهدة هذه القنوات ليس فقط لكثرتها ولكن أيضاً لتأثير زميلاتها عليها في المدرسة بشكل خاص.
المشكلة لدينا أن الأسرة العربية بشكل عام تعودت على التلقي والسلبية والتسليم بالأمر الواقع دون محاولة التغيير أو التعديل فيه، وهذه القنوات - وغيرها كثير - تعرف جيداً بأنها ستنجو بفعلتها وستخرج بنسبة مشاهدة وبعائد مادي يضمن تكاثرها كالفطر، وما يساعد في هذا كله غياب أنظمة وضوابط فعالة لأصول وقواعد البث الفضائي والتي تعطي المشاهد الحق في أن تكون له سلطة على ما يعرض. بينما في دول رأسمالية - تضع الربح المادي أساساً في كل تعاملاتها، ولا تنتمي لثقافة محافظة - يملك المشاهد الحق في رفع قضايا على قنوات تنعكس سلباً عليه وعلى أسرته، بل انه يرجع إلى جهات معتمدة تملك السلطة لملاحقة هذه القنوات قضائياً، بالإضافة إلى أن حملات المقاطعة فيها هي من أنشط ما يكون، وتملك من التأثير ما يتكفل بإغلاق قنوات ووقف برامج واعتذار أصحابها للجمهور.
اعتقد اننا بعد كل هذه السنوات من بداية البث الفضائي في المنطقة، نكون قد تعدينا مرحلة التجربة والخطأ والبدائية والعشوائية، إلى مرحلة تخطيط وتطوير وبعد نظر واستيعاب الاحتياجات الحقيقية للمشاهد العربي. كما أن كمية أشرطة الحوارات والاستفتاءات التي تزدحم بها الشاشات كفيلة بأن تستغل لتكوين أضخم قاعدة معلومات واحصاءات لفهم واقع هذا المشاهد والتخطيط للبرامج التي تضيف له وتساهم في تطويره (وليس تدهوره). كذلك بالنسبة للأسرة العربية التي قد آن الأوان لها أن تنتقل من كرسي المشاهد للحدث إلى المتحكم فيه.
ibtihal@alriyadh.com