الذين بحثوا أو اعتزموا أن يبحثوا تاريخ استعمال المخدرات والمسكرات في بلادنا سيجدون أنها واكبت الوفرة المالية، أي لم تكن متعاظمة كما هي عليه الآن قبل الغنى واليسار الذي جاء إلى منطقتنا في بدايات النصف الثاني من القرن الميلادي الماضي.
دعونا نقل، إذا، أن الوفرة أو الجدة وفّرت لنا المال لنبتاع غير الطعام والملبس، ووفّرتء أيضا لنا الوقت الكافي، لنسافر و"نكشت" على راحتنا لأن الوقت الذي كنّا نحتاجه للكد من أجل توفير المطعم والملبس، نحتاجه الآن لممارسات شهوات ما كنّا نعرفها أصلا .
"نكشت" تلك الكلمة الجذابة، يُقصد بها الرحلة الخلوية، والبعد عن المدينة ، والتمتّع بالهواء والربيع والغدران. وهي أي "الكشتة" لم يُعرف لها جذر لغوي، وكيف جاءت ولا بد انها من أصل أعجمي.
الآن الرحلات الخلوية والمقناص صارت لأعمال ومُتع أُخرى.
"خبز وحشيش وقمر" للراحل نزار قباني، تلك القصيدة التي أثارت الكثير من الجدل في الخمسينيات من القرن الماضي، لم تكن - في نظري - الأولى في أدبياتنا العربية. قصدي من هذه الناحية، فقبلها "الخمريات والغدير" وأبو نوّاس.
وقد يجد المُتقصّي تساؤلا هو أن الخمريات في قديم الشعر العربي لم تكن تذهب بقائليها أو قائليها أو ممارسيها الى المصحات العقلية، وقلّما كانت تؤدّي الى العنف الأسري، كما هي الحال الآن. كانت تلك المُتع المحرّمة ترتبط فقط بالغناء والقيان وقصور الولاة، أما المخدرات فلم تكن منتشرة أصلا .
الآن تبحث المجتمعات في سبل إيجاد أسرّة أوفر لعلاج إدمان المخدرات والمسكرات. والمجتمعات المتمدنة جدّا وفّرت دور رعاية للمدمنين على درجة كبيرة من الخصوصية. ربنا يحفظكم وإيانا .