قد يكون هذا العام هو العام الأخير لما نسميه بأزمة وهموم الاختبارات بعد أن اتجهت وزارة التربية والتعليم إلى إلغاء مركزية اختبارات الثالث ثانوي وجعلتها تتم داخل المدارس تماماً كما هو حاصل في اختبارات الفصل الأول.. جميعنا تربطنا ذكريات محزنة ومريرة مع اختبارات التوجيهي عندما كنا طلاباً ثم آباءً.
كانت اختبارات التوجيهي تتم في مدارس محددة يأتيها الطلاب من عدد من المدارس الثانوية ثم اصبحت الاختبارات في المدارس وكان الأمر مسألة حياة أو موت والذي يحصل على الثانوية العامة بنجاح كأنه مولود جديد.. هذه هي ذاكرة الأمس.. أما اليوم فالأمر مختلف كل شيء من حولنا تغيّر، ايقاع الحياة والتقنية والثقافة المعرفية والتكنولوجيا والوعي الجماعي والاهتمامات الشخصية، لذا كان من المفروض ان تتغير أنماط وأساليب التعليم وحتى طريقة التفكير لدى قيادات التعليم، كان لا بد أن تحدث زحزحة وتبديل مواقع وأدوار، فالطالب ليس هو طالب الأمس والمعلم والمدرسة والادارة المدرسية ليسوا كما الأمس.. الحياة أخذت بعداً آخر والإنسان أصبح أكثر محورية في تعاطيه مع الأشياء من حوله..
التعليم العام لا يحتاج في الفترة القادمة إلا إلى مبشرين بالبشائر التربوية الجديدة وبالثقافة المعرفية لأن المجتمع عاش زمناً طويلاً حبيس إجراءات الاختبارات وما تجر وراءها من إحباطات.. جاء الوقت الذي يتحول فيه التعليم بلا ألم ولا إحباط.. جاء الوقت الذي يكون فيه التعليم متعة يومية لا يرتبط بالهم اليومي.. لا بد أن يكون التعليم من المتع العامة التي تجذب الطلاب إليها ونكسر قاعدة جر الطالب إلى المدرسة وتزاحم الهموم العائلية عندما يبدأ اليوم الأول من الاختبارات..
لو أقر التعليم فكرة إلغاء مركزية اختبار الثالث الثانوي وسار قدماً بالمعدل التراكمي في الثاني ثانوي وتقديم اختبارات الدور الثاني أعتقد لو تمت تلك فسوف تتغير خارطتنا التعليمية وننتقل إلى ثقافة جديدة في نظرتنا إلى التعليم وأهدافه والمجتمع المدرسي، ولأصبحنا في ثقافة حياتية جديدة تقوم على التعلم للفائدة وليس لتحصيل الدرجات، ولو ترافق مع فتح الأبواب والتخصصات الجامعية بحيث يصبح لكل طالب ثانوية مقعد جامعي في التخصصات التي يرغب فيها الطالب من العلوم الطبيعية والإنسانية والتقنية لو تم ذلك فإن حياتنا ستكون أقل تعقيداً وهماً لأن الآباء والعائلات يعيشون هموماً متراكمة تبدأ بالتربية والصرف وتستمر في الاختبارات وقبول الجامعات..
مجتمعنا يبحث عن بشائر تخطيطية ومهنية وادارية وتعليمية وهذه مسؤولية الأجهزة الخدمية في تحقيق الارتياح النفسي والاستقرار المجتمعي والتعليم تقع عليه مسؤولية تحقيق هذا الاستقرار... وأعتقد ان المشاريع الثلاثة التي يعمل عليها التعليم: إلغاء مركزية الاختبارات واحتساب المعدل التراكمي وتقديم اختبارات الدور الثاني لو تحققت بالصورة التي خطط لها فإننا سندخل مرحلة جديدة تساهم في تخفيف المخاوف والهموم العامة المرتبطة بالتعليم وهذا سينعكس على المزاج العام والاستقرار المجتمعي.
دعونا نفكر بصورة أكثر إيجابية وأسرع تفاعلاً لنتجاوز أزمة الاختبارات من خلال أفكار جديدة تناسب وعي وطموح هذا الجيل بدلاً من أن نكون حبيسي أطروحاتنا التقليدية والأنماط الرتيبة التي لا تناسب هذا الجيل الذي نعمل من أجله.
Jarallh@alriyadh.com