بحث



الخميس 6المحرم 1428هـ - 25يناير 2007م - العدد 14094

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الكاتب الأمريكي راسل بانكس في كتابه الجديد:
كيف يصبح التاريخ الأمريكي تاريخاً للعالم؟!

نيويورك - عيسى مخلوف:
    التاريخ لا يكتبه الواقع فقط، وإنما أيضاً الخيال والتصوّرات والاستيهامات والأساطير الكثيرة التي نحملها عن الأشخاص والمجتمعات وتسهم في صناعتها أحداث ومرويات وقراءات ومشاهدات مختلفة. هذا ما يحاول الكشف عنه الكاتب الأمريكي راسل بانكس Russel Banks من خلال البرنامج الذي عرضته قناة "أرتي" الثقافية، ومن خلال الكتاب الصادر حديثاً في الولايات المتحدة وفي فرنسا تحت عنوان "أمريكا تاريخنا" (دار "أكت سود"، بالاشتراك مع "أرتي").

وقبل الخوض في هذا الكتاب المهمّ الذي يقدّم صورة مختصرة وثاقبة للتاريخ الأمريكي منذ وصول الفاتحين الأوروبيين حتى اليوم، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ راسل بانكس من مواليد 1940في ماساتشوستس، ولقد كتب الرواية والقصة القصيرة والشعر، ونُقلت كتبه إلى عشرين لغة. وهو يدرِّس حالياً في جامعة برينستون، إلى كونه عضواً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب. وعام 2002كان رئيساً للبرلمان الدولي للكتّاب وقام مع وفد من الكتّاب العالميين من أمثال وول سوينكا وجوزيه ساراماغو بزيارة الضفة الغربية وقطاع غزّة. وهو معروف بفكره النقدي وبمواقفه المناهضة لحكومة بلاده وسياستها الخارجية.

يتضمن كتاب "أمريكا تاريخنا" حواراً شاملاً ومتشعّباً أجراه معه الفنان التشكيلي والسينمائي الفرنسي جان - ميشال موريس، وفيه يؤرّخ راسل بانكس لأميركا في الماضي والحاضر، منذ مطلع القرن السابع عشر حتى اللحظة الراهنة. وهذا التأريخ الذي لا يصدر عن مؤرّخ بل عن كاتب وروائي إنما يحمل في طياته الكثير من الثقافة والحدس والقدرة على استقراء الوقائع وخلفياتها. وقد تمكّن راسل، من خلال تحليله الذكي للمراحل التاريخية التي مرّ بها المجتمع الأميركي، من رسم صورة للولايات المتحدة الأميركية بما هي جزء من التاريخ العالمي المعاصر.

يساعد الحوار على فهم العلاقة التي تنسجها أميركا مع نفسها ومع العالم، لا سيما علاقتها مع المجتمعات العربية والإسلامية. ومنذ البداية يعلن راسل أن ثمة حالة من سوء الفهم قائمة بين أمريكا والشعب الأمريكي من جهة، والدول والشعوب الأخرى من جهة ثانية. ويلاحظ أن الأوروبيين، على سبيل المثال، لا ينظرون نظرة موضوعية للأمريكيين ولا يرونهم كما هم في الواقع. ففي حين أن أغلبية الأوروبيين (قرابة الثمانين في المئة) كانت قد رفضت ترشيح الرئيس بوش، فإنّ أغلبية الشعب الأميركي انتخبته. وهذا ما يكشف عن نقص في معرفة المكونات السياسية للقارة الجديدة وتاريخها حتى ولو كان تاريخها قصيراً ولا يتجاوز الأربعة قرون.

يروي الكاتب أيضاً نجاح الحملة الاستعمارية التي قام بها الأوروبيون والتي أنجبت أميركا. ويتحدّث عن انتقال القوة الغربية من ضفة إلى أخرى من المحيط الأطلسي وعادت تلك القوة لتغيّر في أوروبا نفسها. ويعتبر أن الذين جاؤوا في وقت لاحق من أوروبا إنما هربوا من البؤس واللاتسامح والمجازر والحروب متبنّين قارة شاسعة مفتوحة على كل الاحتمالات. وقد أنجزوا نموذجاً لمؤسسات سياسية مستمرة منذ حوالى القرنين من الزمن واستطاعت أن تجذب المهاجرين من كل بقاع الأرض بما في ذلك المهاجرون المؤهّلون للانخراط في تطوير صناعة قوية وحديثة استطاعت أن تتحوّل، وفي أقل من قرنين من الزمن، القوة الأولى في العالم. ويرصد المؤلّف كيف أنّ ولادة السينما واستخدام الفن السابع أسهما في نشر ثقافة معينة ساعدت الشعوب المهاجرة على الاندماج، لأنها عملت على إرساء لاوعي جديد ومخيلة جماعية.

الأوروبيون الأوائل الذين قطنوا أميركا الشمالية جاؤوا من مناطق أوروبية مختلفة وكانت تطلعاتهم وأهدافهم مختلفة أيضاً. الذين جاؤوا من إنكلترا كانوا يبحثون عن حرية دينية ويريدون التأسيس لبرنامج ديني وسياسي خاص بهم ولفهم بروتستنتي متشدد. من جهتهم، جاء الهولنديون وأقاموا في منطقة نيويورك ومانهاتن ووادي الهيدسون وذلك لأسباب تجارية بحتة. أما الإسبان فذهبوا إلى منطقة الكاريبي وفلوريدا وشواطئ خليج المكسيك ووصلوا إلى داخل المكسيك، وفي كلّ ترحالهم كان لديهم ثمة هاجس واحد هو البحث عن الذهب.

وهكذا فمنذ بداية تكوُّن أمريكا، أثارت هذه الاختلافات نزاعاً بين الطموحات الأخلاقية والدينية من جهة، ومن جهة ثانية المفهوم الذي اعتبر القارة الأميركية الشمالية مكاناً للنهب والاستغلال وتحقيق الثروات. وشيئاً فشيئاً راحت التطلعات المتناقضة والمختلفة تلتقي في ما بينها لتؤلف كلاً واحداً. وهذا ما تحقق مطلع القرن الثامن عشر عندما توقّف الأوروبيون الآتون من أوروبا إلى النظر إلى أنفسهم بوصفهم أوروبيين بل راحوا يعتبرون أنهم مواطنون أمريكيون. وهنا بدأت ولادة ثقافة وطنية مؤلفة من مجموعة قواسم مشتركة تتشكّل منها الأمة الجديدة.

ليس هناك مصدر واحد إذاً، بل مصادر عدة تكوّن منها الشعب الأمريكي. فبالإضافة إلى الأوروبيين، هناك شعب البلاد الأصلي الذي عُرف بالهنود الحمر، وهناك أيضاً السود الذين جيء بهم قسراً، أي أنهم لم يأتوا القارة الجديدة كمهاجرين بملء إرادتهم، وإنما كعبيد تم اقتلاعهم من أراضيهم وشحنهم كالبضائع عبر "زنّاجات"، والزناجات هي تلك السفن التي خُصِّصت لنقل العبيد من قارة إلى أخرى في ظروف غاية في الشقاء. ولقد ظل العبيد حتى عام 1830متواجدين في منطقة نيويورك ونيوجيرزي وليس فقط في الجنوب. وهنا لا بد من الأخذ في الاعتبار أيضاً أثر الثقافة الإفريقية، فهي، بحسب الكاتب، ليست كامنة فقط في اللاوعي الأمريكي، بل هي واقعية وظاهرة على سطح الواقع. أما عن "الحلم الأمريكي" الذي كثُر الحديث عنه فيقول راسل بانكس إنه يتألّف من أحلام عدة. هو الألدورادو، أي مدينة الذهب الذي لا ينضب. الذهب الذي بحث عنه كورتس وبيسارو. وهو أيضاً ينبوع الفتوة الدائمة الذي يسمح ببداية حياة جديدة. وهو حلم الطهرانيين البروتستانتيين الذين أرادوا أن يؤسسوا مدينة مثالية جديدة للقدس.

وفي حديثه عن الحركات الدينية المتشددة والتي لا تزال إلى اليوم حاضرة وبقوة في الولايات المتحدة، يتحدث بانكس قائلاً إن الأفكار المتشددة هذه هي كذلك في صلب التنظيم السياسي والاجتماعي في أمريكا.

أما عن الثورة الأمريكية ومفهوم الديمقراطية فتستند إلى الأفكار والمفاهيم التي نهلها الأمريكيون من الفلسفة الأوروبية لعصر الأنوار. في البداية أقر القانون أن البيض وحدهم هم الذين يحق لهم الاقتراع، وفي هذا القانون إهمال لحقّ ملايين العبيد. وفي منطقة الجنوب الأمريكي كان يُنظر وقتها إلى العبد على أنه يمثل ثلاثة أخماس الشخص الأبيض.

الفرنسيون إذاً أعطوا مصطلحات التغيير للأمريكيين الذين طبقوها من خلال بُنى ومؤسسات، ثم عاد الفرنسيون فأخذوا هذه المؤسسات كنماذج، وهذا ما يكشف عن تفاعل مهم بين ضفتي المحيط الأطلسي.

من جهة ثانية، تطرّق راسل بانكس إلى صعود النزعة القومية في الولايات المتحدة وتوابع هذه النزعة وما يواكبها من ورم التماثُل مع الدولة. هذا التماثل هو في الواقع في قلب كل نزعة قومية متشددة لأنه يقوم على فكرة العِرق الصافي والهيمنة الثقافية، وهو من الحاجات الاجتماعية الخطيرة التي تولّدها القومية. ألم يعتبر الشاعر الأميركي ويستن أودن أن النزعة القومية هي حالة مرَضية؟ وهذه النزعة تطالعنا بصورة خاصة في السينما الأمريكية. يشير الكاتب إلى أن تطور الصناعة السينمائية في بلاده جاء مواكباً لصعود النزعة القومية الأمريكية مطلع القرن العشرين. والفيلم الأمريكي الكبير الأول كان عنوانه "ولادة أمة" ويربط بين ولادة الولايات المتحدة واكتمال الصفاء العرقي في السنوات 1870، 1880و1890، أي المرحلة التي عُرفت بمرحلة إعادة البناء والتي وضعت فيها الولايات المتمرّدة تحت سلطة واشنطن قبل حصولها على حقوقها. ولحظات العنف النادرة التي عرفها التاريخ الأمريكي في تلك الحقبة والتي تشكل مرحلة مرعبة في ذلك التاريخ نقلها الفيلم بدون أي حرج بل وبشيء من الفخر والاعتزاز. وهذا الفيلم يمثّل أحد الأفلام التي تشكل منبع الفن السابع في أمريكا.

يربط المؤلّف أيضاً بين هذه النظرة القومية التي عرفتها أمريكا نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين من جهة، والمرحلة الراهنة من جهة ثانية. فهناك في أمريكا اليوم نزعة متشددة تؤمن بالقيامة ونهاية الأزمنة وعودة المخلّص، وهذا ما يتبناه اليوم قرابة الستين مليوناً أمريكياً. وتحيلنا هذه الحقبة على حقبة سابقة كان فيها الحق الذي من أجله تحارب الدول هو حق حيازة العبيد وامتلاك كائنات بشرية أخرى والاستئثار بها وبقوتها العاملة. تلك الحقبة وضعت وجهاً لوجه مؤسسة العبودية ووعود إعلان الاستقلال، وكان لا بدّ من حرب أهلية آنذاك لتحسم الصراع بين الواقع المادي والعنصري للعبودية، واللغة ذات الطابع المثالي لإعلان الاستقلال والدستور.

من هنا فإن حرب الانفصال كانت في أساسها حرباً عِرقية، ذلك أنّ الصراع العرقي هو في أساس مكونات تاريخ الولايات المتحدة، وهذا ما بدأ مع الأوروبيين الأوائل الذين وصلوا إلى شواطئ البحر الكاريبي وفلوريدا وفيرجينيا ووجدوا أشخاصاً سمر اللون فكانوا يعاملونهم كما لو أنهم أقلّ بشرية منهم أولاً لأنهم كانوا مجرد أدوات بالنسبة إليهم في ماكنتهم الاقتصادية وثانياً لأنهم لم يكونوا مسيحيين. وهكذا ومنذ البداية اتخذ البعد العرقي حيزاً كبيراً ومركزياً في المخيلة الأمريكية ولا يزال هذا البعد قائماً حتى اليوم. يقول بانكس: "لقد شُنَّت حروبنا الأكثر دموية وعنفاً باسم العِرق وباسمه أيضاً جرت السجالات السياسية الأهمّ. عملياً كل الحملات السياسية تنتهي إلى اعتناق هذا البعد حتى يومنا هذا. وهو هذا البعد العرقي يتحكّم بحياتنا الاقتصادية ويحدد رؤيتنا لبقية أنحاء العالم. وهذا ما دلت عليه طريقة تعاملنا مع جنوب غرب آسيا نهاية الستينات ومطلع السبعينات أو التصرف حيال العالم العربي أو الأفارقة، وذلك كلّه يعود في العمق إلى أسباب عنصرية. فالعنصرية تقوم في المركز المظلم لطبيعتنا الصراعية نفسها". ولهذا السبب يعتبر الكاتب أن الهوية الأمريكية مصابة بالانفصام لأنها هوية تقوم على التناقض العنيف الذي يرتدّ في أحيان كثيرة ضدّ أمريكا نفسها.

في فصل آخر، يتحدث راسل بانكس عن الصعوبات والعوائق الثقافية الكثيرة التي واجهها المهاجرون قبل أن يندمجوا في المجتمع الجديد. من إيرلندا وإيطاليا وبولندا واليونان، ومن آسيا وبالأخص من الصين. وكان هؤلاء في أغلبيتهم يهربون من الفقر المدقع ساعين إلى تأمين ما يوفر حاجياتهم الأولية. وهذ النمط من الهجرة استمر قائماً قرابة الثمانية عقود. كان الوافدون يحملون معهم أنماطهم الثقافية المختلفة. غير أنّ الاندماج يصبح صعباً عندما تكون الأنساق الدينية للمهاجرين مختلفة، أي حين يكون المهاجرون من الكاثوليك بدلاً من البروتستانت، بوذيين كونفوشيوسيين أو هندوس بدلاً من المسيحيين، أو حين يُنظر إلى المهاجرين أنهم مختلفون عِرقياً. في هذا المجال بالذات كان قد صدر كتاب بعنوان "كيف أصبح الإيرلنديون بيضاً"! ويكشف عن الأفكار المسبقة التي حكمت النظرة إلى المهاجرين وخصوصاً إلى الأفرو- أمريكيين ليس فقط في الماضي وإنما إلى وقت قريب. وما خضع له الإيرلنديون تعرّض له أيضاً الأفرو- أميركيين. بهذا الصدد يروي بانكس كيف أنه خلال فترة طفولته ومراهقته، أي بين 1940و1950، كان ثمة كلمة يستعملها أبوه والأنكلو- أمريكيين من جيله ليقصدوا بها الإيطاليين، فكانوا يسمّونهم "الغينيّين" أي من أبناء غينيا. ولم يكن راسل ليفهم هذه التسمية إلاّ عندما كبر وعرف أنها تعني إفريقيا والأفارقة، وهذا ما يعني أنه حتى الخمسينات من القرن العشرين، أي ليس من زمن بعيد، كان الإيطاليون وأبناء منطقة المتوسّط الآخرون يُعتَبرون كأبناء عرق آخر غير العرق الأبيض.

يخلص الكاتب إلى القول: "هكذا نحن، نستعمل كل الألفاظ والمصطلحات العنصرية لنتكلم عن كل الذين يختلفون عنا بطريقة أو بأخرى، سواء كان الاختلاف ثقافياً أو دينياً أو ألسنياً. وهذا ما يفسّر كيف أن المهاجرين البيض أنفسهم عانوا من الجوّ العنصري الذي كان سائداً يوم وصولهم إلى القارة الجديدة.

من جانب آخر، يعتبر بانكس أن موجات الهجرة التي اتجهت نحو أوروبا تختلف عن تلك التي جاءت إلى الولايات المتحدة، ذلك أن الهجرات إلى أوروبا، خاصة تلك التي حدثت في العقود الأربعة الأخيرة، كان مصدرها في الغالب الدول العربية والإسلامية. ومهاجرو هذه الدول يحلمون بالعودة إلى أوطانهم وهم على علاقة دائمة معها. وهذا، بحسب الكاتب، ما يجعل عملية الاندماج أكثر صعوبة. بينما الذين يفدون إلى الولايات المتحدة فيأتون بذهنيّة مغايرة. وهم لا يهاجرون ليربحوا الأموال ويرسلونها إلى أوطانهم الأصلية ريثما تتسنى لهم العودة. ويلفت الكاتب إلى أنّ الولايات المتحدة ليست فقط مكاناً يجد فيه المرء عملاً. إنها أيضاً مكان يعيد فيه المهاجر ابتكار حياته من جديد. صحيح أن الحلم المادي والاقتصادي هو هنا في أولويات المجيء، لكن ثمة أشياء أخرى منها الحرية الفردية والشعور بأن بالإمكان البدء بالحياة من جديد، وهذا شيء أساسي طالما أنه يقتضي قتل الماضي. "والأميركيون، على حدّ تعبير المؤلّف، يتمتعون بموهبة كبيرة في قتل الماضي".

يشير راسل بانكس أيضاً إلى أن اليد العاملة التي وفدت من العالم أجمع إلى أمريكا لم تكن كلها غير مؤهّلة، بل ثمة من خاض المغامرة آتياً من تراكم تجارب. أضف أن ما أسهم في جعل أمريكا القوة الصناعية الأولى في العالم في غضون خمسين عاماً هو القوة الاقتصادية لبعض المدن مثل شيكاغو وديترويت وكليفلاند، وقد أصبحت هذه المدن بمثابة المحرك للحيوية الصناعية. ولأنه كان من المفترض إيجاد أسواق للاستهلاك، برز الجانب الامبراطوري لأمريكا والذي تختصره كيفيات استغلال الثروات الطبيعية لدى الشعوب الأخرى واستغلال تلك الشعوب في دورة متكاملة للإنتاج والاستهلاك. وهذا ما بدأ منذ القرن التاسع عشر وصولاً إل يومنا الحاضر، من أمريكا الوسطى إلى إفريقيا فالشرق الأوسط. وفي هذا المجال لعب العمال المنتجون أنفسهم دوراً مهماً في نهضة القوة الصناعية في أمريكا. يقول المؤلف في هذا السياق: "روكفلر ما كان ليؤمن بالحلم الأمريكي. الذين كانوا يعملون لديه هم الذين آمنوا. أضف أن الأمريكيين تعلقوا بالجمال شبه الروحاني للآلة. هناك نظرة مثالية للتكنولوجيا وثقافتنا نَفعيّة جداً ومادية جداً".

في هذ الإطار أيضاً، لا بدّ من الإشارة إلى أن المجتمع الأمريكي شهد في الثلاثينات من القرن العشرين تحولات اجتماعية مهمة واكبت صعود الليبيرالية الاقتصادية. مع هذه التحولات طرأ تغيّر طاول القيم التقليدية نفسها. واعتبر الكاتب أن الديمقراطية والرأسمالية عقدا القران في الثمانينات لدرجة بات يمكن إطلاق صفة واحدة على الاثنين: "ديمقراطية السوق".

عندما يتناول الموضوع السياسي، يكشف راسل بانكس عن الجانب المفجع والأسود في التاريخ الأمريكي المعاصر فيعتبر أن الولايات المتحدة لا تقبل شريكاً معها في القرار حتى من قبل المنظمات العالمية الكبرى وفي مقدمتها "الأمم المتحدة". ويلاحظ أن تأخر دخول الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى نابع من حسابات اقتصادية بحتة. فالسياسة الخارجية الأمريكية محكومة تاريخياً بالبعد الاقتصادي. عندما قامت ألمانيا بالاعتداء على حركة الملاحة الأمريكية وهدّدت تجارة البضائع الأمريكية إلى أوروبا دخلت الولايات المتحدة الحرب. وأخذت منعطفاً جديداً ضد آسيا واليابان بعد هجوم بيرل هيربور. وهي لم تدخل الحرب إذاً لحماية مصالح البلاد البعيدة عنها بل حباً بمصالحها نفسها. ورأى بانكس أن ما يدفع الأمريكيين إلى الحرب هو جعلهم يشعرون بأنهم مهددون، وهذا ما حدث بالفعل بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر.

إلى ذلك، يشير المؤلّف إلى أنّ الأفكار المسبقة والانتماء الديني والأساطير تلعب دوراً مهماً في التعاطي مع الشعوب الأخرى، كما الحال الآن مع الشعوب العربية والإسلامية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، وبعدها الحرب الباردة، ثمة توجّه يتحكم في سياسة الولايات المتحدة ويقوم على تقسيم العالم إلى أخيار وأشرار، إلى عالم حر وآخر عبد، إلى أبناء الضوء وأبناء الظلمة. ويوحي المسؤولون الأمريكيون أنهم مكلّفون بإنقاذ العالم، وهذا ما طالعنا في الخطاب الذي يبرّر الحرب ضد العراق والشرق الأوسط بعامة.

القسم الأخير من الكتاب يخصصه الكاتب للحديث عن النظرة الثقافية الأمريكية، وانتقال الصدارة الثقافية من أوروبا (فرنسا ولندن بالأخص) لنيويورك ولوس أنجلس منذ الخمسينات من القرن الماضي. ويعزو المؤلف ذلك إلى الجانب الاقتصادي. فالأموال القادرة على شراء اللوحات الفنية موجودة في أمريكا، وكذلك صناعة السينما والمسرح والعروض المشهدية.

وجه آخر من أوجه الثقافة الأمريكية والتي تتداخل فيها الثقافة والاقتصاد ما تمثله شركة "كوكاكولا" وهي إحدى صور دخولها زمن العولمة، أي اكتساح العالم عبر البضائع الأمريكية التي أصبحت رمزاً من رموز أمريكا. وهي بضائع قادرة على اختراق الحدود الألسنية والاجتماعية والوطنية. وهنا لا يغفل الكاتب أن يشير أيضاً إلى أهمية التلفزيون، إلى جانب السينما بالطبع، في نشر هذه الثقافة والترويج لها على المستوى العالمي. وبذلك يكون التلفزيون داخل كل منزل بمثابة معبر لعملاء التسويق التجاري، وقد أصبح نوعاً من الاستعمار الذي يبدأ بإحكام قبضته على الأطفال والشبان الأمريكيين أنفسهم وصولاً إلى العالم أجمع بحجة أنّ ذلك هو من أجل المصلحة العامة والخير العام.

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

نشر هذه الثقافة والترويج لها على المستوى العالمي !


الحذر الحذر من ثقافة :
السفور والتبرج المحرم
بل المجمع على تحريمها في جميع الشرائع السماوية
دون أدنى خلاق
حيث الاجماع منعقد
على تحريم
كشف
المرأة
لأي جزء من :
شعرها او نحرها وصدرها او ذراعيها !
(قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ) !.


ABO ALA
ابلاغ
09:25 صباحاً 2007/01/25


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية