بحث



الخميس 6المحرم 1428هـ - 25يناير 2007م - العدد 14094

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


رائحة الصباح

رجاء عالم
    بالصُدفة أتيتُ ذاك الحوار :

"أعرف من أنا في الظلام " من قال ذلك؟ "أعرف من أنا فقط حين يتوقف الوقت." وجاء الجواب :

"أعرفُ من أنا في أولئك الذين يحبوننا. نحن فكرةُ كيانٍ جميلٍ برؤوسهم، وحين يذهبون تذهب معهم الفكرة".

"سأمنحك يوماً واحداً، اختر واحداً من أحبائك الذين غابوا، تحيا معه ذلك اليوم المنحة".

"امنحيني وقتاً، يا الله، لن أستطيع أن أبوح لكِ مَنء، وكيف"!

@@@

اندسستُ بذاك الحوار، وأجهدتُ ذهني بالتفكير : ذاك اليوم، لمن؟ وكيف؟

أفكر في أبي، يوماً واحداً أغسل قدميه، وأرطبهما بزيت اللوز الأخضر. أو أحلق ذقنه، وأشعر بخربشتها على أطراف أصابعي ووجنتي .

أُفَكِّرُ في صديقتي تلك التي تُغَنِّي، بشعرها الطويل كسنابل قمح، وجسدها المنحوت لينافس دميةً صغيرة راقصة بطفولتي، تلك التي تستيقظ في الرابعة فجراً قد تأكل ملوخية في ذلك الفجر، وقد تُهمهم، لتخلط كعكة، وتُفاجئني بقطعة من فطيرة الدقيق الأسمر بعين الجمل في درج مكتبي. ملفوفة في القصدير. تجتهدُ فيما أُحبُّ، وتصحو تُصلِّي وتخلط لمن تُحب. "أحب رائحة الصباح على شرفتنا المفتوحة على المسيال في شارع التحلية، مخلوطاً بحلاوة الدقيق والفانيليا. طفلي يلعق العجينة السائلة، ويخبز معي، يحلم أن يكبر ليصير خبازاً ".

أُفَكِّر في فينيل الملعب الداخلي الشاسع، المُبَطَّنَة أعمدته بخشب براميل العسل القديمة، تلك التي تَخَفَّى فيها علي بابا والأربعين حرامي، وبجلستنا بينها نفترش الأرض، نرسم دببةً وطيوراً من البلاستيك الشفاف المدعم بطبقة شفيفة من الصمغ، نَقُصُّها ونلصقها على أبواب الساحات الخارجية حتى لا ندخل بوجوهنا في الزجاج، حين نركض وراء الصغار، أو حين تفاجئني كلمةٌ أسارع لتسجيلها في مكتبي .

أفكر بتكريس يومٍ بعد لتلك الساحة بينما تلك البدوية السمراء الرشيقة تتجرأ حتى على الهواء بطرافتها، تلك التي تجعلنا أطرف وأظرف، ونتوق الآن لضحكتنا التي تُوءقِف الحَسَدَ في حلوق العابرين والزوار .

أفكر في آدم، هذا الذي اكتسب في شهرٍ حكمةً وكبرياء، لكأنما كان الكبرياء يرقد عميقاً بجسده الصغير، وأحتاج نسمة من لارجعة المحيط لينتعش، ويُغطيني بالسكينة، وبتوقير عميق لطفل في الرابعة .

أفكر، في الغزال الذي وقف تحت نافذتي ذاك الفجر، مع أول خيوط النور، والذي حين خرجت لأدلَّ عليه من يحبسه لي في صورة ردَّتءني قطراتُ المطر المباغتة. ماذا لو لم أدل عليه ونَفَذتُ من زجاج النافذة لنظرته العميقة، لذاك الكحل على الموق الناعس، لتلك الرؤيا لما وراء المرئي؟

أفكر في ذاك الغريب الجبلي، الذي رافقته قبيلة جبلية حتى جناح العمليات، أدخلوه لحجرة العناية ذاك الفجر، بينما أنا في معطفي الأسود الطويل وحزني، ماذا لو نضوتُ المعطف وألقيتُ منه عليه ... نظرته الهاوية تشبثت بي مثل وعل جبلي، وغابت، ولم يطلع بعدها، نبشتُ كلَّ ممرات العناية الفائقة، وأجنحة التنويم في تلك المدينة المنسية بقلب الغابة والجبل الذي لا يرخي وجهه من السماء، ما عثرتُ على الوجه الذي يلقط عينَ الوعل عن وجهي. قالوا : مَسَّوا الأَدَمَةَ الداخلية للدماغ، أصيب بصرع وسقط، وفارق. و لا يزال وَعءلُه مُعَلَّقاً هنا .

أفكر في الشعراء الثلاثة الجوالين، الذين ينتشرون ويناضلون لتكوين جيش شعراء، الجيش الذي يُنوِّم العَالَمَ مغناطيسياً ريثما يطفئ الشِعَرُ حروبَه، ويرجعها لقماقم الكلمات. دقيقة واحدة، عشرة، ألف، لو تريثتُ لأشد على أيدي ثلاثتهم، وأُرَجِّعَ أصواتَ التشجيع التي يصدرونها بفرقعة الهواء من تجويف الفم لحافة الشفتين، طريقة حيوية للتصفيق، لكأنما يُطءبِقون على الأمل ينفخونه ويطلقونه، يحررون لنا غداً أعمق أسئلةٍ وببحثٍ أبدي عن إجابات ... يومها لحقتُ بالحافلة، التي جاءت بنا، ماذا لو فاتتني، ولم يفتني جيش الشعر. يومها شددت على أبيات الأكثر تألقاً، وفاتتني الفلبينية الصغيرة، التي تناضل لتقطع الأعراق وتخلطها في واحد .

أفكِّرُ في الورد البنفسجي الذي يخلطونه مع سلطتنا الطازجة كل عشية، وفي الكمون الذي يرشه على طبقي هذا الطفل، ويغمس خبزه في زيت زيتوني ليشاركني لقمة، نصير إخوةً في الزيتون إخوة في الدم .

أفكر أننا نخون الفُرَصَ التي تجعلنا بشراً أكثر، وضعافاً أكثر، أفتقد لحظات الضعف أكثر مما أفتقد لحظات القوة التي فَوَّتُها على طريقي .

يوماً واحداً لو زاد على حبيب لما كان للبرد هذا التأثير القارس في العظم، أفكر في المشوار على النهر، بينما أنهار المطر تهبط من السماء في ستائر مواربة لتردنا للوراء، بينما نشق فيها ولا نعود نميز عرقنا من ماء السماء .

مشية على البحر تكفي نظرة في السماء تكفي لجعل اليوم حياة كاملة، من قال نحتاج يوما مع من نحب ، لا نحتاج لألمع من لحظةٍ، من نظرةٍ، ليتوقف الزمن ونصير قلبه .

لو مُنِحءتُ يوماً لاحترتُ : أمنحه للبشر أم للأماكن أم للكلمات أم للصمت. حيث هذا الصمت الحقيقي يستحضرهم جميعاً، يوقفهم على حافة القلب يضحكون ويسقون .

أفكر قبل كل شيء بخالة هدباء، تلك التي حاربت لتحبل وتلد، لكن غلطتها أنها قد عشقت كما لم تعشق امرأة، لدرجةٍ ما عاد جسدُها يطيق الشريك ولا حتى الولد. تلك التي بضغطة يد تقول الحياة. وقهوتها .

خُذء يوماً للوراء أو للأمام، وقل لي، ما تصنع به؟

أفكر أننا وقطعاً لايجب أن نسترد الحوارات، تلك المحبوكة والخاضعة لأفكارٍ محسوبة، الحوار أضعف من الكلمات .

سأسترجع كل الكلمات الطليقة المتقطعة، روعتها في اضطرابها، في جنوننا بأصغر الكلمات .

خذء يوماً وحبيباً، وأنفخ فيه الروح. وقل لي : كيف تبدو الدنيا بكل هذه الحياة؟

@@@

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

اللهم آنس وحتنا ووحشتنا !


هناك في اول ليلة سنرى ثمرة اقوالنا وافعالنا :
( فمن يعمل مثال ذرة خيرا يره
ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ).
اللهم اعنا على :
شكرك !
وذكرك !
وحسن عبادتك !


ABO ALA
ابلاغ
09:14 صباحاً 2007/01/25


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية