الصفعة الأولى:
كان سقف الغرفة قد سقط على الصغير وهو نائم..
يد أبيه ثقيلة جداً..
لم يسبق أن ضربه أبوه بهذه الصورة.. وهو نائم.. تلقى سيف الصفعة على وجهه من كف أبيه فصحا مفزوعاً مفجوعاً..
هل يجروء على الاستفسار عن سبب الصفعة؟ لا..
إن الله قد أعطاه عقلاً، فليعمل عقله حتى يستكشف السبب بنفسه.. هكذا أدبه أبوه مذ أن كان جنيناً حتى أصبح طفلاً في الرابعة من العمر..
آه يا سيف..
نعم أنت تستحق الصفعة..
لقد أسرفت في اللعب، طيلة الليل، وجميع من في البيت كان نائماً..
لماذا لم تنم؟؟
لماذا تجهل كيف ينام الناس؟.. (لن استصغر شأنك وأقول: الأطفال) بل الناس..
ألست واحداً من الناس يا سيف؟!
أنت لم تقض ليلتك ساهراً وحسب، بل أنت تماديت في اللعب حتى رحت تعبث بأشياء الكبار.. كيف سولت لك نفسك أن تتجرأ على مكتب أبيك وتخرج (الأختام الرسمية) وتغمسها في (المحبرة) وتطبع على الأوراق تختمها زوراً وتزييفاً؟!
من أين أتتك كل هذه الجرأة يا سيف؟!
أولست أنت، لما تزل بعد، الطفل الخجول.. أصغر فرد في العائلة، وأضعفهم شخصية وحضوراً؟!.
كيف فعلت ما فعلت بمفردك؟؟
آه.. هذه عادتك!
لا تتملكك الجرأة والشجاعة، وشهوة المغامرة والتجريب.. إلا عندما تكون وحيداً!
فمن سينقذك الآن من صفعة أخرى على وجهك، من كف أبيك الثقيلة؟؟
هل ستهرب يا سيف؟؟
لا، فأنت تحترم أباك..
كل من في البيت يعرف أنك تحترمه.. تحترم الكل أنت، وأول الكل أبوك..
فهل ستصمد في مكانك وتتلقى العقاب كاملاً؟؟
كانت جريمتك كبيرة جداً يا سيف.. أنت لم تعبث بآلة (الختم الرسمي) الخاص بأبيك، عبثاً عادياً.. أنت رحت تطبع الختم على أوراق بيضاء، هي في أصلها (أوراق رسمية).. وما يدريك أنت أيها الطفل الضئيل بقيمة الأوراق والاختام والأحبار؟؟ لماذا فعلت هذا يا سيف؟؟.
تفتح عينيك بحذر شديد الآن، لتبصر وجه أبيك عريضاً عابساً.. بشعره الأبيض وشاربه الأبيض ولحيته البيضاء..
ها هو أبوك ينظر إليك بعتب مخيف ويسألك: (هل تدري كيف عرفت انك أنت من أخرج الأوراق والأختام والمحبرة من مكتبي ليلعب بها؟).
بماذا ستجيب؟؟
تلعثمت يا سيف، وكدت أن تقول (سبحانك لا علم لي إلا ما علمتني) ولكنك خفت أن تشرك بالله فاستغفرت.. أنت تخاف من أبيك جداً يا سيف.. ربما لا تحبه جداً، ولكنك تخافه جداً يا سيف.. على عكس علاقتك بأمك.. فأنت تحب أمك جداً، ولا تخاف منها أبداً.. أمك علمتك ألا تخاف أحداً إلا الله.. ولكن أباك يجبرك على أن تخافه.. وتخاف إخوتك الكبار..
بماذا ستجيب يا سيف؟؟
كأنك لمحت حركة من أبيك، تهيأ لك انها صفعة أخرى.. فرفعت يدك الصغيرة، بعفوية، لتحمي وجهك.. فانتبهت إلى الحبر الذي كان عالقاً بلونه الأزرق على راحتي يديك..
ابتسمت في وجه أبيك..
فابتسم أبوك في وجهك: (برافو عليك.. كشفت فعلتك من أثر الجريمة على يديك)!.
@@@
الركعة الأولى:
انقضت لحظة الصفعة الأولى على خير، فكانت أول مرة يشاهد فيها سيف أباه مبتسماً في وجهه.. ابتسامة أبيه أنسته ألم الصفعة الأولى..
أصبح الصبح..
أشقاء سيف، وشقيقاته (وكلهم أكبر منه) بدأوا في الخروج من المنزل واحداً تلو الآخر.. الأختان الكبيرتان إلى المدرسة.. لا كطالبات إنما كمدرسات!
والأخ الكبير أيضاً إلى المدرسة.. ولكن هو مدير المدرسة!
وبقية الأشقاء والشقيقات إلى المدارس لطلب العلم، والأب غادر أيضاً إلى عمله..
كان الأب قد أحيل إلى التقاعد عن وظيفته الحكومية، ولكن.. كانت له أعماله الخاصة التي تجعله في خروج يومي إلى حيث يخرج رجال الأعمال.. وأكثر خروجه كان إلى المحكمة.. كانت المحاكم جزءاً من علاقته بالناس!.
خرج الجميع، كالعادة، من المنزل.. ولم يبق في المنزل إلا سيف وأمه.
ويا الله ما أجمل أمه..
كانت تقضي الساعات الأولى من الصباح في عملين لا ثالث لهما: (الصلاة وقراءة القرآن).. وكان سيف يتأمل عمل أمه بإعجاب كبير.. كان منظرها عظيماَ جداً في عينيه، وهي داخل (المسفع) الأبيض.. حتى لا يرى منها إلا وجهها النوراني الأبيض وكفاها الحنونتان..
كانت تضع المصحف الكبير على (رحل) خشبي، وتتربع خلفه على السجادة في منظر روحاني يدخل القلب ولا يفارقه أبداً..
كان سيف، في هذه الأثناء، يخترع ألعاباً يتسلى بها.. يفتش في زوايا البيت عن أحجار الكشاف (البطاريات) الفارغة.. وعن كل الأنابيب والمعادن والأشكال الفارغة.. ليتخيلها شخصيات كانت عظيمة بالنسبة إليه: (سوبر مان، الوطواط) ومن قصص (المغامرون الخمسة) كان يجسد أربع شخصيات مقربة جداً إلى وعيه (لوزة، نوسة، عاطف، تختخ) وكأن خامس المغامرين لا يعنيه!
ينهمك سيف في اللعب والخيال.. هذا يضرب ذا، وذاك يساعد تلك!
وبينما هو كذلك، وخديجة أمه لا تزال تصلي وتقرأ القرآن.. يرن جرس الهاتف!
فزعت خديجة من جرس الهاتف، إذ لم يكن الهاتف يرن في مثل هذا الوقت مطلقاً.. ارتعبت الأم العظيمة.. لم يسبق لها أن رفعت سماعة الهاتف، ولم يسبق لها أن تكلمت فيه أو استمعت إلى شيء منه..
كأن سيفاً كان يستمع إلى ضربات قلب أمه الخائفة وهي تحدث نفسها: (ماذرا تفعلين يا خديجة؟ هل تخوضين التجربة وتستخدمين هذا الشيء العجيب الذي يسمونه الهاتف؟ هل تتركينه يرن كأنك لم تسمعيه؟ ربما يكون علي.. أبو الأولاد.. ولكنه لم يفعلها قط ويتصل من خارج البيت)؟!.
كانت خديجة في حيرة شديدة من هذا الأمر الطارئ على نهارها المعتاد، فأشفق صغيرها عليها وصاح بصوته الطفولي (أرد أنا يا أمي؟).. فزعت الأم خوفاً على صغيرها، صرخت بعلو صوتها (لا يا ولدي) وجذبته إليها تعانقه في حنان وخوف عليه.. قررت خديجة أن تحمي ابنها الصغير من هذا الجهاز الغريب (الهاتف) وبقرارها هذا تولدت فيها الشجاعة.. ليس لشيء آخر، انما لحماية صغيرها سيف.. واقتر بت من جهاز الهاتف..
رفعت السماعة وصرخت (مين بيدق التلفون؟؟).
يبدو أن شخصاً رد عليها مخبراً انه من إدارة الهاتف.. وانه يستفسر عن رقم الهاتف هذا، الخاص بالسيد علي بن أعطى.. قالت له خديجة: (والله أنا لا أعرف الأرقام يا ولدي، بعد الظهر يجي أبو الأولاد، دق عليه وكلمه).
هنا صاح سيف (أنا أعرف رقم الهاتف يا أمي) ويبدو ان موظف الهاتف سمع صوت سيف، فقال لأمه دعيه يملي عليّ رقم الهاتف!
قالت الأم لصغيرها: هل أنت فعلاً تعرف رقم الهاتف؟؟
قال سيف: نعم يا أمي، دائماً اسمع أبي وأخواني حسن وحسين وخالد يقولون رقم الهاتف (تمنية وعشرين ألف وأربعمية وإطنعش)!
فقال خديجة: (طيب.. خذ كلم الرجال وأعطه الرقم).. وبينما سيف يمسك سماعة الهاتف، كانت أمه تلف يديها على خصره وصدره.. كأنما هي خائفة عليه من وحش مخيف!
أخذ الطفل سماعة الهاتف، وقال للموظف: الرقم هو (تمنية وعشرين ألف وأربعمية وإطنعش)!.
فقال له الموظف: ما اسمك؟
قال: سيف.
قال الموظف: اسمع يا سيف، من الآن أصبح رقم هاتفكم يبدأ بالرقم (ثلاثة) يعني أول شيء (تلاتة) وبعدين (تمنية وعشرين ألف وأربعمية وإطنعش).. فهمت!
قال سيف: فهمت!
قال الموظف: أخبر أباك فور عودته إلى البيت.
قال سيف: حاضر.
وانتهت المكالمة.
بكت خديجة من فرحتها بابنها الصغير.. عانقته بشدة.. قبّلته على خديه وهي تقول: هل أنت فعلاً حفظت رقم الهاتف كاملاً؟!
قال لها وهو يكاد يطير فرحاً: نعم يا أمي، والله العظيم، وحفظت عليه الرقم الجديد (تلاتة) يعني صار الرقم (تلاتة وبعدين تمنية وعشرين ألف وأربعمية وإطنعش)!
قالت الأم: اسمع يا سيف، أنا سأعلمك أهم شيء ممكن أن تتعلمه في حياتك.. سأعلمك الصلاة.. أخوانك الكبار علمتهم الصلاة في سن السادسة، مع دخولهم إلى المدرسة، ولكن أنت سأعلمك الآن وأنت لم تكمل الرابعة بعد!.
ابتهج سيف من كلام أمه.. السعادة غمرته.. بكى من السعادة.. ما أسعدك هذا النهار يا سيف.. أخيراً استطعت أن تلفت انتباه أمك الحبيبة وتثير إعجابها!.
ذهب سيف مع أمه العظيمة إلى حيث صنبور (بزبوز) الماء، وتعلم منها الوضوء.. وجاء معها إلى سجادة الصلاة.. أوقفته أمه إلى جوارها.. على سجادة الصلاة..
وبدأت تعلمه الركعة الأولى..
@@@
الخروج الأول:
ما الذي ستفعله غدا يا سيف؟!
كيف سكون خروجك الأول إلى ذلك المكان الذي يسمونه (المدرسة)؟؟
أخوك محمد، الذي سبقك بسنتين إلى هناك، يخبرك بأن المكان كله أولاد يجلسون على الكراسي ورجل يصيح بهم ويضربهم..
ها أنت تدخل المدرسة..
ها أنت تحرم، للمر ة الأولى، من الجلوس إلى جوار أمك على سجادة الصلاة طيلة الساعات الأولى من الصباح..
المدرسة شيء مخيف.. ولكنه عادي!.
انتهى يومك الأول، وانتهى الاسبوع الأول، وبدأت إجازة نهاية الاسبوع.. أول مرة تشعر بمعنى يوم (الجمعة) وانه (عطلة) المدرسة!
تريد أن تفرح بعطلتك الأولى، صباح الجمعة الأولى، في البيت.. تتخيل نفسك (سوبر مان).. فتلف "شرشفاَ" أبيض حول رقبتك، وتتركه مسدولاً على ظهرك.. تصعد إلى السور الفاصل بين غرفة (المبيت) وساحة (السطوح).. أنت لم تكن قد سمعت بعد عن (عباس بن فرناس) حتى أقول انك كنت تقلده، فلماذا قذفت بنفسك من فوق السور؟!
هل تقمصت شخصية (سوبر مان) إلى حد أن ترمي جسدك الضئيل من فوق سور يرتفع أكثر من مترين عن الأرض؟!.
ها أنت تسقط وتصيح.. ها أنت تفجع أمك الحنونة عليك يا سيف. لماذا فعلت هذا؟؟
هرعت أمك ملهوفة عليك إليك، تفقدت أعضاءك وهي تظن انك كنت تلعب فسقطت على الأرض، ولم يخطر ببالها انك سقطت من فوق السور المرتفع.. دهنت رأسك بال (فيكس) وقرأت عليك آيات من القرآن واحتضنتك لتنام..
غابت الشمس وأنت نائم، وغاب معها أبوك واخوتك الكبار عن البيت.. فإذا بالورم يتضح في يدك اليسرى.. تلاحظه أمك فتشهق مفزوعة عليك.. تصحو أنت وتصيح (أمي.. يديّ.. أمي.. يديّ) كان الكسر في يدك اليسرى قد بدا واضحاً.. كانت عظمة ذراعك مكسورة تماماً.. تبكي أنت وتصيح (أمي.. يديّ) وتبكي أمك معك.. ولكنها تتوقف عن الصياح، وتتخذ قراراً جريئاً في حياتها: أن تخرج بك إلى المستشفى.. حملتك أمك يا سيف.. خرجت بك.. وحيدة، خرجت بك من باب البيت.. كانت خديجة تجهل حتى شكل الشارع، من قلة - أو انعدام - خروجها من البيت، ولكنها خرجت بك فعلاً.. تحملك على صدرها الحنون.. وهي تلتحف بأكثر من عباءة سوداء فلم تعد قادرة على الرؤية أبداً.. أضف إلى ذلك انها لا تعرف طريق المستشفى، فكيف ستتصرف المسكينة في يومك المشؤوم هذا يا سيف؟؟
ها أنت تفاجئ أمك مرة أخرى، وتدلها على طريق المستشفى (من هنا يمين.. آخر الشارع كما يمين.. هنا المستشفى في اليسار).
دخلت بك أمك إلى المستشفى..
الحمدلله.. الأطباء هالهم منظر يدك المتورمة فهرعوا بك إلى غرفة الأشعة والفحص.. دخلت معك أمك.. تسمع بأذنيك الطبيب يقول لها: (الذراع مكسورة تماماً، توجهي لله بالدعاء أن يلتئم العظم، فإن لم يجبر الكسر لن يفلح معه ولا حتى سيخ معدني، سنضطر إلى بتر اليد حتى يتوقف النزيف من العظم".. أمك تسأل الطبيب بخوف: (ما معنى بتر اليد) يجيبها الطبيب: (يعني تقطع ويركب مكانها يد اصطناعية).. تصيح أمك (ليش؟؟ هو ولدي حرامي حتى تنقطع يده؟؟) يا الله.. حرقة قلب خديجة أسالت دموع الطبيب، ودموعك قبله يا سيف..
بعد ذلك لم يعد سيف يدرك ما يدور.. غاب عن الوعي تماماً.. ها أنت تصحو يا سيف، بعد أربعة أيام من الغياب عن الوعي، لتجد نفسك نائما على سرير أبيض.. وأمك إلى جوارك تقرأ آية (الكرسي).. والغرفة كبيرة وفيها سرير آخر ترقد عليه طفلة ومعها أمها..
كانت الطفلة اسمها (فدوة) وكانت قدمها مكسورة، فتنشأ بينك وبينها صداقة طفولية.. أمك تحفظكما آية (الكرسي) وأمها تنشغل بأكل (الفصفص)!
خمسة عشر يوماً كاملة، حتى أتى الطبيب بالبشارة: (الحمدلله العظيم التأم تماماً، الكسر قد جبر، كأنها معجزة، سبحان الله).. تسجد أمك على الأرض شكراً لله عز وجل، ويجيء أبوك ليأخذك أنت وأمك إلى البيت.. ولكنك تبكي.. لا تريد العودة إلى البيت!
ظنت أمك أن بكاءك بسبب فراق صديقتك (فدوة) ولكنك كنت تعرف السبب الحقيقي: هنا فقط، في المستشفى أتيح لك أن تكون في خلوة مع أمك.. لا أحد من اخوتك يشاركك فيها.. تنام في حضنها.. تتنفس رائحتها.. أما هناك.. في البيت.. فحضن أمك هو الحلم الذي تطمح إليه، ودائماً يسبقك إليه أحد إخوتك الكبار.
جاء أبوك، وأخذ أمك وأنت تبكي على صدرها - والجبس في يدك اليسرى - وعاد بكما إلى البيت..
تبقى لمدة شهرين في البيت، منع الطبيب ذهابك إلى المدرسة حتى إزالة الجبس والتأكد أن الكسر قد جبر.. شهران مرا ثقيلين.. تمت إزالة الجبس.. عدت إلى المدرسة لتلحق ما فاتك من دروس.. هل كنت بحاجة إلى دروس (ألف باء)؟!
كانت أمك قد علمتك الصلاة، وقراءة حروف القرآن، وحفظتك غيباً جزء (عم) وآية (الكرسي) فهل سيتعبك اللحاق بزملائك الذين لم يتجاوزوا (ألف باء)؟!
انتهت السنة الدراسية، وظهرت النتائج: سيف بن أعطى ينجح، ويحصل على الترتيب (الأول) في الصف (الأول) بالمدرسة النموذجية الابتدائية في مكة المكرمة سنة 1974ميلادية 1394هجرية.
فماذا بعد يا سيف؟! لم يفرح بنجاحك (الأول) سوى أمك فقط.. وأنت لم تكن تهتم بفرحة أحد غير أمك.. أنت لم تحقق هذه النتيجة إلا من أجلها.. فهل كنت تعلم انها ستفارقك عما قريب.؟!
هل كان في قلبك من الإيمان ما يكفي ليكون دليلك إلى المجهول..؟!
إلى سواد عظيم سيغلف حياتك كلها عما قريب..؟!
إلى خروج عظيم عما قريب؟!.
www.ffnff.com