أنتمي إلى منطقة جغرافية لم تعرف سوى الهزائم والخيبات...
لاسم هالا محمد وقع رقيق ولطيف على أسماع السوريين، والعرب عموما، فهي تعمل بدأب واجتهاد، وتقدم نفسها بصدق، عبر الكلمة والصورة، بلا ادعاء أو استعراض. هي تصوغ هواجسها، وأحلامها، وطموحاتها على شكل قصيدة، أو فيلم، وتبحث في زوايا الروح والحياة بحثا عن فرح قليل مؤجل، فلا تعثر إلا على حزن مقيم، ومرارة موجعة، وخوف أليف يلهو "على ذلك البياض الخافت"، عنوان أحد دواوينها.
درست الإخراج السينمائي في باريس، غير أن القصيدة ظلت، على الدوام، فسحتها الحانية للبوح، والمكاشفة، واللوم، والاحتجاج، والحب...وهي تعمل، وكثيرون من أبناء وبنات جيلها، في ظل واقع تصفه ب "الخانق"، لكن الأمل الذي يلوح في نهاية النفق يحرضها على الاستمرار، فكانت الحصيلة أربعة دواوين شعرية، وهي، فضلا عن الديوان المذكور قبل قليل: "ليس للروح ذاكرة"، "قليل من الحياة"، و"هذا الخوف"، كما أنجزت عددا من الأفلام الوثائقية من بينها فيلم "قطعة حلوى" الذي تناولت فيه تجربة السجن السياسي في سوريا، كما انتهت، مؤخرا، من تصوير عدد من الحلقات التي توثق طبيعة بعض الألعاب الشعبية القديمة التي كادت أن تغيب عن حياة الطفل المعاصر "المدجج" بالألعاب الإلكترونية.
في حواراتها - وهي قليلة على أي حال - كما في عملها الفني، تقدم هالا محمد رأيها بهدوء، واختزال، إذ تكثف جملتها وكأنها خائفة على اللغة من النضوب، وهي حريصة، كذلك، على دقة العبارة، وتنأى بنفسها عن الدخول في سجالات فردية مع بعض الأشخاص الذين يشغلون مناصب في مؤسسات ثقافية، فهي تدرك بان هؤلاء، في النهاية، ضحايا لواقع سياسي مكرس منذ عقود. هنا حوار معها حول تجربتها الشعرية، وحول رؤيتها للواقع الشعري والسينمائي في بلدها سوريا:
* ثمة مرارة تطغى على جملة هالا محمد الشعرية. إذا كان ذلك صحيحا، فالسؤال هو: من أين تنبع تلك المرارة؟
- نعم، ثمة مرارة، ولو لم تكن موجودة لكنت تساءلت: كيف استطعتُ إخفاءها أو حجبها؟ لدي إيمان صادق بان الإبداع هو نافذة الوجدان الإنساني الذي يصل ذاكرة الأجيال بعضها ببعض. بسب هذا الصدق في الإيمان ليس بوسعي أن أخفي انتمائي إلى منطقة جغرافية، وتاريخية، وبشرية على هذه الأرض لم تعرف سوى الخسارات والهزائم والخيبات والانكسارات والقمع والظلم... وما عدا ذلك هو جهدنا الإنساني من أجل البقاء. ولا أنكر - متعة الحزن والمرارة أحيانا حين تكون هذه الأوجاع جزء اً من علاقة مكاشفة يقيمها الانسان مع ذاته. - وطالما الإنسان معرض للموت...يبقى الحزن - خيطاً يربط بين بني البشر، فما بالك إذا كان هذا (البني البشر) ينتمي إلى هذه المنطقة التي نعيش فيها منذ ولدنا. إضافة إلى ذلك أعتقد أن الحزن أو المرارة هما - كالأمراض أو الجينات الوراثية نتناقلها، أحيانا، مع نغمة الغناء الحزين التي هي جزء من تراثنا. أحيانا يكون المناخ عاملا مؤثرا. وأحيانا أخرى صدى أفراح لم تتحقق.. فنصاب بالمرارة.
* نحتتِ جملة "الحزن الأليف" في نص الإهداء الذي استهل إحدى مجموعاتك الشعرية. هل يمكن للخوف أن يكون أليفا، ومتى؟
- قد يكتسب الخوف طابع الألفة نتيجة تدجيننا له، وترويضنا لحضوره بيننا عن طريق ذكائنا في التعامل معه. أنت تعلم أننا نجيد اللعب على الرقابة، ومعها، وأن الشرطي الذي في داخلنا استطعنا التصالح معه إلى حد كبير، بمعنى أنه صار يغض الطرف كثيرا عن جرأتنا وتجاوزاتنا بسب العشرة الطويلة. هنا يصبح الخوف أليفا، لكن ليس مألوفا!
* أنت درست الإخراج السينمائي، وتتعاملين مع الصورة عبر إخراجك لعدة أفلام، والى جانب ذلك تكتبين الشعر. أية علاقة تربط بين الشعر والسينما؟
- يمكن للفيلم أن يكون قصيدة شعر، ويمكن للشعر أن يحمل دلالات وصورا تحيلك إلى مناخ خيالي أو شديد الاختزال بحيث لا تكون الصفحة، أي الكلمات، هي العمود الفقري للقصيدة، وإنما الروح. الشعر، بالنسبة لي، هو لغة اختزال، وذهاب، بشكل غير مباشر، إلى الجوهر، والسينما كذلك. السينما لا تحتمل الثرثرة، والشعر كذلك. الشعر يختزل في داخله الموسيقا والقصة والمسرح ويتوجه للحواس الخمس، والسينما كذلك. هي حالة كثافة تجمع بين الاثنين معا. كثافة معرفة، وإحساس إنساني لا بد للجمال أن يكون حاضرا فيها...
* إزاء هذا المدح للشعر، ثمة من يتساءل: ما جدوى الشعر في حياتنا المعاصرة وقد هيمنت عليها القيم الاستهلاكية، وانحسرت عنها مساحة الروح والجمال...؟
- لو لم يكن الشعر موجودا لاخترعناه! أنا لا اعتقد أن الشعر أهم من السينما، أو من الرواية، أو من الصحافة، أو من الخبز، أو الفرح...الشعر هام بالنسبة للشاعر، وهو لغة وجدانية تحمل جرعات من العدالة لم يحملها أي نوع إبداعي آخر عبر التاريخ. رغم انتشار كل ما هو استهلاكي في هذه الدنيا، ورغم أنني لا أرى أن جانب الاستهلاك هو خطأ أو عيب في مسار تطور البشرية، غير أن انحسار النوعية والقيمة لصالح الاستهلاك هو الخطأ...بمعنى أن تنتج السينما الأمريكية عشرة أفلام تجارية، فهذا من حق السينما الأمريكية ودليل قوتها، لكن أن لا ننتج في سوريا سوى فيلم واحد كل عامين، فهذا خطأ في السينما السورية، وقس على ذلك. ليس من حق النوعية الجيدة أن تلغي حق وجود النوعية الأقل جودة. من حق الاثنين الوجود معا، ويبقى الحكم لمدى المتعة والفائدة التي يمكن أن يخدم بها كل نوع من هذين النوعين الحياة.
* لمزيد من التوضيح سأطرح هذا السؤال: إذا أقيمت أمسية شعرية لأدونيس في دمشق، وحفلة غنائية لنانسي عجرم بالقرب من مكان الأمسية، سنجد جمهور الثانية، من ناحية الكم، أضعاف جمهور الأمسية الشعرية. كيف نفسر ذلك؟
- أنا اعتقد أن أدونيس، بعد أن ينهي أمسيته، يمكن أن يذهب لحضور حفلة نانسي عجرم، لان أدونيس لا يمكن أن تكون أمسيته "سواريه"!! اعتقد أن "نانسي" قد لا تكون قرأت أدونيس ربما! - لكنها بالتأكيد سمعت به، وتحترم اسمه. أنا ضد هذا التسييس والفرز والفصل القسري بين البشر، واعتقد أن انسياقنا نحو المتعة الجمالية هي صفة إنسانية بامتياز...لشعر "أدونيس" الحق في الوجود وله جمهوره، ولأغنية "نانسي" الحق في الوجود ولها جمهورها.
* كيف تقيمين المشهد الشعري السوري خلال السنوات القليلة الأخيرة؟
- تعرض الشعر السوري، ومنذ أكثر من ثلاثين عاما، إلى التهميش الكبير، حاله حال الثقافة السورية عامة، أما الأسماء التي استطاعت أن تلمع محليا وعربيا ودوليا لم يكن بمقدور أي خنق أن يحجب عنها الأوكسجين. بالتأكيد، في حالة أكثر ديمقراطية وصحية كان يمكن للشعر السوري أن يتطور أكثر وتزدهر في ظلها حركة شعرية سورية لا مثيل لها. لكن المنابر الرسميةالمحليةوالعربية غالبا ما تكتفي بالرواد ، أي بحالة الثبات وتكريس المُكرّس ، دون أن تكلف نفسها عناء البحث عن الحركة الشعرية الحقيقية في سوريا أو غيرها من الدول. منذر المصري، لقمان ديركي، لينا الطيبي، مرام المصري ، حسين بن حمزة...وسواهم، هم شعراء مبدعون، وقد تركوا وسيتركون أثرا كبيرا في المشهد الشعري السوري والعربي. تتطور قصيدة النثر السورية وتتعمق لأن الكثير من شعرائها يحملون مشروعا شعريا صادقا بعيدا عن الادعاء. وهذا المد وهذه الحركة متواصلة دون انقطاع منذ الخمسينات والستينات، أي ما بين أدونيس والماغوط وقبلهما نزار قباني، مرورا بالسبعينات والثمانينات فالتسعينات وصولا إلى اللحظة الراهنة التي اعتبرها مرحلة خانقة على الصعيد الثقافي لا تعترف - سوى بذوي المشروع السياسي الموالي للخط السائد. هذا لا يعني أن الثقافة بجناحها الشعري غير حاضرة، بل هي جاهزة للتحليق في أي لحظة. هل تعلم انه لا يوجد في مدينة دمشق، وعلى مدار السنة، أي مهرجان شعري، وفي مهرجان المحبة، على سبيل المثال، الذي اصبح مكرسا في مدينة اللاذقية هنالك تظاهرة شعرية ينتقي شعراءها، المسؤولون النقابيون المسيَّسون الذين اعتقد انهم بعيدون عن الشعر والقصيدة. وهذا لا يعني بان الشعراء بانتظار دعوة لاعتلاء هذه المنابر الرسمية ، لأنني اعتقد أن كلا الطرفين قد اختار موقعه.
* السينما السورية، بدورها، تتعثر، وتتراجع...وبحجة النوعية لا تنتج سوى فيلم واحد في السنة. ما أسباب ذلك؟ وما الحلول؟
- من أهم الأخطاء البنيوية السياسية، كانت محاولة أدلجة البلاد بكاملها، وتقسيمها إلى قطاع عام، وقطاع خاص. القطاع العام هو الذي أمسكت به الدولة بقبضتين مؤدلجتين، واعتقدت أنها الوحيدة التي تفهم مصالح البلاد والعباد، ورجمت القطاع الخاص بقانون حصير استيراد الأفلام، وحصر الإنتاج والتوزيع بالمؤسسة العامة للسينما، معتقدة أن شعارات التقدم والالتزام التي صمت آذاننا بها هي التي ستصنع الفن والثقافة، لكن في الواقع هي لجمت الأوكسجين التي تتنفس به السينما والفنون جميعها، أقصد هنا أوكسجين الحرية.
بأي حق أنت تعتبر أن القطاع الخاص لا يحق له إنتاج الأفلام السينمائية، بأي حق تلغي السينما بحجة أنها تجارية وهابطة، وفي نفس الوقت تقوم، هذه المؤسسة، وعلى مدى عقود باستيراد الأفلام التجارية الأمريكية الهابطة، رديئة النوعية، فمنذ السبعينات - بعد أن أغلقت الدولة النوادي السينمائية التي كنا نرى فيها أسابيع سينمائية هامة وكان المثقفون السوريون وعلى رأسهم السينمائيون هم الذين يحيون هذه النوادي السينمائية كهيثم حقي، وعمر أميرلاي، ومحمد ملص، ونبيل المالح، وسمير ذكرى، وأسامة محمد، وعبد اللطيف عبد الحميد، ونبيل الدبس وآخرين كثر - لم نعد نرى سينما حقيقية حتى وصلنا إلى هذا الواقع الذي لم نعد نرى فيه السينما إلا بإذن من مهرجان دمشق السينمائي مرة كل عامين في صالات مهترئة هي المؤشر الحقيقي على مدى الإهمال الرسمي للسينما. كان القطاع الخاص ينتج المتعة الرخيصة، ربما، ولمَ لا؟ لكن القطاع العام اصبح في معظم الأحيان رقيبا على أي متعة. أنتجت مؤسسة السينما السورية أفلاما بديعة، وذات سوية عالية، غير أن مشروع المؤسسة العامة للسينما غير قابل للاستمرار ضمن الشرط الذي باتت تراوح فيه منذ زمن. أن يقتصر إنتاجها وخلال عشرين عاما على حفنة من الأفلام الجيدة وذات السوية العالمية لا يبرر انغلاق المشهد السينمائي لصالح القطاع العام فقط، ربما تكون السينما المستقلة إنتاجيا أو بإنتاج مشترك هي أحد الحلول، وربما تكون تجارب الشباب الذين يمولون مشاريعهم الصغيرة هي مؤشرات على حلول أخرى، وربما تكون الشجاعة التي امتلكتها الدراما السورية بكسرها للقيود الإنتاجية وتكريسها لصناعة درامية سورية هي مثال ينبغي أن تنظر لها السينما باحترام وتمعن. تصور أن هامش الحرية في الدراما التلفزيونية هو أعلى بكثير وأوسع مما هو قائم في السينما. أليست هذه مفارقة؟ مع أن الدراما السورية التي تم تكريسها في السنوات العشر الأخيرة هي من إنتاج القطاع خاص، في حين السينما قطاع عام، وليس في كلامي عن الواقع البائس للسينما السورية مس بأي شخص، لكنه مس بالذهنية السياسية التي تتحكم بالنتاج الثقافي عموما.