د. عبدالواحد خالد الحميد
صراع العواطف.. لا الحضارات! هذا هو جديد الجدل السياسي بعد سنوات من شيوع مصطلح "صراع الحضارات" الذي أطلقه صموئيل هنتغنتون وتلقفه كثيرون في المحافل الأكاديمية والإعلامية والسياسية والثقافية..
صراع العواطف فكرة يطرحها مقال نشرته جريدة هيرالد تريبيون في منتصف شهر ديسمبر من العام الماضي 2006م بقلم كاتب يدعى دومينيك مويسي Dominique Moisi.
يرى الكاتب أن العالم الغربي تسوده ثقافة الخوف، وأن العالم العربي والإسلامي تسوده ثقافة الشعور بالهوان، وأن آسيا تسودها ثقافة الأمل.
في إطار هذا الصراع الكوني (العولمي) للعواطف، يرى الكاتب أن الأولوية المطلقة للغرب هي أن يدرك طبيعة الخطر الذي تمثله ثقافة الشعور بالهوان لدى المسلمين والعرب على أوروبا والولايات المتحدة. وينتهي إلى ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية.
ما لم يتطرق إليه المقال هو أن صراع العواطف ليس فقط صراعاً كونياً (عولمياً)، وإنما أيضاً صراعاً نراه ونعيشه داخل عالم ما أسماه بثقافة الشعور بالهوان.. أي داخل العالم العربي والإسلامي.
يكفي أن نشاهد الفضائيات العربية.. وخصوصاً الفضائيات الجديدة التي بدأت تتوالد بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. شاهدوا، فقط، الفضائيات التي تصنف نفسها على أنها عراقية.. لاحظوا الطرح الطائفي العاطفي الذي يخاطب مشاعر العامة ويشحنها تجاه "الآخر".. وما الآخر، هذه المرة، سوى الشقيق المسلم الذي ينتمي إلى طائفة تختلف قليلاً أو كثيراً عن الطائفة التي تنتسب إليها تلك الفضائية!
خطب الجمعة التي تنقلها تلك الفضائيات، والتي أيضاً لا تنقلها أي فضائيات، تطفح بالنفس الطائفي التحريضي المليء بالكراهية تجاه "المسلم الآخر"! وهذا التحريض لا تختص به طائفة دون أخرى.. فكل طائفة تحرض ضد أختها!!
صراع العواطف قفز أيضاً من شاشات التلفاز ومن منابر المساجد إلى صفحات الجرائد والمجلات..
مقالات طائفية.. بل صحف - بأكملها - تؤجج العواطف وتروج للكراهية الطائفية! نسينا إسرائيل، ونسينا أن فلسطين لازالت مغتصبة من اليهود ولم يعد لنا من هم في عالم ثقافة الشعور بالهوان سوى الحديث عن أحقاد الطائفة "الأخرى".. وهذه "الأخرى" هي أي طائفة لا ينتمي إليها المتحدث!!
هذا هو الصراع المأساوي للعواطف.. انه يختلف عن الصراع الكوني (العولمي) للعواطف! ويبدو أن العالم العربي والإسلامي هو كون قائم بذاته تنهشه الصراعات التي تفوق صراع الحضارات.
مؤلم أن تصنف مجتمعاتنا العربية والإسلامية بأنها تلك المجتمعات التي تسودها ثقافة الشعور بالهوان.. ولكن ما هو أكثر إيلاماً أن تشغلنا صراعاتنا العاطفية البينية عن البحث عن الخلاص من هذا الهوان.