الاثنين 3المحرم 1428هـ - 22يناير 2007م - العدد 14091

آفاق النت

الدقة المعلوماتية والإحصائيات العجيبة

د. فهد عبدالله اللحيدان

    علم الإحصاء من العلوم المعروفة والتي تقوم على أسس علمية وقواعد مهنية محددة، فعند إجراء تعداد لفئة ما ويتعذر تعدادها بشكل شامل، يتم تحديد عينة من هذه الفئة عبر طرق معروفة في علم الإحصاء، بحيث يكون تمثيل العينة لهذه الفئة تمثيلا مناسبا وعادة تكون نسبة هذه العينة 5- 10% من الفئة المراد تعدادها، وبالتالي يمكن بعمليات حسابية استنتاج التعداد الكلي للفئة، من خلال إجراء تعداد للعينة فقط.

كان لابد من هذه المقدمة البسيطة لكي ندخل في موضوع المقالة، فقد قرأت وتعجبت كثيرا!!! أحد المقالات في إحدى الجرائد المشهورة عن إحصائية طريفة جدا للمتسولين في موسم الحج الماضي.

ولأن المقصود هو التدليل على أهمية الدقة المعلوماتية، فليس من الضروري ذكر أين نشرت المقالة؟ ومتى؟، وإنما المقصود هو التدليل على عدم إدراك بعض الصحفيين لأهمية تحري الدقة لما تحتويه مقالاتهم من أعداد وأرقام وإحصائيات، لأن ذلك يتنافى مع معايير العمل الصحفي الرصين، وبالتالي سينعكس ذلك على مصداقية الكاتب، حينما لا يحترم وعي وذكاء القارئ .

يقول الكاتب إن عدد المتسولين في الموسم الماضي بلغ نحو 2000متسول!!، وعجيب هذا التقدير للمتسولين، فلماذا هذا الرقم بالذات؟، والعابر لمكة ماشيا بعد رمي الجمرات في اليوم الأخير من الموسم الفائت يرى في المنطقة التي تلي جسر الجمار وقبل منطقة العزيزية أعدادا كبيرة جدا من المتسولين.

ويقول عن التقديرات لحصيلة التسول هي مليونا ريال خلال ستة أو سبعة أيام (ماهي حصيلة المتسول؟؟؟)، وهذا التقدير أعجب؟؟ فكيف استطاعت مصادر معلومات الكاتب أن تحصي المبالغ الواردة إلى جيوب المتسولين؟؟ والذين تتناثر تجمعاتهم في جميع مواقع مناسك الحج .

ويذكر الكاتب انه قد غادر المملكة من المتسولين 60% بعد نهاية حج هذا العام !!! فكيف تم ذلك ؟؟ يمكن تفويجهم للمغادرة كان بشكل خاص!!!.

وأما ال40% توجهت إلى مناطق المملكة، ربما إنها لم تكتف بحصيلة الحج!!، أو أنهم من الأساس من متسولي الداخل !!

ثم أورد الكاتب بعض الملاحظات الاستقرائية المعقولة والتي لا جدال عليها، مثل ذكره لبعض الأساليب التي يتبعها المتسولون في عمليات التسول، كالأناقة في اللباس وتنميق الكلام عند الطلب ،وأن النساء يتفوقن على الرجال في القدرة على استدرار العطف.

ولكن مبعث الاستغراب من مقالة الكاتب هو من أين جاء بتلك الإحصائيات المشار اليها؟، وهل كانت مصادر معلوماته من دراسة علمية بحثية لرصد المتسولين؟

لم يتم توضيح ذلك في المقالة، وحيث إنه لم يسمع بدراسة من هذا النوع، ولم يشر الكاتب لمثل ذلك فالأرجح أنها توقعات من الكاتب، ولكن هذه ليست توقعات بل تخرصات بعيدة كل البعد عن المنطق العلمي المتعارف عليه، وبالتالي تبدو هذه الأرقام غريبة وعجيبة.

وعدم الدقة في إيراد المعلومات الإحصائية يجعل التشكيك بها وارداً، وبالتالي لا يقبلها العقل السليم ولا يستند عليها في أية إجراءات عملية.

فأهمية المعلومات تنبع من الدقة في الحصول عليها وحسن توظيفها لإجراء اتخاذ القرار، ولذلك لا أعتقد أن أحدا من مسئولي الشؤون الاجتماعية سينظر بجدية إلى الإحصائيات التي اوردها الكاتب في مقالته.