
تحمل ميزانية الدولة لعامي 28، 1429ه بشائر خير للوطن، فهي حبلى بمشاريع التنمية الكبيرة كبناء آلاف المدارس والمشافي وشبكات المياه والصرف الصحي ومشاريع الكهرباء والطرق وغيرها من المشاريع الطموحة في أكبر ميزانية عرفتها المملكة في تاريخها..
ولكن تنفيذ تلك المشاريع الكبيرة والكثيرة في أمس الحاجة إلى العديد من المقاولين السعوديين ليحولوها من أرقام واعتمادات إلى مبان ومشاريع يستفاد منها مرتين:
الأولى بوجود تلك المشاريع مشيدة على أرض الواقع لتحقق ما هدفت له من خدمة التعليم والصحة والإسكان ورفاهية المواطن وراحته بشكل عام..
والثانية: بترسية تلك المشاريع التاريخية - أو معظمها على الأقل - على مقاولين سعوديين لكي تدور النقود داخل الوطن، وتدفع عجلة الاقتصاد إلى المزيد من الحركة والنمو..
وهذا كله يقتضي اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لإعادة بناء قطاع المقاولات السعودي الذي تضرر كثيراً خلال العقدين الماضيين لعدة أسباب سابقة أهمها:
1- تأخر وزارة المالية في صرف مستخلصات المقاولين رغم اكتمال إجراءات الصرف، وهذا التأخر حالة غريبة لا أعرف أنها موجودة لدى الدول الأخرى، وقد ورد في الحديث الشريف: "أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"..
ووزارة المالية كانت لا تعطي المقاولين أجورهم أحياناً إلا بعد أن تجف حلوقهم ويحرجوا كل الإحراج مع عمالهم وموظفيهم، ورغم تأخر الوزارة في السداد فهي لا تدفع تعويضاً عن التأخير..
وهذا الوضع الغريب جعل كثيراً من المقاولين إما يكرهون هذه المهنة ويهجرونها، أو يبالغون في تقدير قيمة العطاءات تحسباً للتأخر في الدفع..
2- صياغة عقود الاتفاق بين الجهات الحكومية وبين المقاولين من قبل الجهات الحكومية وحدها ويجب على المقاول التوقيع على العقد بكل بنوده وشروطه وكأنه من عقود الإذعان، والمطلوب هنا أن تشارك لجان المقاولين بالغرف التجارية والصناعية في صيغة العقود المبرمة بين الجهات الحكومية وبين المقاولين بحيث تحفظ للمقاول حقوقه في مختلف الظروف..
3- الحماسة للسعودة بدون تميز دقيق، بل بعشوائية في بعض الأحيان، فطولبت مؤسسات المقاولات الوطنية بسعودة نسبة كبيرة من منسوبيها وعمالها وجرى تشديد الاستقدام على الجميع دون تمييز بين عمل وآخر، فقطاع المقاولات مجاله البناء والتشييد والعمال السعوديون من النادر أن يعملوا في هذا المجال (البناء والتشييد) حتى الآن.. وفي الوقت الذي يتلهف فيه السعوديون على مهنة (البيع) نجد تراخياً واضحاً في سعودة هذه المهنة الأساسية، فمعظم متاجرنا الراقية، والوكالات المحتكرة يبيع فيها أجانب، وكثير منهم متستر عليه، إن التشدد في شروط السعودة على قطاع المقاولات، وعلى المصانع الوطنية، مقابل التراخي في سعودة مهنة (البيع) ومهنة سائقي الأجرة والنقل.. أعاق التنمية الحقيقية ولم يحقق السعودة.. فكثير من المصانع انتقلت خارج المملكة للدول المجاورة حيث الاستقدام - وغيره - ميسر جداً، وقطاع المقاولات يعاني بشدة.. بينما المتاجر تمتلئ بالأجانب حيث الأرباح الوفيرة، فتسعة أعشار الرزق في التجارة كما ورد (في الأثر) والذي يخص موضوعنا الآن هو ما يتعلق بالمقاولين السعوديين أفراداً ومؤسسات، وما ينبغي اتخاذه من إجراءات عاجلة لدعم قطاع المقاولات، وأهم تلك الإجراءات المقترحة:
انتظام الصرف
إن عقود العمل بين الجهات الحكومية والمقاولين الوطنيين ينبغي أن تكون واضحة وعادلة وتحدد فيها مواعيد الدفعات بدقة ويتم صرفها بانتظام تام، وفق إجراءات واضحة لا مجال فيها للمماطلة أو إعطاء فرصة لابتزاز المقاولين من بعض ذوي الضمائر الفاسدة في بعض الجهات الحكومية، فإن بعض هؤلاء (يطلع عين المقاول) قبل أن يخلص إجراءات الصرف رغم اكتمالها واستحقاقها، طمعاً في الرشوة أحياناً، أو تعقيداً أو حسداً من البعض، مع أن المقاول يشقى ويكابد ويعمل في الشمس ويصرف رواتب لألوف العمال والمتعهدين الآخرين، وقد يترتب عليه فوائد بنكية في كثير من الأحيان، وكل تأخير في صرف مستحقاته هو خسارة مادية له وإنهاك نفسي وتشويه لبيئة العمل في هذا القطاع الحيوي الذي يبني الأوطان ويجعل الثروة تتراكم وينقل خبرة البناء والتنفيذ لأبناء الوطن..
فتح الاستقدام
إن العمال المهرة وغير المهرة الذين يستقدمهم مقاولون جادون يقومون بتشغيلهم فعلاً، يقدمون قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.. نعم هم حولوا كذا مليار ريال ولكنهم بنوا لنا آلاف المنشآت والمدارس والمساكن والمصانع والطرق العملاقة وناطحات السحاب.. أما (الباعة) الأجانب فهم يستنزفون اقتصادنا بدون أي قيمة مضافة.. وكثير منهم يعمل لحسابه - متستر عليه -.. ولهذا نكرر اقتراحنا بقصر مهنة (البائع) على السعوديين فقط وهذا يقضي على البطالة والتستر معاً..
ونطالب بتسهيل الاستقدام أمام المقاول الوطني الجاد، وأمام المصانع الوطنية، لأن معيار الاستقدام الصحيح هو ( القيمة المضافة) وهي لا تتحقق في قطاع (البيع) أبداً بل هي قيمة سالبة..
الشفافية والوضوح
إن طرح المناقصات الكبيرة والصغيرة في وضوح وعبر إعلانات عامة يتيح مبدأ تكافؤ الفرص، ويحقق للجهات الحكومية أفضل العروض، ونحن مقدمون على مشاريع تنموية هائلة تحملها هذه الميزانية التاريخية، مما يستدعي اعتماد الشفافية والوضوح والإعلان العام للجميع عن طرح المشاريع في مناقصات عامة مع توضيح المواصفات والشروط بشكل دقيق، وكتابة العقود بشكل عادل يحفظ كل الحقوق..
اندماج المقاولين
تقف لجان المقاولات بالغرف التجارية الصناعية وفي كل أنحاء المملكة، أمام مسؤوليات تاريخية في مواجهة هذا الزخم التنموي من المشاريع الكبرى، ويحسن بها أن تحض صغار المقاولين على الاندماج في شركات وكيانات كبيرة على مستوى التحدي القادم..
@ @ @
والخلاصة أن قطاع المقاولات الوطني في حاجة لدعم عاجل، على كل المستويات، لكي ينهض بما سوف يناط به من مشاريع كبرى لدى القطاع العام والخاص، بما في ذلك المدن الاقتصادية الجديدة، و دعم قطاع المقاولات المحلي هو جزء من التنمية المستديمة، وهو فرصتنا لتوطين خبرة البناء والتشييد وجعل الثروة تتراكم داخل المجتمع، خاصة وأن نشاط قطاع المقاولات الوطني يحقق الازدهار الاقتصادي ويسهم في الناتج الوطني ويساهم في بناء الإنسان العاشق للعمل والطموح.