نعم - أيها القراء الكرام - نحن لم نؤمر بالصلاة، ومن ظن ذلك فقد أخطأ خطأ كبيراً، لأن من ظن ذلك فإنه سيحدث خللاً عظيماً في دينه، وسيضيع على نفسه الكثير من الأوقات، بل وقد تحبط جميع أعماله بمجرد العمل بهذا الظن الخاطئ.
إن من يتأمل كلام الله تعالى يتبين له صدق ما أقول، فالله تعالى يقول: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} (البقرة:3) ويقول تعالى: {الذين يقيمون الصلاة} (المائدة: 55) وقال عزوجل: {وأقم الصلاة} (هود:114) وقال سبحانه: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} (النساء: 103) وقال: {والمقيمين الصلاة} (النساء: 162) وقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {رب اجعلني مقيم الصلاة} (ابراهيم: 40) والآيات في ذلك كثيرة، غير أنكم لن تجدوا ذكر الصلاة في موضع من القرآن الكريم إلا وقد قرن بإقامتها، وإذا قلنا أن المصلين كثير، فإن من يقيم الصلاة قليل بل هم أقل القليل، وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (الحاج قليل، والركب كثير).
وإذا تأملنا الآيات السابقة نجد أن الله تعالى قال:{يقيمون الصلاة} ولم يقل: يصلون، وقال على لسان إبراهيم: {رب اجعلني مقيم الصلاة} ولم يقل: رب اجعلني مصلياً، وكذا سائر الآيات.. وما ذاك إلا تمييزاً منه سبحانه للصلاة الحقيقية عن الصلاة الصورية الحركية، فإن الصلاة الحقيقية هي صلاة القلب والروح، التي يقيمها أهل الخشوع والخضوع تعبداً لله عزوجل.
وفي تفسير آية البقرة {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة}، قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: (لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون الصلاة لأنه لايكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقامة الصلاة، إقامتها ظاهراً بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطناً بإقامة روحها وهو حضور القلب فيها وتدبر ما يقوله ويفعله منها).
ولقد سطر لنا سلفنا الصالح رحمهم الله صوراً مشرقة في الخشوع في الصلاة - فضلاً عن المحافظة عليها مع الجماعة - وذلك حين استشعروا هذا الأمر، فهذا سيد الخاشعين صلى الله عليه وسلم يصلي لله خاشعاً مخبتاً، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وكان صلوات الله وسلامه عليه يقول: "وجعلت قرة عيني في الصلاة".
وهذا الصديق رضي الله عنه كان رجلاً أسيفاً، إذا صلى بالناس لايكاد يسمع صوته من البكاء.
ووقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله النار. فما رفع رأسه حتى طفئت. فقيل له في ذلك فقال: ألهتني عنها النار الأخرى.
فصلاتهم هذه هي التي قال الله فيها: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (العنكبوت: 45) وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.
أما ما نراه في زماننا هذا، فلا نشكوه إلا إلى الله تعالى، فلم تعد الصلاة - عند بعضنا- صلة روحانية بينه وبين ربه تبارك وتعالى، بل أصبحت مجرد قيام وقعود، والذهن في شرود، والنفس في صدود،ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً بين أظهرنا لقال لأولئك: ارجعوا فصلوا، فإنكم لم تصلوا.
وأنقل هنا موقفاً خيالياً رائعاً، صوره لنا الإمام ابن القيم بين فأرة وجمل، حيث قال - رحمه الله-: رأت فأرة جملاً فأعجبها، فجرت خطامه فتبعها، فلما وصلت إلى باب بيتها وقف الجمل فنادى بلسان الحال: إما أن تتخذي داراً تليق بمحبوبك أو محبوباً يليق بدارك. قال ابن القيم معلقاً على هذا الموقف: (وأنت إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك وإما أن تتخذ معبوداً يليق بصلاتك).
وإن ترك الصلاة عمداً أعظم إثماً - ولا شك- من القتل والزنى، وتاركها متعرض لغضب الله، غير أن البعض في ظل انشغاله بأمور الدنيا لايستشعر خطر ذلك، وإني حين قرأت الحديث الذي رواه ابن عمر رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله"- ومعنى وتر: أي سلب ونقص وأصيب في أهله وماله - فكرت في حال الذين أصيبوا مؤخراً في حادثة انهيار الأسهم، هل هم أعظم خسارة ممن فاتته صلاة العصر؟! قبل الختام: إن المسلم في هذه البلاد المباركة ليفرح أشد الفرح حين يسمع صوت الأذان يرتفع خمس مرات في اليوم والليلة، وآيات الله تتردد في الطرقات، ويفرح أكثر حين يرى المساجد والجوامع وقد امتلأت بالمصلين، فمن خلال نظرة واحدة لأي مسجد وقت الصلاة، تجده قد امتلأ بالصغار والكبار الذين أتوا لإقامة هذه الفريضة، وترى هذا المنظر واضحاً جلياً في المساجد التي شيدت على جوانب الشوارع الرئيسية أو الطرق العامة، فإنها تزدحم أوقات الصلوات، فتجد الشاب يركن سيارته ويقف ليؤدي الصلاة، والرجل يقف ليصلي وأسرته معه أحياناً، ولاتجد ذلك إلا في هذه البلاد المباركة، أدام الله عزها بعز الإسلام وأهله، غير أن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يقيم صلاته على أتم وأكمل وجه، فإنها أول ما سيحاسب عليها يوم القيامة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، تقبل الله منا ومنكم الصلاة والصيام والحج وسائر الطاعات.
في الختام: لا أخفيكم أني لا أستبعد أن يقوم أحدهم بكتابة مقال يقول فيه إننا فعلاً لم نؤمر بالصلاة، كعادة أولئك الكتاب في عدم احترام النصوص الشرعية، وتخطئة علماء السلف وفقهاء الأمة، والخبط في الأدلة خبط عشواء، فما اشتبه عليهم منها رقعوه بما شاءوا، ولووا أعناق النصوص تحقيقاً لمآربهم وشهوات أنفسهم، نسأل الله السلامة والعافية، {وأقيموا الصلاة}.
1
اشكرك اخوي ياسر وموضوعك قيم جدا اثابك الله والله يهدي الجميع يارب
عبير - زائر
05:33 صباحاً 2006/12/24
2
كلامك صحيح اضافة الى ذلك هناك اوامر للحث على الصلاة مثل قول الله تعالى
[ وأمر اهلك بالصلاة واصطبر عليها لآنسالك رزقا نحن نرزقك والعاقبةللتقوى ] طه 132 [ وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم [ امروا اولادكم لصلاة لسبع واظربوهم عليه لعشر ].. كل هذا يدل على امر للصلاة واقامتها والحث عليها بارك الله فيك.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...ا
ابو فهـــــــد - زائر
07:42 صباحاً 2006/12/24
3
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاك الله خير الجزاء وكلامك صحيح بارك الله فيك
فهد - زائر
08:52 صباحاً 2006/12/24
4
ولكن كيف نفسر قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم "وأمرأهلك بالصلاة واصطبر عليها. الآية" فهو أمر من الله سبحانه وتعالى وفي نفس الوقت يعتبر أمرا للمسلمين.. آمل التوضيح من الجميع ؟؟
ابوعبدالعزيز/الرياض - زائر
08:58 صباحاً 2006/12/24
5
أحسنت أخ ياسر , ومن المشاهد الأن من يخر جواله وينظر من المتصل ثم يرجعه , الله المستعان
عبدالله السرحاني - زائر
10:24 صباحاً 2006/12/24
6
(في الختام: لا أخفيكم أني لا أستبعد أن يقوم أحدهم بكتابة مقال يقول فيه إننا فعلاً لم نؤمر بالصلاة، كعادة أولئك الكتاب في عدم احترام النصوص الشرعية، وتخطئة علماء السلف وفقهاء الأمة، والخبط في الأدلة خبط عشواء، فما اشتبه عليهم منها رقعوه بما شاءوا، ولووا أعناق النصوص تحقيقاً لمآربهم وشهوات أنفسهم، نسأل الله السلامة والعافية، {وأقيموا الصلاة}. )
والله انك صادق يا شيخ ياسر.. الله يثيبك ويجزاك كل خير
مقال رائع.. أعاننا الله على ذكره وشكره وحسن عبادته
أبو عبدالمحسن - زائر
10:25 صباحاً 2006/12/24
7
قد ذكرت يا أستاذي الفاضل قول الله سبحانه وتعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) {وأقم الصلاة} (صدق الله العظيم) وهذا امر واضح باقامة الصلاة. واترك الباقي لاهل العلم في الدين و المفسرين لفتاوى مثل هذه. وانصحك بأن تفعل مثلي ولا تخوض في مثل هذه الامور والبقاء على الكتابات الصحفية العامة.
احمد الخالد - زائر
11:11 صباحاً 2006/12/24
8
جزاك الله خيراً وكثر من أمثالك الناصحين
سامي - زائر
12:06 مساءً 2006/12/24
9
أحمد الخالد.. اقرأ المقال جيدا!!
واضح من ردك انك ماقرأت المقال ابدا!!
لا تستعجل في الرد..
أكرر شكري للكاتب وفقه الله..
أبو عبدالمحسن - زائر
12:45 مساءً 2006/12/24
10
وجزاك الله خير
ابو تركي - زائر
12:53 مساءً 2006/12/24
11
حركة ذكية لمن يهاجم لمجرد رؤية عنوان المقال.
المقطع الأخير مهم جداً في ظل ظهور فتاوى الكتاب الصحفيين فلان وفلان وأمثلهم...
عبدالله السالم - زائر
03:04 مساءً 2006/12/24
12
جزاكم الله خيرا استاذ ياسر !
والشكر موصول لجريدة الرياض
على اتحاف القراء
بالمواضيع النافعة للبلاد
والمفيدة للعبا د في دينهم ودنياهم
ولا غروا في ذلك فمملكتنا الغالية
قبلة المسلمين وقدوتهم.
ابو الاء - زائر
10:42 مساءً 2006/12/24
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة