
خطبة الجمعة تعتبر مصدرا من مصادر تغذية العقول تتعدد نتائجها وتختلف تأثيراتها وتتنوع مواضيعها في التحقيق التالي نتعرف على جوانب هذا الموضوع وواقعه والآمال التي يجب ان تراعي مستقبلاً حتى تحقق الفوائد المرجوة من هذه الوسيلة الدعوية التوعوية الأسبوعية
@ أهمية خطبة الجمعة
الشيخ عبدالله بن سعد أبا حسين خطيب جامع الأميرة نورة بنت عبدالله بحي النخيل بمدينة الرياض يعرف الخطبة قائلاً: خطبة الجمعة معين ترده العقول والأفهام كل سبعة أيام مرت فننهل بواسطة الخطيب من مصادر الإسلام ما يصحح ويغذي ويقوي لمواجهة حوادث الدهر وبواعث النفس، ولمواكبة التغيرات والمستجدات.
ويرى الشيخ أبا حسين رأياً في مضامين الخطبة موضحاً انه مر على المسلمين زمان نقد فيه علماؤهم وعقلاؤهم نوعاً من الخطب يعول فيها على الإسرائيليات والموضوعات او على غير ذلك مما لا يوافق الشرع ولا يناسب عقل المخاطب وفطرته، كما لا يحترم الاحتياجات الآنية المتمثلة في عدة جوانب أهمها مواكبة العصر مع ملازمة الشرع.
بمعنى أنها فقدت أصالتها وترهبت فانعزلت عن المتغيرات، وابتعدت عن حراك الحياة وما وجد فيها من علم، وجهل اصحاب تلك الخطب طرق التفكير السديد وطرق التفكير الحديثة، وتغافلوا عن الآراء الجديدة (الموافقة والمخالفة) فجهلوا بذلك حال الناس وما يحتاجونه لدينهم، وأعرضوا عنهم، في المقابل جهلهم الناس وأعرضوا عنهم.
وبعض الخطب التي لحقها الانتقاد لجأت إلى منحنى الإرشاد لتبتل مذموم فتمادت حتى بلغت رهبانية فكرية لا عملية فحسب، فأوغلت في التعلق بالخيالات وزهدت في المعقولات التي يسمح بها الشرع وتدعو إليها مقاصده.
وازدادت بعض تلك الخطب سوءاً فأخذت تخدر العقل وتعطل التفكير بخلق أساليب تفكير يحفظ معها إبقاء الجلالة والمهابة والمكانة لأصحاب تلك الخطب وأضرابهم، ويتفادى من خلالها ما يزيل عنهم الطابع الذي كان لهم، وبسببه ظهروا بشيء من الوجاهة الدينية المموهة، فبثت من خلال هذه الخطب بدع وزين وضع العباءة في غير موضعها، وأسر العقل وظلم وقسا عليه قسوة لا مبرر لها إلا جهل أصحاب تلك الخطب وعدم كفاءتهم أو استخدامهم المناصب الدينية لأغراض خفية وغير خفية.
ومن الطبيعي مع حال كهذا الحال ان يتصف المجتمع بصفات التخلف التي حفظها التاريخ له آنذاك كما حفظ ذات الزمن رقي مجتمعات اخرى.
فبسبب زمرة - منهم خطباء - ظهر المجتمع المسلم في حين من الدهر بمظهر الانحطاط مع ان الاسلام الذي شرع الخطبة لا يضعف النفوس ولا يجمد العقول ولا يقر الرهبانية عملاً وفكراً، ومن هنا أقول ويعدد الشيخ أبا حسين أمورا يجب ان تتصفها الخطب ومنها:
- يجب ان تتضمن الخطبة بأصولها وثوابتها ما يلائم المتغيرات الحياتية (الاقتصادية والصناعية والصحية والعلمية والثقافية والاجتماعية) ويوجهها باستمرار توجيهاً له إطاره الشرعي الذي تقتضيه قدسية خطبة الجمعة؛ لأن ديننا ليس انعزالياً، وإنما هو واقعي يناسب كل زمان ومكان، ويقبل المتغيرات الحياتية ولا يذوب فيها.
- هناك واقع لا مفر منه، وهو أن مجتمعنا لم يعد كالسابق من وجهة ما يطرق سمعه وبصره من أفكار وثقافات، ففي ظل الانفتاح الإعلامي (المقروء والمسموع والمنظور) سمع المجتمع ما لم يكن يسمع، وشاهد ما لم يكن يشاهد، فكان لزاماً على الخطيب الناصح لأمته ان يتعامل مع هذا الظرف، ويضمن خطبته ما يناسبه ويسارع الخطى في تحفيز سنة البقاء للصحيح.
ونحن ولله الحمد نحمل عقيدة صحيحة وأفكاراً رشيدة، لكن الباطل يزين ويجمل، وبالتالي وجب على الخطيب أن يجعل خطبته متغلبة على الباطل، ولن يتأتى له ذلك إلا إذا جعلها على قدر من البرهانية المقنعة التي تنبض بالحجة والبيان فتزيل كل باطل مهما تزيا بزي مزور، أو تجمل بجمال مزيف.
وبعض الخطباء يتكئ على سنة البقاء للصحيح وأن الزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، ولكن إلى أن تحين تلك الساعة يكون أهل الباطل قد أخذوا أخذاتهم، وحازوا مراداتهم من زرع نوازع الشر في النفوس وبث دواعي الفرقة الدينية والدنيوية في المجتمع المتماسك.
- لابد أن تتضمن الخطبة بأصولها وثوابتها حديثاً يناسب عقول المخاطبين وفهومهم وإدراكاتهم مصداقاً ل "حدثوا الناس بما يعرفون"، وهذا ليس له حد معين، وإنما يختلف باختلاف المخاطبين، فالخطب وان اتفقت في الأصول والأركان والواجبات إلا أن هناك قدراً تفترق فيه خطبة عن أخرى وإن كان موضوع الخطبتين واحداً، فعندما تلقى خطبة في موضوع معين في مدينة عامرة كالرياض - مثلاً - فإن هذه الخطبة لن تكون بنفس الأسلوب لو ألقيت في قرية تبعد عنها ألف ميل.
والخطبة التي ألقيت في الرياض قبل عشرين سنة ستختلف نوعاً ما عن خطبة قد ألقيت قبل خمسين سنة في نفس المكان وبنفس العنوان.
وكما ان مناسبة عقول المخاطبين معتبرة شرعاً فإن مناسبة قدراتهم ايضاً معتبرة قال تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)، فمن الغلط أن يخاطب الناس ذوي الإمكانيات المحدودة (اقتصادياً وعلمياً وصحياً وعسكرياً) بنفس ما يخاطب به الأقدر منهم بمراحل؛ لأن هذا سيولي على السامعين دواعي الإحباط.
فلا يصح - مثلاً أن يخاطب ذوي التعليم المحدود بمناطحة التيارات الباطلة والتصدي لها، كما لا يصح مخاطبة ضعيف السمع أو ضعيف البصر بما يخاطب به الصحيح السليم؟
كذلك ما تتضمنه الخطبة من طموح ينبغي أن يكون بقدر، فما كل طموح يناسب طرحه، وإن صح للفرد أن يتمناه أو يتخيله لأمته، لئلا ينتج بذلك ما لا تحمد عقباه مما حذر منه الشرع، وعانينا شيئاً من ويلات تبعاته في بلادنا.
- من المهم أن يخرج الناس بعد الخطبة وقد قويت عندهم أصول الدين وقوي عندهم ما يميزهم عن أهل الباطل، وأهم ذلك: توحيد رب العالمين والبعد عن ما يضاد ذلك،، والاتباع وذم الابتداع، والالتزام بتطبيق قاعدة الاجتماع وهي السمع والطاعة للإمام، ولزوم الجماعة التي ننتمي إليها ونبذ الشذوذ عنها سواءً بشذوذ عملي أو بشذوذ قولي.
وهذا الانطباع لن يحصل للسامع إذا أهمل الخطيب تضمينه في أصل خطبته أو في الدعاء آخرها.
يضاف إلى ذلك تضمين ما يقوي الإيمان في النفوس ويحبب إليها الطاعة، ويقلل دواعي الشر ويضيق مجاري الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، فينقلب السامعون من الخطبة وقد أحبوا الله وأحبهم كما قال ابن القيم رحمه الله.
وإذا تضمنت الخطبة هذه المضامين فستبرز - حتماً - على غيرها، وسيظهر بعض الخطب على بعض، ويظهر التفاوت في التأثير، والتباين في مدة البقاء في الأذهان، فبعض الخطب يزداد تأثيرها حتى يصلح بسببها بيوت فسدت وأسر تفرقت، وينعكس هذا الأثر على المجتمع بأسره فيندفع إلى مزيد من الخيرية والصلاح والتقدم في مجال الدين والدنيا، وتبقى بعض الخطب كمحفز يجدد دواعي الارتباط بالدين والرقي في الدنيا.
الشيخ عبدالجبار بن عبدالله الجبيلان إمام مسجد مركز ابن صالح بعنيزة قال يجب أن يراعي الخطيب ما يلي:
- قصر الخطبة وطول الصلاة اتباعا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه "فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان لسحراً وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة إنما هن كلمات يسيرات وجعل النبي صلى الله عليه وسلم قصر الخطبة على فقه الإمام فإن الاقلال عن الكلام أوعى لحفظ الخطبة والإحاطة بمضمونها وعدم السآمة والملل وإن أطيلت الخطبة أحيانا لأمور اقتضت لك فإنه لا يخرج الامام من كونه فقيهاً.
ويذهب بعض الخطباء إلى الإطالة دائما محتجين ان الزمن والوقت اليوم ينبغي فيه التفصيل الذي يستلزم التطويل.
وأقول: إن حال الناس اليوم أقل صبراً وأشد تذمراً من ذي قبل ولو اعتنى الإمام بجمع كلمات موجزة ونافعة مدعمة بالدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف لكان في ذلك خير كثير والخير كل الخير في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم فللخطيب أن يبين في خطبة الجمعة ما تحتاجه الأمة من المعارف والعلوم النافعة وأن يعالج أمراض المجتمع ويحل مشكلاتهم قدر استطاعته بالحكمة والموعظة الحسنة سواء أن سمي ذلك سياسية أو خطبة جمعة أو تعليما أو رشادا وما كان يترتب عليه من كلامه فتنة راجحة أو مفسدة راجحة على ما يقصد من المصلحة أو مساوية لها ترك الحديث فيه إيثاراً للمصلحة الراجحة، أو حذراً من وقوع ما لا تحمد عقباه.
وأما النوح على الحياة والتخويف بالموت فإن هذا أمر قد لا يحصل في القلوب ايمانا بالله ولا توحيدا له ولا معرفة خاصة به ولا تذكريا بأيامه ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم فيا ليت شعري أي إيمان حصل لهم وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به.
ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم، وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله، وأصول الايمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه وأيامه التي تخفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببه إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه، ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره، وذكره ما يحببهم اليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم.
كذلك مما ينبغي للخطيب ان يراعي أخذ مادة الخطبة من المصادر الأصلية من الكتاب والسنة وكتب التفسير وشروح السنة وكتب المحققين من علماء الأمة لا من زبالة الفضائيات وشبكات المعلومات وما يقال ونرش من شائعات وتحليلات مغرضة لا مستند لها ولا دليل ومما ينبغي للخطيب مراعاته كذلك وفاء الخطبة بالمقصود منها وهو تعليم الناس أمور دينهم وارشادهم وترشيدهم للعلم النافع والعمل الصالح والبر والخير والتعاون على ذلك بأسلوب يدخل الى سويداء القلوب فإن كثيراً من الناس يخرج من الخطبة وكأن المراد بها غيره ومما ينبغي كذلك تحري الاعتدال في المنهج والسداد في القول والحرص على ما فيه تأليف قلوب المسلمين وجمع كلمتهم على الحق وتحرريهم من أسباب التفرق والاختلاف وفساد ذات البين، فهي الحالقة، قال صلى الله عليه وسلم: "لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين" رواه البخاري.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى من أناس ما لا ينبغي وهو يعرفهم ويعرف ما حصل منهم يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا أو يفعلون كذا" رواه البخاري فالمتربصون في الأمة كثيرون مما لا خلاق لهم ولا دين في الداخل والخارج وكفى الأمة اليوم ما هي فيه من فرقة واختلاف. كذلك يجب التركيز في جميع الخطب على الجانب التربوي وتربية الناس على القول والعمل معاً فعلاً للواجبات وبعدا عن المنهيات وأداء لحقوق الله وحقوقالخلق والتأكيد على ذلك على الدوام فإن اعظم مصيبة أصيب بها كثير من المسلمين اليوم عدم تحقيق القول بالعمل بل كثرة القول بلا عمل وقد قال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما تفعلون.. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف - 2- 3) فالتلاوم والتباكي على واقع الأمة وكثرة القيل والقال ونقض الآخرين مع تفريط كثير منا في حقوق الله وحقوق الخلق وفيما توليناه من مسؤوليات كل ذلك لا يجدي على أهله شيئا ويناشد الشيخ عبدالجبار الجبيلان الخطباء قائلا: إن من أعظم مصائب الأمة أن تمرض ولا تعرف دائها ولا دواءها - وأنت طبيب ماهر - لا تنس أن داء الأمة في بعدها عن دينها ودوائها بالرجوع الى دينها - حقا وصدقا، وتصحيح مسيرتها، فعلا للواجبات وبعدا عن المنهيات، وأداء لحقوق الله وحقوق الخلق، ولما توليناه من أعمال الأمة ومصالحها، فمنا الوالد في البيت، ومنا الأمير والوزير والقاضي وإمام المسجد والمؤذن والمدرس والموظف والبائع في أسواق المسلمين، وكل منا على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبله، ويا لهف نفسي كم أتي الإسلام من قبل كثير منا، وكم نتباكى ونتلاوم على واقع الأمة وكثير منا يهدم بمعوله في كيان الأمة شاء أم أبى لتقصيره في حقوق الله وحقوق الخلق وخيانته فيما تولاه من المسؤوليات.
فالأمة اليوم أحوج ما تكون إلى الرجل الذي يسد مكانه ويملأ فراغه، ويؤدي دوره في البيت والمسجد والشارع والعمل والسوق، وفي أي مكان كان، وما أعز وما أقله، وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم "إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة" رواه البخاري.
ولكن - ولله الحمد - الخير باق في هذه الأمة الى قيام الساعة - كما قال صلى الله عليه وسلم: ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله - تبارك الله وتعالى.. أخرجه مسلم.
فعليكم بتوجيه الأمة الى الاستقامة والعودة إلى الله وتصحيح مسارها، فعلا للواجبات وبعدا عن المنهيات، وأداء لحقوق الله وحقوق الخلق، ولما توليناه من أعمال الأمة ومصالحها العامة ومحاسبة النفس على ذلك - ولتبشر الأمة بالخير باذن الله - عز وجل.
وأخيرا من عوامل قوة شخصية الخطيب تجنب التبدل بثيابه وارتكاب رذائل الأقوال والأفعال والحذر من كثرة المزاح والتمسك بكريم الأخلاق والتحلي بآداب الحديث ومحاسن الخطاب.
فإن حسن أخلاق الخطيب سبباً في أن يكون قريبا من قلوب الناس ونفوسهم قادراً على التأثير والاستيلاء على مشاعرهم وعواطفهم، وأما اذا كان سيء الأخلاق فمهما اتسع علمه وبلغت ثقافته وحسن بيانه فلن ينجح في التأثير لأن سوء سيرته حال بينه وبين التأثير.
(يتبع)