لو لم يكن اورهان باموق مؤلفا روائيا ربما اصبح ساحرا اذا امضيت ساعة معه فتتساءل ما اذا كان يود ان يكون في مكان آخر، بل وحتى شخصا آخر، اسأله فسيعترف لك بانه يتمنى على الدوام لو انه ليس اورهان باموق.
ولكن لباموق اسبابا وجيهة ليكون هو نفسه هذه الايام انه معتبر منذ سنوات روائيا ذا موهبة استثنائية، واليوم، هو أديب حائز على جائزة نوبل بمواهب استثنائية.
وماذا يعني ذلك لرجل كان يؤمن ذات وقت ان ثمة اورهان آخر في مكان ما؟
يعني الارتياح فحسب.
يقول باموق ضاحكا: الجزء الجميل في هذه الجائزة هو انني مسرور من الآن فصاعدا" لأن لا أحد سيسألني: "هل ستحصل على جائزة نوبل".
جائزة نوبل جاءت مسك الختام لعشر سنوات استثنائية في سني العمل الثلاثين لأشهر كاتب تركي.. خاتمة جاءت بمثابة ارتقاء حاد في شهرته العالمية.
لقد ترجمت مؤلفات باموق الى أكثر من 40لغة، وهو سافر الى أكثر من 20بلدا من أجل الترويج لأعماله، وعلى هذا الدرب ادلى بحصته من التصريحات السياسية التي اسفر احدها عن محاكمته في تركيا بتهمة "اهانة التركية" ذلك في ما كان قرع الطبول النوبلية يتعالى ويصيح ويصبح مثيرا للأعصاب.
ولقد شدد باموق خلال مقابلة معه في جامعة كولومبيا حيث هو زميل، على أن جائزة نوبل لن تغير شخصيته او عادات عمله، ولكنه اعرب ايضا عن تعبه من الناس الذين يغربلون كل شيء ينطق به ويكتبه بحثا عن نقاط جدلية، انه يبدو غير مؤكد ما اذا كانت الجائزة ستكون درعه الواقي او العدسة المكبرة التي سينظرون اليه من خلالها.
ويقول باموق: "السياسة لا تؤثر على عملي.. بل إن السياسة اثرت على عملي، بالفعل، في الحقيقة ابذل قصارى جهدي لحماية عملي من السياسة".
باموق رجل فارع القامة عمره 54سنة وله وجه ممتلئ قليلا وعيناه لوزيتان ونظارتان غير متناسبتين مع شكله وشعر غير مسرح، انه يضحك بصوت مرتفع ولا يتوانى عن استعمال سبابته للزجر عندما يعتبر سؤالا موجها اليه غير لائق، وهو يصف نفسه انه انسان يجب الانفراد بنفسه، وله خيال متأجج.
ويقول: أحس بتوق لوقف هذه الحياة والبدء من جديد، انني جالس داخل قطار والقطار يصل الى المدينة.. او انه يمر بالقرب من المنازل.. حيث أرى داخل منزل يجلس فيه رجل، وافراد عائلته وهناك جهاز تلفزيون شغال وهم جالسون حول المائدة.. انك ترى حياة جارية هناك.. وتحس بتوق قوي لتكون هناك، انك انت مكانهم. وتكون مثلهم".
ولد باموق في عائلة ثرية في استامبول ويصف نفسه انه مسلم "ثقافيا" دون ان يلعب الدين دورا في نشأته وفي مطلع عشرينات عمره، وبعد ان مل من دراسة هندسة البناء وغاب طموحه بان يصبح رساما قرر ان يتحول الى الكتابة، وقد مضت عشر سنوات قبل أن يتمكن من نشر اي عمل له، وظل حت بلوغه سن الثلاثين يأخذ مصروف جيبه من والده.
غير ان مهارته في مضمار الفنون كان لها اثر كبير على رواياته المعقدة التركيب والثاقبة للأنظار، وهو يعد بروست وتولستوي بين مصادر إلهامه، ويقول انه يحب الأعمال الأدبية ذات الطبقات العاطفية المتعددة مثل (The Possessed) "وآنا كارينينا".
أما قصصه الشاعرية الشبيهة بالأحلام، وهي غالبا مفعمة بالكآبة - تسعى للعثور على انسجام في الفوضى، ولكنها لا تنجح في ذلك".
في روايته snow (ثلج) وهي أكثر رواياته ميلا الى الطابع السياسي، يكتب باموق عن محنة فتيات مسلمات يافعات يرغبن في ارتداء الحجاب في المدرسة ولكن يصطدمن بقبعات في تركيا العلمانية، وفي الكتاب تبدو آراء كل الشخصيات بأن لها استحقاقها، وفيه يجد العلمانيون والاسلاميون على السواء الكثير مما يحبونه ومما يكرهونه، وقد كان هذا الموضوع حساسا جدا في المرحلة التي كان يجري جدال مستمر في تركيا حول مساعي الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وهو يؤيد تلك المساعي علنا".
المنازعات في تركيا، البلد ذي القناعات الدينية والعلمانية جانبا الى جنب تعشش في أعماق باموق، واضافة الى snow تضم اعماله المشهورة "الكتاب الأسود" و"اسمي أحمر" وله ايضا مؤلف آخر باسم استامبول نصفه مذكرات ونصفه تاريخ المدينة التي أبصر فيها النور.
يمضي باموق سنوات عديدة في اجراء أبحاث حول مواضيعه قبل أن يحول فكرة ما الى كتاب، انه يخطط ويصمم مخطط كل جزء من الرواية، وهو لا يزال يستعمل قلم الحبر. ويقول باموق: "احد أروع متع كتابة الروايات ليس الكتابة بحد ذاتها بل التخيل عن روايات أخرى ستكتبها ذات يوم، لدى مفكرات وملاحظات، والكثير من المواد للروايات التي سأكتبها يوما "ما. ثم، واقعيا "طبعا" تدرك انك لا تستطيع ان تكتب كل تلك الروايات، ولكن الأمر اشبه بتخيل حياة أخرى، اشبه بعمل ذلك". ولا يعتقد باموق ان افضل الحالة قد اصبحت وراءه، ولكنه يستبعد ان يتكئ على جائزة نوبل، ويقول: "انني على يقين انني سأنزعج كثيرا" اذا كتبت صفحة بعد شهرين ولم اكن راضيا عن النوعية. وسيعذبني مجددا اعتقادي ان الفكرة التي اكتبها ليست جيدة.
انك لوحدك هناك ولن تفيد جائزة نوبل". ويأمل باموق ان يكون لحصوله على الجائزة اثره الايجابي على المؤلفين الأتراك الآخرين، الا انه غير مقتنع بان ذلك سيحميه من الاضطهاد السياسي في المستقبل، ويشير الى أنه كان مشهورا اصلا عندما حوكم في السنة الماضية.
وقد وجهت الاتهامات الى باموق بعد ان قال لاحدى المطبوعات السويسرية ان تركيا لا ترغب في التعامل مع الفصول المؤلمة من تاريخها المتعلقة بالمذابح التي ارتكبت ضد الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى والتي ترفض تركيا الاعتراف بانها كانت تشكل ابادة عنصرية، وقتل العديد من الأكراد، وقد اسقطت الاتهامات الموجهة اليه لدواعي تقنية في شهر كانون الثاني الماضي.
ويصر باموق أنه مجرد روائي يكتب عما يعرفه وما يلفت اهتمامه . ولكن الآخرين يعتبرون كتاباته بمثابة تعليق سياسي في مرحلة التوتر بين الغرب العالمي والاسلامي.
ومع ذلك، لا يحتاج باموق الى الكثير ليقول شيئا ذا طابع سياسي، وكأنه لا يطيق ان لا يكون نزيها في مواقفه. وتقول مورين فرلي، التي تعرف باموق منذ سنوات وقد عملت مترجمة له: "انها مسألة ضمير اذا كان الأمر مهما "فانه سيقول شيئا" واذا كان شيئا يعتبره واجبا، عليه، فانه لن يتهرب".
عندما فاز باموق بجائزة نوبل عيره بعض مواطنيه قائلين انه اختير للجائزة ليس لمؤلفاته بل لسياسته، وقد كتمت والدته سعادتها بفوزه خشية من كيفية رد الاتراك اليمينيين.
ويقول باموق عن منتقديه: "انني أعانقهم هذا يوم احتفال بي ولتركيا ولن ارد عليهم".
منذ اربع سنوات يعكف بامو على تأليف رواية يقول انها ليست سياسة ولا تاريخية: انها قصة عن هوس رجل غني في استامبول وانبهاره بقريبته الفقيرة، واسم الرواية "متحف البراءة".
الا ان ما يشغل باموق في الوقت الحاضر هو الاهتمام غير المرغوب بما يعكف على كتابته حاليا "اي خطاب قبول جائزة نوبل انه لا يزال يفكر بما سيقوله.
ربما، عندما يتم تكريمه بالجائزة رسميا في استوكهولم في العاشر من كانون الاول سيتمني لو كان في مكان آخر ورجلا آخر".