جريدة الرياض اليومية

السبت 11 ذي القعدة 1427هـ - 2 ديسمبر 2006م - العدد 14040
[ الأولـــى | متابعات | شؤون دولية | محليات | لقاء | مقالات اليوم | طــب | ثقافة اليوم | الرأي | الرياض الاقتصادي | تقنية المعلومات | دنيا الرياضة | الكاريكاتير | محطات متحركة | الأخــيــرة | الصحفي الإلكتروني | ]
آمال ماهر والحنجرة الرامزة(22):
هل ستكون حبيسة ظل الحنجرة الغائبة؟

عرض الصورة

أحمد الواصل

آمال ماهر، هي أيضاً لا تبتعد عن تلك المعضلة، ولو كانت هناك محاولة إجادة اختيار الأعمال، وهذا ما يحدث في أشرطة أنغام ولطيفة أو هاني شاكر ومحمد منير، بالأخص، لكن تنكشف في تلك الأشرطة تفاوت مريب في الجودة والمستوى، حين تتضح مسألة الجهد والتركيز بين الأعمال متباينة.

..إن تصوير أغنية: "إيه بينك وبينها؟" لعوض بدوي ووليد سعد، من خلال فيلم قصير يتكلم عن خيانة تتم بين زوج الفنانة وصديقتها، لهو محاولة في اختبار أن أغنية هادئة تنبني على صيغة تمثيلية(أو درامية)لا في الأداء بل في التمثيل عبر الفيديو كليب هي ما يمكن أن يضع حنجرة آمال ماهر على محك المفارقة بالاختلاف والتمايز، خارج نخبة معيار المتشابه والمتفاضل، لموضعتها في خانة الحناجر الكبيرة، هي ذات القدرة على الغناء الكلاسيكي(الصعب والمعقد) في اللون والمزاج، سواء كان طربياً أو درامياً في النوع والحالة، ضمن حدود الغناء التقليدي لا الحداثي، حين يمكن أن يجعل الغناء ذا النوع الخفيف مجال مقارنة واستهجان يخرجها من شروط مقدرة حنجرتها والمأمول منها.

..ففي أغنية: "إيه بينك وبينها؟" يطالعنا موضعة للغناء الدرامي، في نوعه الهادئ، لكن هذا النوع الهادئ في إيقاعه وجمله الموسيقية الطويلة ذات الانفعال التعبيري لا الزخرفي والطربي (أو فرد العضلات)، محكومة في جذر المادة اللحنية التي توهمنا من خلال توزيعها بارتكازها إلى فرقة موسيقية خارج عناصر التخت(الشرقي) إلى الباند ليس بالضرورة أن يكون غربياً، فقد عرب منذ زمن، لكن تبقى إشكاليتان في رسم معالم الأغنية من موضوع كلامها و جذر المادة اللحنية:

"فيه إيه بينك وبينها/أرجوك قوللي الحقيقة

نظرة عينك وعينها/صدَّقءني مُشء بريئة

عايز تبعد ما تبعد/واجرح قلبي وعنيَّا

خُنِّي مع وحدة غيرها/ مش أقرب وحدة ليَّا

سيبها في جرحي تواسيني/ بلاش تِحءرِمءني منها"

..إن أول ما يطالعنا هو اعتبار (خيانة الرجل)أمرا مألوفا، بل إن الموافقة الضمنية في النص من الواقعة عليها الخيانة(وهي الزوجة)ترى أن آخر ما تملكه في ملامح الثقافة البطركية(أو الأبوية)هو صداقتها لامرأة، وفعل الغواية هو سبب آت من الرجل مهما كان الخطأ مشتركاً بين الرجل والمرأة في الخيانة إلا أن هذا الأمر ماينقلنا إلى رصد (قابلية الخيانة)من الطرف الآخر:

"من كتر كلامي عنك/أكيد إحساسها خانها

وهو حَسِّ بيها قلبك/من كُتءر كلامها عنها"

..وما هذا الصمت الضمني على المرأة الصديقة إلا تأكيد لهشاشة البنية النفسية لأفراد المجتمع العربي، فالفرد قيمة عاطلة، وهذا ما يكون في مجتمع يغيب أو يحجم الفردانية(لا الفردية)، لذا فإن السياق الثقافي اجتماعياً هو ما يحميه ويقيمه لا ما يمكن أن يفتح باب العرض والنقد.إن هذه الموضوعة الاجتماعية في صيغتها الفنية-أي: موضوعة الخيانة-هي نتاج الاختراق الثقافي الذي أوجدته أغنية: "بعد يومين-1983" لسميرة سعيد(كتبها عبد الوهاب محمد ولحنها جمال سلامة)ثم ما قدمته أصالة، في نماذج متعددة في ذات الموضوعة: "ارجع لها-1996" (عماد حسن-أمير عبد المجيد)، "لتاني مرة-1998" (عماد حسن-محمد ضياء الدين)"ما قلتليش-1999" (فوزي إبراهيم-حلمي بكر)"ثمن الخيانة -2000" (منصور الشادي-جوزيف جحا)"ضميرك صحي-2004" (فوزي إبراهيم-صلاح الشرنوبي) "شُفءت بعنيَّا" (أمير طعيمة-رياض الهمشري)، لكن ما يقف على التساوي في هذا التبلبل هو ضعف البنية اللحنية في مستواها، لكونها تتكئ على مادة لحنية شعبية السمات ونعرف أعمالها الأخرى التي عانت ذلك: "تقدر تقوللي" لسميرة سعيد ، بمعنى أنها تقف على ما هو عصي على تلبية عناصر الدراما من لحنية تحليلية تفكك وتركب ما بين مستويات ومديات متباعدة تتم عملية توليفها في صيغة واحدة ما يحفظ لها صيغة وهيكلاً فنياً وحدوياً، وهذا ما توفر في أغنية أخرى توفقت في تحقيق تلك العناصر: "كلمة وحدة" لعوض بدوي ومحمد ضياء الدين، وهي تضعنا في طريق الملحن المميز ضياء الدين، الذي أضاف لهذا النوع لونه الخاص المتسم بمراعاة المزاج الصوتي للحنجرة، وإضفاء البعد التراجيدي(المأسوي)كما في أعمال كثيرة قدمها لحناجر متميزة، مثل سميرة سعيد وأصالة، كذلك هاني شاكر وسواه(أعماله مع ذكرى استثنائية).

..تشتغل الأغنية على رصد حالة الصدمة العاطفية لا توضحها في السبب(مثلما كانت الخيانة موضوع الأغنية السابقة صريحاً) فيما ترتكز على النتيجة(الغدر، دون تلميح) منطلقاً لإعادة رسم الحكاية كلها:

"كِلءمَة وَحءدَة قُلءتَها/واللي كان بينا انتهى

بعد حِلءم سءنين طويلة/بالأماني والمعاني

والأغاني اللي بءكَياني عِشءتَها/كِلءمَة وَحءدَة قُلءتها.."

..تظل الأغنية في موضوعها تركز على عنصر (الحلم)لكونه الدافع وراء تلك العلاقة التي كان الحلم فيها(كاذب وخائن)أو كان أصحابه(ضائعين):

"قدِّ إيه الحِلءم كان كدَّاب وخاين!

قدِّ إيه في عءنيك ما كانءشِ الغَدءر باين!

قلبي كان مِنء حُبُّه يطرَحء لَكء جناين

وانت بايديك الورود دبِّلءتَها/كِلءمَة وَحءدَة قُلءتَها.."

..لا تقول أغنيات محمد ضياء الدين سواء مع عماد حسن أو وائل هلال سوى القليل من الانفعال المجاني، حين تكون طاقة الصوت موزعة بحساب دقيق من بين الآلات كلها، ويكشف العمل الفني عقلية موسيقية تحليلية متقنة في هيكلة النص الشعري وصيغة البنية اللحنية، ودور الآلات البشرية والصناعية في إضفاء المدى الصوتي والحسي عليها.

..لا يبقى كثير ليقال عن أغنيات المجموعة الأخرى، فإن هناك أغنية: "ربنا يخليك" لمحمد رفاعي، أبقتها في دائرة خالية من الدلالة، فتجوز أن يكون ضميرها إلى زوج أو أخ أو ابن!، وحين كانت تتفاوت مستويات الأغنيات بين شعرها ولحنها، فمواضيعها تبقى في دائرة العادي والمألوف، بل إن قولنا في تقديرها يظل محكوماً في مقاومتها للزمن أو انهيارها، فهو ليس في معنى أنها لا ترقى لصوت آمال ماهر بقدر ما هي تعبر عن اختيارها، وهذا حق مشروع لها كأن تعجبها وتعبر عنها أغنية: "رايحالك روحي" التي كتبها فوزي إبراهيم ولحنها محمد رحيم، ولا أن أقول ان"إسألني أنا" التي كتبها فوزي إبراهيم ولحنها صلاح الشرنوبي تذكرني بأغنية سابقة لذكرى"وحياتي عندك-1994" ، ولا أن أستغرب ما قاله لي الملحن محمد ضياء الدين بأن عمله، وأعتقد معظم أعمال المجموعة كلها، منجز منذ 2003، وليس لي أن أتساءل لماذا لم تصدر في حينها بل هل كان من داع، في الأصل والمعنى، أن تصدر المجموعة؟

..ليس قولي هذا غير مسؤول بالمرة، لكن سنعود إلى ما يتجاوز معضلة إنجاز مجموعة غنائية(أو شريط غنائي )إلى ما الذي قدمته عالم الفن(أو محسن جابر)في هذا العمل؟

..إن وجود أغنيات صنعت لصوت آمال ماهر، فهذا أمر ننتظره أما أن تسجل ما هو مقارب ومشابه لما يمكن أن تغنيه أو معقول لها فهذا تسفيه للحنجرة وشخصيتها الذاهبة في طور التشكل، فهذه (الصنعة الإنتاجية)تصلح مع أي صوت لا أية حنجرة..

..إن حنجرة آمال ماهر هو رحب وعريض، على الا يصنف صوتاً خفيضاً مثل: ذكرى أو هدى عبد الله، تتفوق في أداء أغنيات ذات إيقاع بطيء أو السريع قليلاً جملها الموسيقية عميقة أو طويلة ومعقدة إلا أن كثرة الهواء الذي يندفع محتاراً بين زفير الأنف من الرئة فيما يتوجَّب أن يتحوَّل إلى عضلات البطن حيث ينكشف تقوس كتفيها وارتفاع أذرعتها بمستوى الكوع أثناء الضغط الذي يوحي أن شدته على أعصاب الرقبة والظهر فيما يتوفر لها الاحتفاظ بمستوى عال من التمرين والدربة لدفع الهواء من البطن والإبقاء لمجهود الرئة للزمن البعيد..

..لما نقول هذا الكلام النقدي؟

..لم تأت آمال ماهر منذ يوم أو يومين فقد ظهرت منذ سنوات ست(2000)، وهي كافية إلى ما يمكن أن تجعلها تتجاوز الخطأ الأول والأغنية العادية، لكن أن من بين عشر أغنيات في مجموعة أرى أن أغنية"أنا بعشق الغنا" *التي كتبها هاني الصغير ولحنها خالد البكري، لصالح فيلم: "منتهى اللذة-2005" كانت موفقة لحد كبير في استيعاب طاقة حنجرتها ولونها التقليدي، المرن في أصوليته، وهذه المنطقة اللحنية التي يبرع فيهاالبكري جعلته ينجز ألحاناً موفقة لميشلين خليفة، صوفيا صادق وأصالة..

..أعرف أن قدرات المنتج محسن جابر(وهو ذو عقلية اقتصادية خبيرة) التي أبقت صوت ميادة الحناوي موجوداً في فضاء الغناء العربي، فيما سيظل أرشيفها مديناً لمسيرة وردة الغنائية كلها، (تذكروا اتباع الحناوي لوردة مع بليغ حمدي وصلاح الشرنوبي بل محمد الموجي وسيد مكاوي أو عمار الشريعي وحلمي بكر)، لقادرة على أن تبقي آمال ماهر موجودة، لكن خارج الشروط الفنية الموجودة فيها سميرة سعيد الباقية بجهدها ومسيرتها القوية وتلك العناصر الفنية والأدبية التي ستُبءقي ذكرى طويلاً، فيما أخريات يكددن طيلة مسيراتهن مجاهدة وتعباً فيما لم تتجاوز ذكرى عقداً زمنياً من وجودها وأهمية إرثها..

..لست خائفاً على آمال ماهر من كونها واقعة في سوق غنائية شروط البقاء فيه تحتاج ذكاء مصنوعاً لا ذلك الوهم الذي خلعته نخبة المعيار بأنها (خليفة الحنجرة الرامزة)التي ستكون سبباً في اختفائها كلما أمعنت الاستغراق في أرشيفها واهمة أنه المنجى مما لا تستطيع لا مما لا تريده!

*نجح الملحن البكري، في رسم أغنية هادئة الإيقاع تعتمد قالب(المناجاة) ولوناً رومانسياً، ولا يمنعنا من أن نرى فيها موسيقى كتب كلامها لاحقاً، وهذا ما يذكرنا بأعمال جمال سلامة مع سميرة سعيد في أغنيات شهيرة: "بعد يومين-1983" ، "بدور عليك-1985" ، "مش ح اتنازل عنك أبداً-1987" .

مشاهدة النسخة كاملة
عرض التعليقات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية