بحث



الجمعه 10 ذي القعدة 1427هـ - 1 ديسمبر 2006م - العدد 14039

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


قمة مينسك. . تحديات إقليمية وحسابات كونية

عبدالجليل زيد المرهون
    عقدت في العاصمة البيلاروسية مينسك في الثامن والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر قمة رابطة الدول المستقلة، بالتزامن مع قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي عقدت على مسافة قريبة منها، في ريغا، عاصمة لاتفيا. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يعقد فيها اجتماع للناتو في إحدى الجمهوريات السوفيتية السابقة.

وكان يفترض أن تعقد قمة مينسك في تشرين الأول أكتوبر الماضي، لكنها أرجئت بسبب الأزمة الروسية - الجورجية. وهي قد أتت في أجواء توتر ملحوظ داخل مجموعة الدول المستقلة، فأوكرانيا وجورجيا ومولدافيا تشهد خلافات معلنة مع روسيا. وحتى بيلاروسيا المقربة تقليديا من الروس، هي علي خلاف مع موسكو، التي تريد أن تفرض عليها اعتبارا من كانون الثاني يناير القادم ارتفاعا كبيرا في أسعار الغاز.

وقد ضم جدول أعمال القمة أكثر من عشرين موضوعا تتعلق بالتعاون التكاملي في إطار الرابطة، بما في ذلك إنشاء مجلس التعاون الإنساني، وإعلان تنشيط التعاون في مواجهة الهجرة غير الشرعية.

وشهدت القمة توقيع عدد من الوثائق، من بينها معاهدة لمكافحة غسيل الأموال المتأتية من أنشطة إجرامية، واتفاقية حول حماية المشتركين في إجراءات المقاضاة الجنائية، وبرنامج للفترة الممتدة بين عامي - 20102007حول التعاون في مجال مكافحة المتاجرة بالبشر، ووثيقة حول الاحتفال بذكرى النصر (في حرب - 19451941)"، ووثيقة أخرى بشأن إجراء عمليات إحصاء السكان في بلدان الرابطة.

وعلى الرغم من أن مسألة العلاقات الروسية الجورجية لم تكن مدرجة على جدول أعمال القمة، إلا أن الرئيس الكازاخي نور سلطان نزاربايف ذكر بأن هذه العلاقات قد تم بحثها. وقال نزاربايف في المؤتمر الصحفي الذي عقد في ختام القمة: "لقد جرى اليوم تبادل بناء وهادئ للآراء بين الرئيسين الروسي والجورجي. ويبعث ذلك على الأمل في تحسن العلاقات، في حال توفرت الإرادة الطيبة من الجانبين".

وكانت كل من جورجيا وأوكرانيا حاضرتين في الوقت نفسه في قمة الناتو في ريغا، إنما في اتجاه آخر. فقد أكد الرئيس الأمريكي جورج بوش أن باب الحلف مفتوح أمام جورجيا وأوكرانيا. و"أن جورجيا تريد الانضمام للحلف. وطالما أنها تسير في درب الإصلاح سنظل ندعم طموحها كي تصبح عضوا فيه ". وحول أوكرانيا، قال بوش: "إن موقفنا واضح: الديمقراطية تترسخ هناك، وقادتها يقومون بإصلاحات حيوية. إن الانتماء إلي الناتو سيكون متاحا أمامها في حال اختارت ذلك".

ويؤيد الرئيس الأوكراني انضمام بلاده إلى الناتو، بيد أن رئيس وزرائه فيكتور يانوكوفيتش، المقرب من موسكو، يتحفظ على هذا الطموح.

وكانت العلاقات بين جورجيا والولايات المتحدة في حالة من الانحسار عشية استقالة الرئيس السابق ادوارد شيفرنادزه، وتقلصت المساعدات العسكرية الأمريكية بنسبة 30% وتباطأ وصول المساعدة الاقتصادية أيضاً. وما تشهده العلاقات بين البلدين اليوم تبدو كعملية استعادة أو إصلاح.

ويرى البعض بأن سياسة جذب الأعضاء الجدد إلى الناتو تستهدف بصفة أساسية الحصول من بلدان "أوروبا الجديدة" على قوات عسكرية إضافية، لترسل إلى المناطق الأكثر خطرا، حيث يقوم الناتو بعملياته العسكرية، مثلما حدث بالنسبة للقوة البولندية المكونة من حوالي ألف عسكري، التي أرسلت إلى أفغانستان. ويتم ذلك،على ما بدو،لأن بلدان "أوروبا القديمة" ترفض التضحية بحياة المزيد من مواطنيها في مثل هذه العمليات.

واليوم، فان الكتائب الجورجية، التي تم تدريبها في إطار برنامج "جهز ودرب" التابع للناتو، وعلى الرغم من صغر حجمها، أسوة بالوحدات العسكرية في بقية البلدان التي تنتظر قبولها في الحلف، قد تصبح مكسبا هاما بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة، إذ سوف تتخلص الأخيرتان حينها من ضرورة اتخاذ القرارات الصعبة بشأن إرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان.

إنما بمعزل عن مدى حقيقة وأهمية هذا المنحى الأدواتي، فان روسيا تطالب بأن يأخذ الناتو في الاعتبار قلقها بشأن انضمام الجمهوريات السوفيتية السابقة، خصوصا جورجيا، لأنها ليست واثقة من أن القيادة الجورجية لن تحاول حل مشكلاتها عن طريق القوة مع الأقاليم التي أعلنت الانفصال عنها،وهو ما سيؤدي إلى اندلاع حروب بالقرب من الحدود الروسية.

وعلى صعيد استراتيجي، قد تتأزم العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة،وروسيا والغرب عامة، حين يتم بالفعل نشر منظومة الدفاع الصاروخية الأمريكية المضاد للصواريخ في بولندا أو رومانيا أو بلغاريا.

وعمليا، تتواجد اليوم في بولندا 48مقاتلة أمريكية من طراز "أف 16"، وثمة حديث متزايد عن سعي أمريكي لنشر منظومة الدفاع الصاروخية المضادة للصواريخ فوق الأراضي البولندية على وجه التحديد.

وفيما بدت خطوة مضادة لوجود مقاتلات "أف 16" الأمريكية، وضعت روسيا أربع وحدات من مضادات الطائرات "س - 300" في أراضي بيلاروسيا المجاورة لبولندا.

ويستطيع نظام "س - 300" صد هجمات جوية تشنها الطائرات،بما فيها طائرات "ستيلث" (التي يمكنها التخفي عن الرادار) والصواريخ المجنحة، وأيضا الصواريخ الباليستية التي يبلغ مداها 1000كيلومتر. وتتبع مضادات الطائرات التي سلمتها روسيا إلى بيلوروسيا للواء الدفاع الجوي البيلوروسي (115)، الذي سيصبح إحدى وحدات النظام الدفاعي الروسي البيلوروسي المشترك،بعد أن يتم توقيع اتفاقية توحيد نظام الدفاع الجوي.

وبالعودة إلى قمة رابطة الدول المستقلة، ثمة اعتقادا اليوم بأن هاجس السيادة بدأ يعكس نفسه على حراك الرابطة، التي هي في الأصل مسمى اصطلاحي "لمجلس التعاون للجمهوريات السوفيتية المتحدة السابقة".

وعندما أعلن الاتحاد السوفيتي حل نفسه وشرعت بلدانه في بناء الدول الوطنية، واجهت روسيا التي كانت العمود الفقري لاتحاد الجمهوريات السوفيتية هذا السؤال: كيف تجمع بين بناء الدولة الوطنية السيادية والمسؤولية عما يجري في الفضاء السوفيتي؟.

واليوم ازدادت مسألة التكامل في الساحة السوفيتية تعقيدا، ليس فقط لأن دول الغرب والشرق الكبرى أصبحت تطمح للسيطرة على هذه الساحة، بل لأن الجمهوريات الحديثة الاستقلال لم تعد ترغب في التخلي عن شيء من سيادتها، بغض النظر عما تواجهه من أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة.

كذلك، فان بعض بلدان الرابطة، وخاصة جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا، بصدد إيجاد صيغة نظم سياسية مختلفة عما تعتمده بقية بلدان الرابطة. وبالتالي فإن هذه البلدان بصدد إيجاد مراكز قوى أخرى تجذبها خارج فضائها التقليدي.

وقد بدت الرابطة في المرحلة الأولى لتشكيلها بمثابة آلية للتقليل من عواقب ابتعاد الجمهوريات السوفيتية إحداها عن الأخرى، وتخفيف آثار تفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1991، كما أتاحت الاتفاقيات متعددة الأطراف التي وقعت في المرحلة الأولى لتشكيل الرابطة الحفاظ على الآليات الاجتماعية الضرورية لحياة الناس في ظروف التحولات الكبيرة، بما في ذلك دفع معاشات التقاعد ومخصصات الطلاب،والاعتراف المتبادل بوثائق التعليم، وحساب فترات الخدمة، والبريد، وحرية التنقل في كل مجال الرابطة بدون عوائق. كما أتاحت الرابطة حل كثير من المشكلات الحادة لضمان الأنشطة الإنتاجية. ومازالت الكثير من الاتفاقات سارية المفعول.

بيد أنه على الرغم من أن الوثائق الأساسية للرابطة تدعو إلى التكامل على أعلى المستويات إلا أن ميثاقها لا يضع أمام البلدان الأعضاء مهمة تحقيق هدف نهائي، ولا يفرض عليها أية التزامات سوى الاستعداد للتعاون. وثمة اعتقادا اليوم بأن صرح الرابطة بني على توقعات مبالغ فيها، مما شكل أحد أسباب خيبة الأمل.

وقد أقر الرئيس الكازاخي، المعروف بتحمسه لتعزيز التعاون في إطار رابطة الدول المستقلة والمجموعة الاقتصادية الأوراسية، بصعوبة عملية إنشاء منطقة تجارة حرة في إطار الرابطة. ورأى أن تلك المهمة ستزداد صعوبة بعد انضمام بلدان الرابطة إلى منظمة التجارة العالمية.

كذلك، هناك خلاف بين البلدان المصدرة للنفط والغاز في الرابطة حول طرق الوصول إلى السوق العالمية، تؤججه البلدان المستهلكة (أوروبا والصين) التي لا تجد مصلحة في سيطرة روسيا بمفردها على هذه الطرق. كما تأججت التناقضات بين بلدان الرابطة ذاتها بعد توجه روسيا لرفع أسعار غازها الطبيعي.

وتبدو العلاقات الجورجية الروسية اليوم بمثابة نموذجا حيا للتحديات الصارخة التي تواجه مسار رابطة الدول المستقلة،فهناك أزمة متفاقمة وصلت ذروتها مع اعتقال سلطات تبليسي لضباط روس بتهمة التجسس، وهو الأمر الذي استتبع ردا روسيا مس طيفا واسعا من التفاعلات البينية.

وقبل ذلك، بدت قضية الوجود العسكري الروسي في جورجيا (القاعدتين العسكريتين في اخالكالاكي و باتومي) بمثابة عامل تفجير حاد للعلاقة بين البلدين، وحيث بدأ الروس أخيرا في سحب قواتهم على مراحل، حيث اقترحت موسكو إنهاء العملية خلال 11عاماً وأصرت تبليسي على ثلاث سنوات.

وترتبط مسألة موعد انسحاب القوات بالنسبة لروسيا بتكاليف مالية كبيرة، فمع أن الإنفاق على القواعد ليس مربحاً، حيث يجب دفع أجرتها والمحافظة على استعدادها القتالي، فان سحب القوات يمكن أن يكلف أكثر من ذلك بكثير. لذلك لم تسارع روسيا في سحب قواتها مع أن الأهمية العسكرية الاستراتيجية للقواعد تكاد تساوي الصفر. ويمنع الإسراع ظرف آخر هو تغير الوضع السياسي الداخلي في روسيا، وقبل كل شيء نمو الميول القومية، الذي عبر عنه إحراز الاتحاد الشعبي الوطني "رودينا" بصورة مفاجئة لنسبة كبيرة أصوات الناخبين. وتعود هذه الأمزجة والميول إلى الآمال باستعادة موسكو لهيبتها العسكرية السياسية في الفضاء السوفيتي

ويضاف إلى قضية القاعدين العسكريتين، الصدام الروسي الجورجي الناجم عن دعم موسكو العلني لاستقلال أبخازيا و أوسيتيا الجنوبية.

وكانت روسيا قد قامت قبل 12عاما بنشر تشكيلات حفظ السلام في أبخازيا في منطقة الخط الفاصل بين القوات الجورجية والأبخازية، عند نهر انغوري. ويرابط في أبخازيا 1600عسكري روسي ونحو 150قطعة من التقنيات العسكرية الروسية المختلفة. كذلك، لا زال 500عسكري من أفراد قوات السلام الروسية و 50عربة عسكرية مدرعة في أوسيتيا الجنوبية.

وكان رؤساء بلدان رابطة الدول المستقلة قد اتخذوا في العام 1994قرارا بنشر قوات أوكرانية وأرمينية وكازاخية في منطقة النزاع الجورجي الأبخازي. بيد أن أي من الدول المذكورة لم تتخذ خطوة عملية بهذا الاتجاه. ولا يعود السبب في ذلك إلى أن قوات حفظ السلام تتطلب موارد مالية كبيرة وحسب، بل لأن أبخازيا لم ترغب برؤية قوات دول أخرى على أراضيها عدا القوات الروسية، وهي هددت بعدم السماح لأي قوة أخرى من دول الرابطة بدخول أراضيها.

وإلى درجة ما، فإن الأمريكيين وحتى الأوروبيين راضون عن قيام روسيا بدور في الحفاظ على الاستقرار في مناطق رابطة الدول المستقلة. بيد أن قبول جورجيا في الناتو سوف يعني الشيء الكثير فيما يتعلق بمعادلة الوجود الروسي في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، اللتين تقول موسكو بحقهما في الاستقلال، على خلاف ما تذهب إليه جورجيا والدول الغربية.

إن انضمام جورجيا، الذي قد لا يكون بعيدا، إلى الناتو سيعني بالمدلول المباشر مواجهة كبيرة بين الحلف وروسيا. وهي معضلة دونها كثيرا معضلة انضمام أوكرانيا للحلف، على الرغم مما لهذه الخطوة هي الأخرى من مدلول بالغ في حسابات موازين القوى بين روسيا والناتو.

وعلى الرغم من ذلك، فان ما يمكن قوله في الوقت نفسه، هو أن روسيا لا زالت تتمتع بوجود متقدم في رابطة الدول المستقلة، بما في ذلك الحضور العسكري في العديد منها.

وفي العام 2004أصبح لروسيا 21قاعدة ومنشأة عسكرية في رابطة الدول المستقلة، عدا جمهوريات البلطيق الثلاث وأوزبكستان وتركمانستان، وهي محطة إنذار مبكر للكشف عن هجوم بالصواريخ في غانزيفيتشي قرب مدينة بارانوفيتشي، ومركز الاتصالات التابع للقوات البحرية الروسية في فيليكا (بيلوروسيا)، وقاعدة القوات البحرية الروسية في سيفاستوبول، ومحطتا رادار للكشف عن هجوم بالصواريخ في نيقولايف بمقاطعة سيفاستوبول، وفي بيريغوفو بمقاطعة موكاتشيف (أوكرانيا). و لواء من قوات حفظ السلام انبثق عن الجيش السوفيتي 14(مولدافيا).

وهناك القاعدة 62في اخالكالاكي والقاعدة 12في باتومي (جورجيا، وحيث يجري الآن تفكيكهما)، والقاعدة 102في غومري (أرمينيا)، ومحطة رادار للكشف عن هجوم بالصواريخ في جبلا (مقاطعة مينغيتشاور الأذربيجانية)، وقواعد "بايكونور" و"كاراغاندا" و"كوستاناي" في كازاخستان، ومحطة رادار للكشف عن هجوم بالصواريخ في ساريشاغان، وقاعدة جوية في قانت، ومركز التدريب التابع للقوات البحرية الروسية في بحيرة إيسيك قول، ومركز الاتصالات التابع للقوات البحرية الروسية في تشالدوفار (قيرغيزيا)، ومركز "نوريك" للإلكترونيات البصرية التابع للقوات الفضائية الروسية، والقاعدة المعروفة بالقاعدة (4) التي افتتحت حينها في طاجيكستان. وتتميز القاعدة (4)عن قواعد روسيا الأخرى بكونها تقع قرب العاصمة دوشنبه، وتضم سبعة ألاف وخمسمائة جندي وضابط، كما تعد ثاني أكبر قاعدة عسكرية روسية بعد قاعدة سيفاستبول، مقر قيادة أسطول البحر الأسود.

ويتمثل الهدف الرئيسي للقاعدة (4) في منع الجماعات المسلحة من التوغل في منطقة آسيا الوسطى وروسيا، وقطع الطريق على تدفق المخدرات من أفغانستان. وقد قررت موسكو قبل افتتاح القاعدة العسكرية إعفاء طاجيكستان من ديون قيمتها 242مليون دولار. وفي المقابل أعادت طاجيكستان مركز "نوريك" للإلكترونيات البصرية إلى ملكية روسيا، ونقلت تبعية مساكن وثكنات أفراد فرقة المشاة الآلية الروسية 201السابقة إلى القاعدة العسكرية الروسية(4)، كما أعطي الضوء الأخضر لاستثمار رؤوس أموال روسية قيمتها مليارا دولار في مشروع إكمال بناء محطتين للكهرباء، وتحديث مصنع قديم للألمنيوم، وإنشاء مصنع آخر في طاجيكستان.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية