الرئيسية > فضاءات

ما تأتي به المهارة تذهب به الهواية


ناصر عبدالله الحميضي

لست هنا أكتب عن خيال، ولا أسبح بالقارئ في فراغ، بل أكتب عن واقع وأتمنى ألا تطير المدخرات في ممارسة الهوايات، وألا تكون الهوايات بمعزل عن المهارات والقدرات، وأن يجد العامل نفسه في المجال الذي يميل إليه ويرغب، لا أن تنازعه الرغبات والهوايات في المرتب والمدخرات ويظل في عمله ينفث الزفرات لا يبقيه حب ولا رغبة في العمل ولا شيء يخلصه من الملل. يعمل من أجل الأجرة التي يأخذها فقط، فهو في صراع مع الليالي والأيام يخاف أن يطول الانتظار ولم يحقق الأماني والأحلام. هذا حال بعضنا اليوم مع الوظيفة ليست حالهم ظريفة ولا لطيفة ولا الأيام عليهم خفيفة، يجترون أنفسهم بأقدام مثقلة بين الساعات يرقبون آخر الشهر بشيء من الحسرات، على قول بعض إخواننا المصريين الذين قد أثقلتهم غربة العمل في مكان بعيد عن وطنهم حيث يقول (السبت فات والأحد فات، وبعد بكرة يوم التلات، أي الثلاث) يريد نهاية الأسبوع. نحن لا نريد ذلك إن لم يكن العمل متعة فلا إتقان له ولا نفسية لعامل فيه ولا نتائج مرضية ولا مخرجات تفرح وتبهج ولا منجزات وطنية.

لقد تلقيت ممن كان قبلنا من أهل الخبرة والدراية قصة توجز لنا شيئاً عن البدايات والنهايات وواقع الحال فيما مضى وفات ولعلنا نأخذ من تجاربهم ما ينفعنا ونتوجّه بالمواهب ناحية ما نرغب ونهوى وتميل إليه نفوسنا ونبرع في إنجازه فيكون وقت العمل راحة وسعادة وهواية تمارس بمقابل فيتوافق الجهد مع الرغبات ويحصل بذلك الانسجام ولا يظهر تذمر أو تعب. إنها تتلخص في اعتراف أحد عناصر الإنتاج والقدرة البشرية أحد محصلي الخبرة والدراية والمهارة في صنعته بشطارة وهو رجل له اسمه اشتهر بجودة صنعته، رحمه الله قد رحل وطواه النسيان، ومر على رحيله سنوات وزمان حتى لم يبق من ذكراه سوى ما بقي في الذاكرة من معاناته وتأرجحه بين ما يهواه من مهنة وما يمارسه من خبرة وما بقي أيضاً من مصنوعاته الأصلية القوية. لقد كان يعمل ثلاثة أشهر في مهنة تتعبه نفسياً وعضلياً وجسمياً لكنها تمنحه المال، وكان يمارس بقية السنة في مهنة يهواها تفرحه وتسعده لكنها تسلب ما جمعه، وهو بين هذه وتلك حتى مات، أعرفه جيداً لا أتخيل حالة معدومة ولا أصور قصة موهومة. اعترف في حياته من واقع حاله ومقاله أن موهبته لم تتوافق مع تطلعاته، فصار يمارس مهاراته وخبراته لغرض الحصول على المال وتحصيله ثم يمارس هوايته وما يميل إليه بخبرة أقل أدت إلى استنزاف كل ما يجمعه، وليت الأمر يقف عند تجربة فاشلة واحدة يصحبها الندم والعزم على تجنب التكرار والعدول عن طريقها. المشكلة ليست في تجربة واحدة فشلت وتم تجاوزها لكن المشكلة أنها رافقت صاحبنا حتى مات بعد عمر طويل زاد على ثمانين سنة، عاش أيامها بين مهنتين. ويوجد في حياتنا ما يشبه الخيال، خاصة في هذه الازدواجية بين الموهبة والتطلعات أو الهوايات. هذا الرجل كان موهوباً صقل تلك الموهبة بخبرات متوالية مع إجادة تامة لحرفته حيث يعمل في الحدادة، كان يصنع للمزارعين المساحي والمحاش وأدوات الزراعة كلها بل وبرع في حرفة النجارة حتى صار من أمهر النجارين في البلد، ولست أبالغ إن قلت إنه الوحيد فيها الذي يمكن أن يعمل بكل إتقان لكل ما يطلبه العميل. اشتهر بالصناعة المتقنة ووضع بصمة الجودة على كل صناعاته، لكنها بصمة بأحبار من سوداء ملؤها الملل والكلل وعدم الرغبة ومفارقة الراحة والسعادة. من هنا يمكن أن نضع أيدينا على سر الفشل في قنوات الإنتاج، أو لنخفف من العبارة قليلاً ونقول عدم النجاح المؤمل وبدرجة مرضية في كمية الإنتاج وتواصله بل وتسارعه، فلنلاحظ التنوع وفي الوقت نفسه وجود مثل هذا الظل المعتم. أقول صاحبنا هذا حرفي متميز يمكن أن يكون مصدر عطاء دائم متجدد لكنه لا يهوى عمله، وبالتالي فإنتاجه يتوقف قرابة السنة، ولا يزودنا بالإنتاج الجيد سوى ثلاثة أشهر، لماذا؟ لأنه لا يهوى عمله، بينما يمارس نزيفاً لمقدراته طيلة العام تقريباً أي تسعة أشهر. واليوم وفي وقت تعددت فيه المجالات والدراسات وإمكانية تحديد الإمكانات والهوايات ماذا فعلنا لكي تتوافق الهواية مع المهارة والدراية؟ فهذا يهوى التمثيل لكنه لا يقدر على القيام بأدواره لكن هوايته تتركز في هذا المحيط لا نقوى على تبديلها ولا إقناعه بتغيير ميوله، وفي الوقت نفسه هو يعمل في مجال آخر صناعي مثلاً أو زراعي لأنه توجه إليه لكسب رزقه، وتكونت لديه خبرة فيه ولا يريد تركه لأنه مصدر رزقه لكنه ليس هوايته ولا داخل تحت سقف تطلعاته فهو يمارس عملاً ونظراته بعيدة عنه، وكلما جمع من المال شيئاً توجّه لذاك الميدان الذي يرى فيه إرضاء لرغباته وربما أنشأ شركة إنتاج معتمداً على رغبة وهواية لا تستند على خبرة وركيزة أساسية من المهارة والتجارب، فصار يمارس نوعاً من التسلية وبالتالي تظهر النتائج مخيبة للآمال. وهكذا في ميدان الطب والتعليم وغير ذلك. إذاً نحن نحتاج إلى أن تتوافق فيه الموهبة والتطلعات والرغبات مع التجارب والممارسة بالإضافة إلى هوايته وميله في أن يمارس عمله، لكي نريحه ونربح أيضاً نتائج طيبة، ونضمن استمراريته في النشاط الذي اكتسب خبرة فيه. رحم الله ذاك الرجل الذي عاش عاملاً كادحاً لم يهنأ يوما بحرفة يحبها ومال تدره عليه، بل إما المال أو الهواية فتنقل بين هذه وتلك حتى رحل.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة