الرئيسية > الرياض الاقتصادي

تعليقاً على مقالة وزير الاقتصاد والتخطيط عن العملية التخطيطية

خطط التنمية جاءت بصيغ عمومية لا يكفي وجودها لوضعها موضع التطبيق


صالح السلطان

كتب وزير الاقتصاد والتخطيط خالد القصيبي مقالة في الاقتصادية يوم الاثنين 1427/10/29الموافق 2006/11/20، سلط فيها الضوء (وهنا أنقل عبارات الوزير) على جوانب مهمة تتصل بالعملية التخطيطية وما يكتنفها، منها، على سبيل المثال، منهجية التخطيط، والأسس التي تبنى عليها العملية التخطيطية، وأبعادها الزمنية، واستشرافاتها المستقبلية، والعوامل الإحصائية في التخطيط، والمراحل التي تمر بها الخطط التنموية قبل أن تتبلور في شكلها النهائي ويتم إقرارها من قبل الحكومة، والآليات التطبيقية والتنفيذية التي تعقب ذلك، والعلاقة بين ميزانيات الدولة السنوية والخطط التنموية، وآليات متابعة تنفيذ الخطة لضمان تحقيق أهدافها وغاياتها المحددة. هذه المقالة لا تهدف إلى التقليل من قيمة الجهود المشكورة التي بذلت ومازالت تبذل من قبل العاملين في وزارة التخطيط على العملية التخطيطية، وإنما تهدف إلى طرح نقاط للمناقشة، بهدف الارتقاء بالعملية التخطيطية.

الذي دفع وزير الاقتصاد لكتابة مقالته ما ذكره من وجود كتابات صحافية تنم عن اهتمام أصحابها بخطط التنمية الخمسية، لكنها كتابات لا تعكس في أحيان عدة واقع التخطيط في المملكة، ومن ثم كان المطلوب التوضيح. هذا التوضيح معبر عنه بصورة أكثر تفصيلا في خطط التنمية نفسها.

لنترك كتابات فئة من الكتاب، تكتب عما لا تعرف جيدا. هناك كتابات أخرى (وبعضها نشر في مجلات علمية)، صدرت من كاتبين لديهم معرفة ودراية بواقع التخطيط في المملكة، أو على الاقل قرأوا خطط التنمية قراءة جادة وكتبوا كتاباتهم عن علم. يفيدنا أن نقرأ تعليق مسؤولي الوزارة على هذه الكتابات، كما أن الجميع حكومة وشعبا يستفيد من التفاعل مع المرئيات والمناقشات التي تحويها تلك الكتابات

قضايا أساسية

ربما كان أول سؤال للنقاش هو عن مدى الحاجة إلى التخطيط ذي الطابع الشمولي في دولة تتبنى الاقتصاد الحر، فقد تعود العالم على ربط تخطيط السوق بالنظام الاشتراكي.

لنترك النقطة السابقة، لأنها تتطلب مناقشة طويلة ليست هذه المقالة مجالها، ونركز على ما أرى أنها قضايا أساسية لم تحصل على الاهتمام الكافي، رغم أنها ذات أثر بالغ على قدر الاستفادة من خطط التنمية، هذه القضايا هي الشمول والتفاصيل والآلية والتقييم والمراجعة والترابط بين الخطط والمالية العامة.

الشمول:

هناك ضعف واضح في مناقشة قضايا ومشاكل ذات تأثير على فعالية ونجاح جهود التنمية الاقتصادية، وعلى رأس تلك الموضوعات مواءمة البيئة المؤسسية والقانونية والاجتماعية والسياسية للتنمية الاقتصادية، ومشكلة الفساد الإداري.

التفاصيل:

خطط التنمية جاءت بصيغ عمومية، وهذه العموميات تعد بطبيعتها مجرد أفكار عامة لا يكفي وجودها هكذا لوضعها موضع التطبيق. هناك حاجة إلى مناقشات ودراسات مفصلة، للتعرف على الأوضاع والمشكلات القائمة، والخيارات المتاحة للتصرف، ودراسة التأثيرات، ثم اختيار الأنسب لأجل ترجمته في أدلة وسياسات وتقارير ولوائح مفصلة تفصيلا.

إن كل دائرة حكومية -حتى التي عبارة عن بلدية مدينة صغيرة- بحاجة إلى استراتيجية وخطة وأدلة مفصلة، قد تبلغ مئات الصفحات.

آلية التنفيذ:

الحق أن خطط التنمية تعرضت لها، إلا أنه تعرض كان بلا شك دون المطلوب. هذا النقص يشكل أحد أسباب ضعف التنفيذ، كما يشكل أحد أسباب انخفاض مستوى التنسيق بين الخطط والميزانيات العامة. وهذا يعني أن هناك حاجة ماسة لوجود أدلة مفصلة ومعدة جيدا لإجراءات وآلية التنفيذ.

المتابعة: مقارنة الخطط بالواقع تشير إلى أن متابعة تنفيذ خطط التنمية ليست في المستوى المطلوب. هناك حاجة لمتابعة حازمة مستمرة، وبصلاحيات كافية لتفعيل تأثير هذه المتابعة.

التقييم والمراجعة:

من أهم الوسائل الدالة على درجة النجاح أن تقارن المنجزات بما خطط له أن يتحقق ولكنه لم يتحقق، أو تقارن بأقصى ما يمكن تحقيقه، على أساس أن هذا الأقصى يمثل الدرجة الكبرى للنجاح. ومن الوسائل المهمة الأخرى في تقييم النجاح أن تقارن المنجزات بما حققته الدول الأخرى. الخطط بحاجة إلى مزيد عناية لقضايا التقييم. وبعد التقييم تأتي المراجعة، للتعرف على أسباب وملابسات تخلف المحقق عن المستهدف، وما يرى عمله لمعالجة الوضع. هناك حاجة إلى عمل تقارير للتقييم والمراجعة بصورة مفصلة. تداخل الأعمال

لدينا عدة منظمات (جهات) حكومية، بعضها وزارات وبعضها هيئات مستقلة، وكل منظمة مسؤولة عن قطاع أو نشاط اقتصادي بعينه، وهناك وزارة المالية، وهناك منظمة حكومية أعلى سلطة (المجلس الاقتصادي). وجود هذه الأجهزة المتعددة، إما أن يعني تداخل وازدواجية الاختصاصات والأعمال، أو يبقي مساحة وظيفية صغيرة لوزارة الاقتصاد (خارج إطار مصلحة الاحصاءات)، لا يتطلب تخصيص وزارة له.من المهم جدا معالجة هذا التضخم والتداخل الوظيفي والتنظيمي.

المالية العامة والخطط

لن يتضرر مسار التنمية الحالي، في حال أن تطلب وزارة المالية من الدوائر الحكومية تزويدها باستراتيجياتها وخططها مباشرة، وتناقش معها هذه الخطط ومن ثم اعتماداتها المالية، وهذا ما تعمله بعض الدول، حيث دمج العملان إعداد الميزانيات وإعداد الخطط في جهاز واحد، بصفة أن الميزانية هي في حقيقتها خطة لمدة سنة. وسواء حصل لدينا الدمج أو لم يحصل، فأهم من ذلك أن يعمل على تحسين أساليب إعداد الميزانية، وإدارة الانفاق العام، نظرا لأنها أقوى أداة بيد الحكومة (النفطية) في التأثير على الاقتصاد.

الحاجة إلى تطوير القائم

المناقشات السابقة تشير إلى حاجة إلى تطوير التنظيم المؤسسي القائم، وأسلوب إعداد الميزانيات والخطط.

لقد أشار الوزير القصيبي إلى التحول إلى أسلوب تخطيط البرامج. ولكن أنى لهذا الأسلوب أن ينجح بدون أن يتم تبنيه في المالية العامة للحكومة. الميزانية العامة السعودية ليست ميزانية برامج أو ميزانية أداء، والمعلومات المتاحة عن المالية العامة (مثلا موقع مؤسسة النقد) قليلة الفائدة في دراسة وتحليل سياسات المالية العامة. هناك حاجة ماسة إلى تطوير أساليب عمل الميزانية العامة وإدارة الانفاق العام.

من جهة أخرى، قد يرى أن من الأنسب إلغاء الخطط الخمسية، والاكتفاء باستراتيجيات طويلة إلى متوسطة المدى لكل قطاع ونشاط يرغب في التأثير عليه من قبل الحكومة، وهذه الاستراتيجيات تقسم إلى مراحل، ليست بالضرورة متساوية المدة، داخل أو بين القطاعات والأنشطة. بعض الدوائر الحكومية تقوم بإعداد استراتيجيات طويلة المدى، على سبيل المثال الاستراتيجية الصناعية. وفي هذا ينبغي أن يعمم هذا الأسلوب، على أن تعد كل استراتيجية بصورة مفصلة تفصيلا، كما يجب إعداد الاستراتيجيات، ضمن إطار سياسات مالية عامة تخدمها، لأن السياسات المالية (في دولة نفطية) هي أقوى أداة بيد الحكومة للتأثير على السياسة الصناعية أو أي سياسة اقتصادية أخرى. أخيرا نتطلع إلى قيام وزارة الاقتصاد بانتاج تقارير اقتصادية تحليلية عميقة وبصورة دورية ثابتة عن مختلف أوضاع الاقتصاد السعودي، يناظر مستواها التقارير الاقتصادية التي تصدرها المنظمات الدولية الكبرى كصندوق النقد الدولي، وبالله التوفيق،،

@ متخصص في الاقتصاد الكلي والمالية العامة - دكتوراه اقتصاد

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    أتمنى على جريدة الرياض أن تتبنى ندوة صحفية تجمع فيها مختصين ومسئولين في الشأن الإقتصادي بحيث تخصص لبحث ومناقشة موضوع التمنية والتخطيط الإقتصادي في المملكة.
    مع خالص الشكر للدكتور صالح السلطان على موضوعاته القيمة..
    أبو عبدالرحمن،،

    عبدالله الأحمد - زائر

    05:25 صباحاً 2006/12/01



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة