ضحايا العولة، هو عنوان كتاب جديد للمؤلف (جوزيف ستجليتز)، سنة النشر 2006، يرى فيه أن العولمة، في الأساس، هي اندماج محكم ومتزايد بين الدول والمجتمعات في العالم، وهو اندماج حدث نتيجة الانخفاض الهائل في تكلفة الانتقال والاتصالات، وانهيار الحواجز أمام تدفقات السلع والخدمات، والمعرفة عبر الحدود.
ويوضح فيه كيف أن المكونات الاقتصادية للعولمة من حركة للسلع والخدمات، وحركة رؤوس الأموال، وسياسات صندوق النقد الدولي، تعمل لصالح الأغنياء والمتنفذين، وأن الضحية لهذه السياسات هم فقراء العالم الثالث.
فعلى الرغم من قول البعض ان العولمة ساعدت على انفتاح العديد من الدول على التجارة الدولية، وتحقيق معدلات نمو سريعة، وساهمت في التقليل من الشعور بالغربة التي تعاني منها بعض الدول النامية، ومنحتهم إمكانية الوصول إلى المعرفة بقدر كبير لم يكن من اليسير الوصول إليه من قبل، وعملت على توفر السلع الضرورية بأسعار معقولة، إضافة إلى تدفق المعونة الأجنبية كأحد أهم مظاهر العولمة. إلا أنه يرى في نفس الوقت أن ثمن العولمة ونتائجها الايجابية شكلت خسائر كثيرة تفوق المكاسب. فقد دمرت البيئة وأفسدت العمليات السياسية، وكان التغيير من السرعة الأمر الذي لم يتح للبلدان فرصة التكيف الثقافي، وتبعها مشكلات التحلل الاجتماعي طويلة المدى، ابتداء من عنف المدن في أمريكا اللاتينية، إلى الصراعات العرقية في أجزاء اخرى من العالم.
ويرى أن الصين وبولندا أفلتتا من الجوانب السلبية للعولمة، ودخلتا في نظام السوق بحذر وتدرج، وبمشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص. في حين أدت سياسات الخصخصة بلا تحفظ إلى انهيارات اقتصادية واجتماعية في روسيا وشرق أوروبا ودول كثيرة في العالم. فالصين وبولندا استخدمتا استراتيجيات بديلة لتلك التي كان ينادي بها إجماع واشنطن. فكانت بولندا هي أنجح تجربة بين دول أوروبا الشرقية. أما الصين فقد حققت أسرع معدل نمو بين كل الاقتصاديات الكبرى في العالم خلال ال 20عاماً الماضية، عندما أطلقت العنان لعملية تدمير "بناءة" بإزالة الاقتصاد القديم وإنشاء اقتصاد جديد.
ولفهم العولمة، يتعين النظر إلى المؤسسات الثلاث الرئيسة التي تحكمها، وهي صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.. ويلي هذه المؤسسات، ويدور حولها، جيش من المؤسسات الأخرى التي تلعب دوراً في النظام الاقتصادي الدولي، مثل البنوك الأقليمية، ومنظمات الأمم المتحدة وعلى وجه الخصوص برنامج الأمم المتحدة الانمائي. ولكن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يظلان في قلب القضايا الاقتصادية، فقد وقع على عاتقهما المهمة الأكثر صعوبة ألا وهي تأمين الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وينتقد المؤلف صندوق النقد الدولي، حيث يرى أنه يتعامل مع اقتصادات الدول انطلاقاً من فهمه للاقتصاد الأمريكي، وهذا يجعله يقدم توصيات مضللة، ويتبع المنهج القائم (مقاس واحد يناسب الجميع) مما أدى إلى مشكلات كثيرة بسبب تطبيق هذا المنهج دون سماع وجهات النظر المختلفة، وأن سياساته أقرب إلى الاملاءات المفروضة، وكثيراً ما اعترف الصندوق بخطأ سياساته التي طبقها، مثل فرض تدابير تقشف متطرفة في شرق آسيا عام 1997، وكانت الحكومات تدرك خطورة هذه السياسة، ولكنها لم تتجرأ على معارضتها. وعلى الرغم من وجود ثمة تطبيقات مفيدة لسياسات الصندوق ، إلا أنها لم تضمن حدوث تغيرات مفيدة وعميقة، ولا حسن استخدام وإدارة الأموال، وفي كثير من الأحيان ينسحب الصندوق تاركاً البلد في حالة فقر أكثر، ومديونية أكبر، ومزيد من الثراء للصفوة الحاكمة.
ويقترح المؤلف أخيراً مجموعة من الاقتراحات الرئيسة المطلوبة لاصلاح القوى الدافعة للعولمة، مثل، الاعتراف بأخطار تحرير سوق رأس المال، واعتماد أقل على عمليات الانقاذ المالي، وتحسين تنظيم وضبط العمل المصرفي، وتحسين إدارة المخاطر التي تنشأ جراء التقلب السريع لأسعار الصرف. وأن يتحمل العالم المتقدم إذا كان الهدف تحقيق عولمة ذات بعد إنساني نصيبه من إصلاح المؤسسات الدولية التي توجه العولمة، وتجعلها في خدمة الشعوب والمجتمعات، لا سيما تلك التي الحقت العولمة بهم أضراراً كبيرة.
ما تقدم، هو جزء من تحليل المؤلف للعولمة وإيجابياتها وسلبياتها، ومن المهم معرفة موقف المملكة من العولمة. وفي رأينا أن المملكة هي في مأمن من سلبيات العولمة، وهي تقترب من موقف الصين وبولندا اللتين برهنتا - وفقاً للمؤلف - على أن هناك استراتيجيات بديلة، وأن المحيط السياسي والاجتماعي والتاريخي يختلف بالنسبة لكل بلد. وأن السياسات الاقتصادية يصممها أشخاص على صلة حقيقية بهموم بلادهم واحتياجاتها بعيداً عن النماذج النظرية الجاهزة. فالمملكة لم تتسرع كثيراً في سياسات الخصخصة، وبدأت جدياً في الاعتماد على سياسات الشراكة بين القطاع الخاص والعام، وحافظت على أهم المؤسسات المملوكة للدولة عند مفاوضات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية فلم تخضعها لسياسات التخصيص، يضاف إلى ذلك عدم الاعتماد على سياسات صندوق النقد الدولي.
@ متخصص في قانون التجارة الدولية