• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1381 أيام

سينمائيات

كولين فاريل.. بين ميامي والعالم الجديد..


رجا ساير المطيري

    تعودنا في كل أسبوع وعبر هذه المساحة أن نكتب عن عدد من الأفلام التي يربط بينها رابط موضوعي مشترك وتجمع بينها وحدة شكلية أو فكرية فيكون المقال في نهايته حصرا لنوع وشرح لحالة سينمائية محددة.. لكن في هذا الأسبوع سنقفز على عادتنا وسنتحدث عن فيلمين مختلفين تمام الاختلاف ولا يجمع بينهما أي رابط سوى أنهما من بطولة فنان واحد هو الممثل الأيرلندي الشاب (كولين فاريل)، فكان مجرد وجود اسمه، في الفيلمين، الذريعة الوحيدة التي إليها لجأنا وبها تعلّقنا لتبرير وتمرير مسألة جمعنا لهذين الفيلمين الرائعين ومن ثم الحديث عنهما في مقال واحد هو هذا المقال.. أما الفيلمان فهما فيلم (العالم الجديد) للمخرج (تيرينس ماليك) وَفيلم (ميامي فايس) للمخرج (مايكل مان).. وكلاهما، كما ذكرنا، من بطولة نجمنا الشاب (كولين فاريل)..

وقبل الحديث عن الفيلمين دعنا نقترب من (كولين فاريل) نفسه لنعرف أين ومتى بدأ مشواره السينمائي وما هي الأعمال التي صنعت نجوميته وجعلته اسماً بارزاً في سماء هوليود رغم صغر سنه إذ لم يبلغ تمام الثلاثين إلا في شهر مايو الماضي. ولد (كولين) في العاصمة الأيرلندية دبلن عام 1976وهو ابن لاعب كرة القدم المعروف (إيمون فاريل)، وقد تعلم التمثيل في مدرسة الدراما في دبلن، ثم التحق بطاقم مسلسل Ballykissangel ليظهر في أحد أجزائه عام 1996وليصيب نوعاً من النجاح قاده للمشاركة عام 1999مع المخرج (تيم روث) في الفيلم السوداوي المميز The War Zone الذي منحه دفعة قوية إلى الأمام أوصلته إلى هوليود عام 2000ليقدم منها فيلمين دفعة واحدة ومع نجوم كبار بمستوى (كيفن سبيسي) في فيلم الجريمة Ordinary Decent Criminal والمخرج (جويل شوماخر) الذي أسند له دور البطولة في فيلم Tigerland. وقد عزز (كولين) من حضوره عام 2002مع ثلاثة أفلام أبرزها فيلم (تقرير الأقلية-Minority Report) والفيلم المثير (كبينة الهاتف-Phone Booth) الذي اُعتُبر لحظة تجلّيه الأكبر في عالم السينما. وسيواصل (كولين) تميزه في السنتين اللاحقتين حتى جاء العام 2005ليقوم ببطولة فيلم (العالم الجديد-The New World) في تعاونه الأول مع المخرج الشاعر الفيلسوف (تيرينس ماليك)..

يحكي فيلم (العالم الجديد) قصة المستكشفين الأوروبيين الأوائل في رحلاتهم إلى القارة اللاتينية، العالم الجديد، البِكر، في القرن السابع عشر الميلادي. ويؤدي فيه (كولين فاريل) دور القائد الإنجليزي (سميث) الذي هام عشقاً بالأميرة (بوكاهانتس) ابنة عدوه الملك الهندي، ليدخل هو وإياها في علاقة حب عذري، عفيف، لم يكدر صفوها سوى المواجهات الحامية بين الإنجليز المستعمرين وبين الهنود السكان الأصليين، فبسببها تشتت الحبيبان وضاع الحب بين الطرفين المتخاصمين. الفيلم كما هو واضح من اسم الأميرة يرسم أحداث الأسطورة الشهيرة (بوكاهانتس) وهو لا يضيف جديداً على مستوى الحدث إذ التزم المخرج (تيرينس ماليك) بالإطار العام للحكاية محافظاً على أهم عنصر فيها وهو علاقة الحب بين القائد الإنجليزي والأميرة الهندية.. لكن الذي يجعل الفيلم مميزاً وساحراً ليس حكايته المجردة بل ذلك النَفَس الشعري الرقيق الذي صبغ الفيلم بروح السحر والجمال، فاستحال قصيدةً سينمائية تتنفس الشعر وتنفثه، وهذه روعة المخرج المتألق (تيرينس ماليك) الدائمة، فهو لا يصنع أفلامه بطريقة تقليدية، إنما بأسلوب الشاعر الرشيق الذي ينثر عاطفته بنعومة وسلاسة، وإذا كنتَ ستعثر على قبسٍ من هذه الروح الشعرية في فيلمه السابق (الخيط الأحمر الرفيع-The Thin Red Line) وأيضاً في فيلميه الرائعين (بلاد سيئة-Badlands) وَ(أيام النعيم-Days of Heaven)، فإنك ستجد تجلياً أكبر لروح الشاعر في فيلمه الأخير (العالم الجديد)، إذ اعتمد (تيرينس ماليك) على أصوات شخصياته، فجعلها تتحدث بكلام مسجوع موزون عن حالة (الحب)، كأنما تلقي قصيدة نثرية، مصحوبة بصورٍ متتالية، متدفقة، وبموسيقى جميلة، صبغت الفيلم بروح التأمل الخالص.. فهنا يكتب (تيرينس) الشعر مستخدماً الصورة، ويرسم معنى (الحب)، والأرض (الأم) الحنون، البِكر، بأسلوب ساحر يضاهي تلك الصرخة التي أطلقتها المغنية (إنيا) ومعها فرقة Enigma في أغنيتهما (العودة للبراءة) التي تحنّ إلى طهر ونقاء الإنسان الأول..

ومثل هذه الروح سترافقنا أيضاً مع فيلمنا الثاني (ميامي فايس-Miami Vice) المنتج عام 2006والذي لعب فيه (كولين فاريل) مع الممثل الأسمر (جيمي فوكس) دور عميلين في فرقة مكافحة المخدرات يندسان وسط عصابات عالمية لتهريب المخدرات بغرض النيل منهم والانتقام -من ثم- لمقتل صديقهما الشرطي الذي فقد حياته برصاص أفراد العصابات.. والفيلم بحكايته هذه لا يعدو أن يكون واحداً من أفلام العصابات والجريمة المألوفة، لكن مخرجه (مايكل مان) -صاحب الفيلم الشهير (حرارة-Heat)- تمكن من منح الفيلم قيمة أكبر حين وجه تركيزه نحو الصنعة الشكلية فرسم صورة أنيقة وبرع في تكوين المشهد بإتقان يبرز فيه تناسق الألوان وتناغمها مع بقية العناصر المكونة للمشهد.. كل مشهد.. وقد أضفت حركة الكاميرا البطيئة، الثقيلة، مزيداً من الرصانة والواقعية على الصورة، ولعل المميز فعلاً في الفيلم هو تجديد (مايكل مان) علاقته بالألوان القاتمة، وباللون الأزرق تحديداً، حيث لا تظهر لقطة دون أن يهيمن عليها هذا اللون، خاصة في مشاهد البحر، حتى أن ملامح ولاية (ميامي) الأمريكية التي اشتهرت بحرارتها وبأجوائها الصفراء الملتهبة تغيرت تماماً هنا فأصبحت باردة شاحبة بفضل هذا الأزرق الجميل.. المستحيل.. وهنا فقط تكمن روعة الفيلم، في بنائه الشكلي، الجمالي، الأمر الذي يجعل النجومية كاملةً تجير لصالح مخرج العمل (مايكل مان) وليس لأبطاله من ممثلين كالنجم (كولين فاريل).. وذات الأمر يصدق على الفيلم الآخر (العالم الجديد) الذي كانت نجوميته، كلها، من نصيب مخرجه الشاعر (تيرينس ماليك)..


حفظ طباعة استماع تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 2
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً تقييم التعليقات متاحة للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    مشكوره على هالموضوع انا حقيقة من عشاق الأفلام لكن انت تعرفي
    انه لايأتي الينا إلا بعد شهرين من ظهوره في السينماء أو أكثر
    وللأسف اقرأ عن الفلم واسمع عنه لا وأعرف القصة قبل ان اشوفه يعني كأني اشوفه معاد
    يارب يارب يفتحون هنا سينماء مللت من كثر مامررت مع الجسر مللت ورب الكعبة من اجل السينماء قطعت البحار ه

    سلطان (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:48 صباحاً 2006/11/28

  • 2

    أشكر الأستاذ رجا ساير المطيري على إتحافنا بأخبار الأفلام السينمائية الجديدة، فأنا ممن يعشون هذا المملث الإيرلندي الأصل كولين فاريل، خليفة آلا با تشينو..
    وأتمنى مثلما تمنى القارئ السباق أن نحضر السينما في بلدنا، فلعل الموعد قريب!
    ريان بن عبد الرحمن العلولا

    ريان العلولا (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:53 مساءً 2006/11/28




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات




سينمائيات

رجا ساير المطيري

الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (320) ثم الرسالة

إعلانات خيرية