تمثل المدرسة بيئة مهمة في التنشئة الاجتماعية، فالناشئة في وقتنا الحاضر يتأثرون ببيئة المدرسة بما تتضمنه من زملاء ومدرسين ومناهج مدرسية وبيئة اجتماعية اكثر من تأثرهم بالمحيط الأسري، بل اصبحت المدرسة مصدراً لاكتساب السلوكيات والافكار خاصة السلبية منها والخاطئة. ويتعاظم دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية مع تزايد التحديات والصعوبات التي تواجه الناشئة في الوقت الحاضر، فالناشئة يواجهون عددا من المشكلات الاجتماعية والنفسية التي لم تكن معهودة في السابق والتي افرزت سلوكيات وافكارا واتجاهات غريبة على المجتمع، فبينما كانت المشكلات المدرسية في السابق محدودة قد لا تتعدى المشاجرة والمضاربة بين الطلاب وسوء الفهم بين الطلاب ومدرسيهم تعقدت المشكلات في الوقت الحاضر وتعددت. ومن خلال خبرة الكاتب في الاشراف على طلاب الخدمة الاجتماعية المتدربين في المدارس لعدة سنوات يتضح تفاقم مشكلات الطلاب سنة بعد سنة حتى وصلت الى العنف واستخدام السلاح في المدارس واستخدام المخدرات ووصل الحال الى ترويج المخدرات من قبل احد الطلاب الذي قد لا يتجاوز عمره الخمسة عشر عاما في احدى المدارس المتوسطة، وتطور الامر الى الاعتداء بالسلاح كما حصل مؤخراً لاحد الطلاب من قبل زميله امام احد المدارس في مدينة الرياض. بالاضافة الى ذلك اصبح كثير من الشباب يحمل افكارا وتوجهات منحرفة وضالة، وانتشر عدم الاحترام للقيم الإسلامية وللعادات والتقاليد وعدم الاحترام للسلطة المتمثلة في رجال الامن بل والى افتقاد الهوية الثقافية والوطنية وتفكير بعض الشباب في إيذاء النفس والانتحار.
وامام ذلك فالمدارس يجب ان يكون لها دور اجتماعي وبالتحديد في عملية التنشئة الاجتماعية وفي مواجهة المشكلات الاجتماعية التي تواجه الناشئة لأنه من المؤسف ومن الخطأ ان ينظر الى المدرسة على انها مؤسسة تعليمية او حتى مؤسسة تربوية وليس كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية، حيث تركز المدارس، بوجه عام، على الدور التعليمي وتغفل الدور الاجتماعي والذي لا يقل اهمية عن الدور الاول، خاصة في هذا الوقت الذي يواجه المجتمع تغيرات كبيرة وتواجه الناشئة فيه مشكلات وتحديات عديدة، يفاقم من ذلك اضمحلال كثير من الوظائف التي كانت تقوم بها الأسرة مما يتطلب من المدارس خروجها من تقليديتها وقوقعتها حول الذات الى التفاعل مع المجتمع وقضاياه.
ان افتقاد المدارس لدورها الاجتماعي ادى الى ظهور نداءات متكررة داعية الى تضمين الخطط الدراسية مواد دراسية عديدة تسعى الى اعادة بناء شخصية الطالب كمواد لتعليم الطلاب العلاقات الاجتماعية، ودعوات أخرى لتعليمهم مهارات الحياة وثالثة عن الأسرة والزواج ورابعة عن الحوار وخامسة عن الانظمة المرورية وسادسة لتعليم الطلاب أهمية الترشيد في خدمات المياه والكهرباء والقائمة لا تنتهي. ومعنى هذا أن مدارسنا بالرغم من ان الطالب يمضي فيها من عمره على الاقل اثني عشر عاما، وهي سنوات عمرية تعد اهم مرحلة في حياة الإنسان للتعلم واكتساب الخبرات ومع ذلك لم تنجح المدارس في امداد الناشئة بالمعلومات والخبرات والمهارات التي تفيدهم وتفيد مجتمعهم وتعينهم على التأقلم مع الحياة وتساعدهم على مواجهة المشكلات الاجتماعية. كما انها لم تنجح كثيراً في صهر الاختلافات الثقافية والاجتماعية والقبلية لأفراد المجتمع في بوتقة واحدة، مما جعل انتماء البعض لمنطقتهم او قبيلتهم او طائفتهم أقوى من الانتماء الى الدين والوطن.
ان النظرة التقليدية التي تحصر العملية التعلمية في ثلاثة عناصر: المعلم والطالب والمنهج نظرة قاصرة لا تتناسب مع واقع اليوم واحتياجاته، فالعملية التعليمية في وقتنا الحاضر اصبحت اشمل واعم من ذلك فهي تتضمن بالاضافة الى الثلاثة العناصر السابقة المنهج اللاصفي والبيئة الاجتماعية كالرفقة والبيئة الطبيعية للمدرسة والادوات والاجهزة التعليمية والتنظيم المدرسي والمجتمع بنظمه ومؤسساته المختلفة، وبين هذه العناصر التسع ترابط وثيق، كما هو مبين في الشكل، وحدوث خلل في احد العناصر سيؤثر على العملية التعليمية.
ومن هنا فإن هناك حاجة ملحة للنظر الى العملية التعليمية في المدارس نظرة شمولية تأخذ في الاعتبار تلك العناصر بحيث تفي بالاحتياجات المجتمعية وتستجيب للمستجدات الاجتماعية والثقافية في مجتمعنا وتنمي المهارات الحياتية لدى الناشئة وتعمل على صهر الاختلافات الثقافية والاجتماعية والقبلية بما ينسجم مع ديننا وثقافتنا الإسلامية ويعزز وحدتنا الوطنية وان لا تبقى العملية التعليمية حبيسة أطر نظرية تحد من تفاعلها مع المجتمع ومستجداته والعلوم وتطورها. وهناك حاجة لتطوير الخطط التعليمية بما يكفل تخريج شباب ليس متسلحاً بالعلم فقط ولكن متشرب للقيم الثقافية والاجتماعية المرتكزة على الدين الإسلامي ومتمسك بالتقاليد الاجتماعية السليمة ومتحمل للمسؤولية الاجتماعية، ومدرك لدوره الأمني في المجتمع ولديه الاحساس بالانتماء الوطني، ومن الركائز المهمة في سبيل تحقيق ذلك الاهتمام بالدور الاجتماعي للمدرسة وتحقيق دور المدرسة في التنشئة الاجتماعية السليمة للطلاب والتأكيد على ان المدرسة ليست فقط مؤسسة تعليمية او تربوية ولكن مؤسسة اجتماعية. ولعل اللقاء السادس لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني والمزمع عقده في منطقة الجوف وموضعه "التعليم الواقع وسبل التطوير" والذي يلمس جانبا أساسا في المجتمع يركز على هذا المنحى الحيوي سواء في محاور اللقاءات التحضيرية ومناقشاتها او في محاور اللقاء الختامي، خاصة ان مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني عودنا على التجديد في الطرح والشفافية في العرض.
@ أستاذ الخدمة الاجتماعية
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية