يعود في المدة الأخيرة إلى مركز الساحة الخطاب عن القضاء على دولة إسرائيل. هذا اتجاه خطر، لأنه يبدو لأول مرة أن الجهات التي تريد القضاء على دولة إسرائيل تمتلك الادوات السياسية لتقديم نظريتها. منذ بدء دولة إسرائيل، وجهات عربية وإسلامية تسعى إلى تقويضها. اشترى زعماء الدول العربية قلوب الجماهير بوعود محو إسرائيل عن الخريطة.
على رغم أن مقاومة إسرائيل بقيت بمنزلة الاجماع، فانه بعد حرب 1967م كان يبدو أن التيارات الرئيسة في العالم العربي قد سلمت لوجود إسرائيل. هكذا تبين الأهداف المحدودة لمصر في حرب 1973م التي كانت تهدف إلى إعداد الأرضية للعملية السياسية.
يفسر البعض خطة مراحل منظمة التحرير الفلسطينية من 1974م كشهادة على أن المنظمة كانت مستعدة لأن تزن مصالحة مناطقية حيال ادراكها أن القضاء على إسرائيل ليس واقعياً. إن قمة "موجة البراغماتية" كانت في اعلان المبادئ، الذي كان يبدو فيه أن أعداء الصهيونية الألداء - الفلسطينيين - قبلوا وجود دولة إسرائيل. لكن عدداً من الاتجاهات أعاد الخطاب عن وجود إسرائيل إلى مركز الساحة. الانسحاب من لبنان والانتفاضة الفلسطينية احدثا الصدوع الاولى في صورة القوة الإسرائيلية. وإلى ذلك، وبرغم أن هذه لم تكن بالضرورة ايديولوجية حماس التي جاءت بها إلى السلطة، فإن وجودها في السلطة قد أسهم بالتأكيد في زيادة غلو الخطاب الفلسطيني. إن التطوير المعجل للبرنامج الذري الإيراني يبث الأمل في قلوب كثيرين بأن القضاء على إسرائيل خيار عسكري حقيقي. قد ينبع أكبر تآكل في صورة القوة الإسرائيلية، من نتائج حرب لبنان الثانية. إن هزيمة ممكنة أيضاً للولايات المتحدة في العراق ستعطي دفعة عظيمة لقوى المقاومة وتعزز توجه زيادة الغلو نحو إسرائيل.
في ظاهر الرأي، لا يوجد أي خطر في زيادة الغلو الخطابي الموجه إلى إسرائيل لأنه لا يؤثر في ميزان القوى الأساسي بين إسرائيل وأعدائها. على حسب هذا المنطق، في لبنان وفي غزة، لم تصرف إسرائيل ولا تصرف حرباً على وجودها.
لكن الدمج بين الغلو نحو إسرائيل والإرهاب يحدث مشكلة وجودية. إن عودة الجيش الإسرائيلي إلى غزة بعد أقل من سنة من الانفصال يدل على أكبر انجاز للإرهاب: تشويش جدول العمل الاستراتيجي - الوجودي لإسرائيل. أريد أن أقول أن الخطر الجديد ينبع من الاستعمال الذي تستعمله جهات متشددة للإرهاب لمنع إسرائيل من انهاء سيطرتها على الفلسطينيين وللاخلال بمبدأ الدولتين.
على رغم أن فقدان الردع وتآكل صورة القوة الإسرائيلية هما اللذان يقفان في أساس الغلو، فإنني أشك شكاً كبيراً في وجود امكانية لاعادة بنائهما في الوقت الحالي.. إن تفسير الاعداء الذين تواجههم إسرائيل لمفاهيم مثل الردع والنصر يخالف ما عرفناه في الماضي.
إن مفتاح مواجهة هذا الخطر هو السعي إلى الحفاظ على مبدأ الفصل بين إسرائيل والفلسطينيين، بمؤازرة استمرار النشاط العسكري. وهكذا مثلا من المصلحة الإسرائيلية أن تقوم السلطة الفلسطينية بأداء عملها، لانها تتلقى عن إسرائيل صلاحيات مدنية واقتصادية وتشكل حجر الزاوية للدولة الفلسطينية.
وإلى ذلك على إسرائيل أن تمتنع في نطاق النشاط في محور صلاح الدين عن الانجرار إلى وجود دائم وتفضيل نشاط تغلغلي مؤقت. إن مشاركة جهات دولية في عملية اعداد الأرضية لانشاء دولة فلسطينية سيقلل من مسؤولية إسرائيل عن الفلسطينيين وتنشئ حاجزاً بين الطرفين.
@عيران سيسون
صحيفة معاريف