سقط الابن وخياراته في العراق، فسقط حزبه في الانتخابات في أميركا. استنفر الأب وفريقه لإنقاذ الابن بعد أن تدحرجت رؤوس والحبل على الجرار والخيارات تضيق في ساحة المعركة!!
هذه هي نتيجة المغامرة الأميركية في العراق حتى الآن. لم تكن إدارة الرئيس بوش تصغي لأحد. ولم يكن وزير دفاعها العجوز دونالد رامسفيلد يطيق شركاءه في الحكومة أو في وزارة الدفاع أو في مراكز الأبحاث والتخطيط عندما يشيرون الى خطأ أو خطة أو موقف ويدعون الى تعديله. فانتهى الأمر بهم خارج الإدارة وهو ضحية، ومسلسل الفضائح يطاردهم!! والعسكر الأميركي مهزوم في العراق، يتذكر أيام فيتنام ولا مخرج إلا الخروج والهزيمة الكاملة أو البقاء والهزيمة الكارثة!!
"محور الشر" قد يصبح "محور الحل"!! الإدارة الأميركية تبدي الاستعداد لإشراك طهران ودمشق في الحوار حول الحل في العراق وضمان الأمن والاستقرار. وتقرير لجنة بايكر يشير الى ذلك. وبايكر نفسه يلتقي السفير الايراني في نيويورك. والدعوات تتزايد للانسحاب من العراق أو تنظيم اتفاق ما مع ايران. وحوار مع سوريا بالواسطة من خلال دول غربية أخرى على رأسها بريطانيا طوني بليرالحليف الأساسي للرئيس جورح بوش. ثم فجأة تراجع عن الرغبة في الحوار مع ركيزتي "محور الشر" وتراجع داخلي وخارجي في التعاطي معهما.
في السابق كانت التهديدات بتغيير النظام في دمشق. انتهت الى حديث عن تغيير سلوك. لكن ذلك لم يؤد الى نتائج. بل السياسة الأميركية في العراق هي التي غيّرت وبات الحديث اليوم عن "تغيير المسار الأميركي في العراق"!! من تغيير السلوك في دمشق انتقلنا الى تغيير مسار أميركا في العراق!! في وقت تستمر كل من دمشق وطهران على مسارهما المشترك وسلوكهما الذي لا يتغير. ويستمر الوضع في العراق متغيراً الى حدود لا توصف. مئات القتلى يومياً : بات المشهد الطبيعي، القتل الجماعي المتنقل في كل المناطق سمة الحياة اليومية في تلك البلاد الجميلة الغنية. المذابح المتنقلة هي الخطاب اليومي. السلاح والانتقام هو الكلام السائد بين الناس. والعالم يشهد كل ذلك لحظة بلحظة على شاشات التلفزة ويتعامل معه كأنه أمر طبيعي عادي!!
"والديموقراطيون" المنتصرون في وجه بوش في أميركا يهددون ويتوعدون بفتح ملفات الفضائح في التخطيط للحرب ثم في إدارتها، ثم في الإنفاق... وغيره. دون أن يكون ثمة وضوح في القرارات والخيارات، ماذا سيفعلون؟؟ والى أين يتجهون، بما يمكن أن يجعل "ارتياح" البعض الى نجاحهم يتجاوز حدود الشماتة والانتقام من جورج بوش وإدارته؟؟ فالنجاح يكمن في كيفية الخروج من هذا المستنقع دون الغرق في آخر. ولا أدري إذا كان ثمة توجهات واحتمالات وخيارات وسياسات تهدف الى ذلك حتى الآن، في ظل تشابك الأوضاع والظروف والملفات!! فهل يمكن معالجة ملف العراق اليوم في معزل عن ايران وملفها النووي أبرز العناوين في العالم والمنطقة، لأن قيادتها مصرة على إتمام الملف واعتراف العالم بها قوة نووية أساسية؟؟ وعندما تتحدث عن ايران فانت تتحدث حكماً عن الخليج وامتداداً عن سوريا وفلسطين ولبنان نظراً للحضور الايراني السياسي والأمني والمالي والديني الكبير في هذه المواقع فضلاً عن شبكة علاقاتها الدولية مع كل من يكره السياسة الأميركية وهم كثر وليس بالضرورة أن يكونوا من مؤيدي أفكار الجمهورية الاسلامية وقادتها في طهران!! إذاً هل ثمة رؤى في هذا الاتجاه للتعامل مع ايران على هذا الأساس؟؟ لا أعتقد ذلك موجوداً حتى الآن لا عند بقايا الجمهوريين وما تبقى لهم من سلطة ولا عند الديموقراطيين المتجهين مجدداً نحو السلطة. بل أرى عامل الوقت حاسماً في الصراع بين الفريقين وهو الآن يعمل لمصلحة "محور الشر" السوري - الايراني "في التعبير الأميركي - الاسرائيلي. وفي هذا الإطار فإن الصراع القائم بين مرحلة "الصعود "الديموقراطي" والسقوط "الجمهوري، يفسح المجال واسعاً أمام مناهضي السياسة الأميركية الفاشلة والغبية والحاقدة في المنطقة عموماً والعراق وفلسطين خصوصاً لتعزيز مواقعهم وتسديد ضربات محكمة وعلى هذا الأساس يجب أن نتوقع في هذا المدى الزمني الفاصل بين "الصعود" "والسقوط" تزايداً في العمليات ضد الأميركيين مباشرة في العراق. وقد تكون عمليات نوعية توقع عدداً كبيراً من القتلى ويؤسر فيها عدد من الجنود الأميركيين الأمر الذي لا يترك فرصة للديموقراطيين للصعود بارتياح والصمود بقوة ويوجه ضربات للجمهوريين وهم يسقطون فيعجلون في سقوطهم وتصبح "الإدارات" الأميركية والسياسات الأميركية أسيرة هذه الممارسات والحسابات الناجمة عنها. ولا تكون إلا أمام خيار الاعتراف بالأمر الواقع وبالتالي التراجع عن ممارسة أي ضغط على ايران وحلفائها في المحور المشترك. هذه طبيعة اللعبة هناك. والى جانب الهجوم الأمني والسياسي والدبلوماسي على هذه الساحة سوف يكون هجوم سياسي إعلامي وربما أمني في لبنان، وقد بدأ ضد الذين تعتبرهم ايران وسوريا منتجاً أميركياً اسرائيلياً وذلك في محاولة لقلب الطاولة ضد "جماعة" المحور "الأميركي - الاسرائيلي" كما يسمونهم أي الحكومة وجماعة 14آذار. ولذلك كان توقيت التصعيد السياسي والاعلامي في لبنان من قبل حلفاء سوريا وايران، والهجوم على الحكومة واتهامها ظلماً بكثير من الأمور، بعد أن صدرت مواقف من كل من طهران ودمشق تدعو الى تغيير الحكومة وتتوعد "الانهزاميين" "والمراهنين" على المشروع الأميركي الاسرائيلي لإسقاط المقاومة، وتؤكد أن هزيمة هذا المشروع ستكون مجدداً في لبنان!! إن أية قراءة لواقع المنطقة، وأية مقاربة للتطورات في لبنان والعراق يجب أن تنطلق من هذه الزاوية. أما فلسطين، فلا يستغربن أحد تركيب حكومة ما هناك وإن كانت اسرائيل ستبقى تعرقل ذلك وترفض هذه التركيبة أو تلك وآخر إبداعاتها في هذا المجال أنها ترفض محمد شبير رئيساً للحكومة ولن تتعاون معه لأنه كان رئيس جامعة تخرج إرهابيين!! كما قال عدد من المسؤولين الاسرائيليين!!
رئيس الجامعة مسؤول عن تخريج إرهابيين. والطلاب إرهابيون. والأساتذة إرهابيون. والأهل إرهابيون. والسلطة إرهابية. والقرارات إرهابية. الكل إرهابيون. إذاً لن تقوم حكومة بالمفهوم الاسرائيلي في فلسطين!! هذه هي سياسة الحقد الاسرائيلية المغطاة أميركياً. ومع ذلك سوف يعمل الفلسطينيون على استنباط أفكار وتشكيل حكومة ولو كان فيها تنازلات وتراجع عن كثير من الشعارات التي طرحت من قبل "حماس" وتمريرها ليس مرونة ايرانية أو سورية كما يعتقد البعض. السبب في ولادتها ظروف الشعب الفلسطيني كما قال رئيس الحكومة الحالي اسماعيل هنية. بين الحصار والتجويع والتعطيش والقتل المفتوح والتنازل عن الحكومة ورئاستها نختار هذا الخيار : الشعب الفلسطيني بحاجة الى هدنة. بحاجة الى نفس. لينطلق لاحقاً. لذلك الخطوة السياسية الدبلوماسية الاعلامية الحكومية الفلسطينية محكومة بظروف معينة مختلفة عن الظرفين اللبناني والعراقي دون ان يخرج بعض أركانها من التحالف مع ايران وسوريا وبالتالي ليس ثمة تناقض في هذا الأمر مع ما ذكر سابقاً.
التسوية الشاملة اليوم أفضل وأقل كلفة من أن تأتي لاحقاً في ظل هذه السياسة الأميركية الاسرائيلية. فهل يظهر شجعان في الإدارة الأميركية؟؟ يبدو الأمل ضعيفاً!!