الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، ومكور النهار على الليل، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فهذه خواطر ساطعة للعيان أردت أن تكون تذكرةً وتبصرة في طريق النجاة بعد ما أنهك الجميع هذا الكم الهائل من المتغيرات الحديثة والمتسارعة في هذه الحياة، وفي هذا الزمن بالذات؛ كيف لا وهذه الاختراعات الكبيرة والعجيبة لرقي الإنسان وتحضره نراها تستخدم لإذلاله وتبلده من بعض الفئات المحسوبة على البشر السوي!! فذاك طفل مغتصب صور وبأبشع الصور؛ وتلك فتاة فسقت ولأهلها نشر الخبر وللعهر ظهر؛ وذاك أمر جلل لم يلتفت إليه وكأنه مجرد خبر؛ فأصبح هشيما يحتضر؟! وذاك حكم ظهر تطلع الناس أن يكون فيه العبر ليرتدع ذو الوجه الغبر!! تلك والله هي الفتن التي حذرنا ربنا سبحانه وتعالى عنها حيث قال {وَاتَّقُواء فِتءنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواء مِنكُمء خَاصَّةً وَاعءلَمُواء أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الءعِقَابِ} (25) سورة الأنفال. وقد أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم بالتعوذ من الفتن كما في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه حيث قال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" رواه مسلم . وقال صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ويكثر الكذب وتتقارب الأسواق" رواه الإمام أحمد
وإني أتساءل فأقول: هل نحن أمام مرحلة إعادة إنتاج فكر آخر للناس ليتمثلوا به في حياتهم ينطوي تحته اللامبالاة!! حيث نسمع بين الفينة والأخرى مالا نسمعه في عهدنا القديم! إما لعدم كفاية الوسائل الحديثة لنقل المعلومات في ذلك الزمن أو لندرتها وصغر شأنها وهو الأقرب؛ لما تميز به العهد السابق من كثرة الخير وكثرة الداعين إليه والمجيبين له! ولكن ما نحن بصدده في هذا المقال هو : ما هو الحصن الحصين الذي ينبغي علينا معرفته وتربية أنفسنا عليه سواء كان ذلك في الجانب الشرعي، أو في الجانب المعرفي، أو في الجانب السلوكي، أو في الجانب النفسي؛ الذي يعد من أهمها بعد العلم الشرعي بلا شك، حيث ان ما نلاحظه من أحداث متلاحقة كان السبب في أكثرها الجانب النفسي الذي يصيب الشخص بسبب بعض الحالات التي لم يستطع عقله التغلب عليها ؛ مما أفرز بسببها عدة أوامر عجيبة للجسد؛ يصعب تصديقها لغرابتها ولشناعتها؛ والتي على رئسها الانتحار والعياذ بالله.
أيها الناس أنتم شهداء الله في أرضه ؟ فبم تشهدون على أنفسكم اليوم مقارنة بالعهد الماضي!؟ لماذا هذا التغير السريع؟ أم هو المسير حيث المسيل وفي أي وادي صب أنتم عنده واقفون تتلقفون؟ ألم تسمعوا بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد بعدم نزول الرماة من الجبل مهما كلف الأمر؟؟!! أي نعم فالمفارقة بعيدة؛ ففي الغزوة حرب وهنا سلام، ولكنها قريبة في ما نراه من تحول كثير من الناس عما كانوا يلتزمون به من مبادئ وعادات وقيم أخلاقية إلى ما دونها خنوعاً للملذات والشهوات الجسدية واستعجالاً لها!! ماذا نملك أغلى من ديننا وأعراضنا حتى نتسامح فيه؟ ونحن نجد من تسامح مع نفسه وأهله ومن يعول يجعل عذره المشين باسم الانفتاح وعدم التطرف ؟ أو باسم التعايش مع العالم ذي الصبغة الواحدة؟؛ فيتحلل من الأخلاق شيئا فشيئا ؟!! ألم يعلموا أن الدين واحد، والمنهج واحد، وأن اتباعه متحتم علينا مهما كلف الأمر؛ وأن التوازن في الأمور المحيطة يستلزم أن نأتي ما أحله الله لنا ونذر ما حرمه علينا إلا ما اضطررنا إليه؛ بل وفي بعض الإحكام الفقهية المتصور فيها هذا الاضطرار؛ مثل أكل الميتة لمن خاف على نفسه الهلاك ولم يجد غيرها ونحوه، لكن ليس من الاضطرار التسامح في المبادئ الأخرى؛ كالتسامح بالتقارب بين دين الله القويم الذي وصل إلينا عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم وبين من يستقي دينه من الخرافات والمريدين ونحوهم؛ والذي لا يقوم إلا على منهج السمع والطاعة فقط حتى ولو كان كفرا بواحا!
وكذلك ليس من الاضطرار أن يترك الرجل أولاده بلا حسيب أو رقيب؛ يتلقون تعليمهم ومناهجهم عبر الشاشات الوردية العاطفية؛ والسوداوية المخيفة! فهناك ثمة تهديد خطير ومستمر من الهجمات ضد المجتمع عامة والشباب خاصة؛ سواء من كان منهم متواجدا داخل البلاد أو خارجها ممن يدرسون أو يتنزهون! ومن الممكن أن يكون هناك هجمات كبيرة في الأوقات القادمة لما لمسوا من النتائج المرضية لهم ؛والمترتبة على الحملات السابقة؛ مع ضعف الأمة وهوانها في التصدي لتلك الهجمات وتحجيمها!!
أيها الأب وأيتها الأم: إنكم معنيون في التوازن بين حياتكم الراهنة وحياة أبنائكم من بعدكم؛ وذلك بالتوصل لما ترجونه منهم من خير وصلاح، فلا تحرموهم نعمة أنعمها الله بها عليكم ولا تتساهلون في تلبية مطالبهم في كل حين يبتغونه! إن الحكمة التي تخفى على كثير من الناس اليوم والتي سطرها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بقوله "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" - رواه الإمام أحمد، وأبو داود - لتوضح المنهج الحصين والمتوازن في حياتنا؛ حيث يتجلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللين والرفق ثم العقاب لمن يأبى اللين ويخالف الفطرة، مع البعد عن أسباب الفتنة والشر ببعد الأبناء عنها ليظهر لنا حكما عالية في السمو منها:
التناسب بين اللين والعقاب؛ وأن أحدهما متعلق بالآخر، وهذا في مجال الحياة كلها، وإنما كان في الأولاد على سبيل المثال؛ انظر إلى الحدود الشرعية والعقوبات التعزيرية المقررة لحفظ الأمن.
ولهذا ينبغي أن يكون لنا حصناً حصيناً نحمي به أنفسنا ومن تحت أيدينا بعد توفيق الله عزوجل وأن يكون لبنات هذا الحصن من الآتي:
- التعرف على عقيدتنا الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة في ضوء فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم "علماً وتطبيقاً" مع التزود بالعلم الشرعي المناسب لمراحل النمو الفكري والسني لدى فئات المجتمع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى التطلع للعلم الحديث ومعرفة خباياه، فنأخذ النافع منه ونحذر الضار.
- تقوى الله سبحانه وتعالى ومحبته والخضوع له.فمحبته سبحانه تحصنك من الأكدار عند زوال أي محبوب في هذه الدنيا حيث التعلق بالله وحده فقط. وبالخضوع تتحصن بالرفعة لله وحده وبالعزة التي يفقدها من خضع لغير الله وتمثل بالهوان.
- الإبحار في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلَّم وسيرة صحبه الكرام وما لاقوا من الأذى في سبيل نصرة هذا الدين وعلى المنهج الصحيح بفهم رسولنا الكريم.
- الذود عن الاعراض ومسببات هتكها ومنها: التساهل بذهاب النساء إلى الأسواق بدون محرم وبدون ستر كاف لعدم إيذائهن من أصحاب القلوب المريضة، وكذلك عدم التساهل بإعطاء الأطفال ما يكون سبباً في هتك الستر؛ كالهاتف المزود بخاصية التصوير مثلاً والتي ربما صور أهله فأصبح سبباً لنشرها من غير قصد!! فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته.
وهذا الحصن نتوقى به الشر - بعد الله عز وجل - ونحرص على سلامة النشء من دواعي الانحراف ومسبباته . وليتضح لنا المنهج الأساسي في التربية ؛ سواء كان ذلك من الأهل لأولادهم أو من ولات أمرنا حفظهم الله ورعاهم للمجتمع عامة. فتربية أبنائنا على التوازن والوسطية هي تربية لنا في حياتنا وبعد مماتنا ببقاء الأثر كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلَّم " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ، وذكر منها: أو ولد صالح يدعو له" متفق عليه.
فنحن في الغالب لا نرى السعادة إلا إذا بعدت!! ونبكي على ماضينا ولا نعالج حاضرنا؛ فنخسر الحاضر بتحسرنا على الماضي!!
أخي القارئ الكريم إن من التوازن المتقن أن تحذر ولا تتعطل؛ وأن تعقلها وتتوكل؛ فلا تغلب جانب الخوف فتضعف الموارد والإنتاجية لديك، ولا تغلب جانب التساهل فتقع في المحذور فتندم ولات ساعة مندم. فهل ترى أن هناك أفضل من هذا التوازن وهذا الحصن؟.
1
اشكرك على هذه الكلمات الرائعه وهذا المقال يا د.عبد الملك..
الكثير تساهلو في الدين جهلا"منهم واصبح هناك دعاوي كثيره بطلب الدليل من الكتاب والسنه با التحليل والتحريم وخاضو الناس هذه القضايا في المجالس واستسهلو النقاش بها والكلام عنها..وكلا"يدلي بدلوه بدون ان يراعو يوما"سيسألون فيه عن كل ما تقدم..
اريج - زائر
08:10 صباحاً 2006/11/13
2
والله ما قرأت أجمل من ما ذكره فضيلة الدكتور عبدالملك
وإن كان هناك تعليق لي فأقول: الله أكبر ما أعظم المقال وما أبدعه، ولكن هل يفعل هذا المقال أم يكون مجرد مقال كتب في جريدة ونسي؟!!
أين أصحاب العقول المتميزة ليستقطبوا لنا مفكرون مثل هذا الدكتور؟
إنها والله في الصميم وبالمقاس. فلا فض قلمك ولا نعدم نحن يا غالي.
سلمان الزامل - زائر
02:32 مساءً 2006/11/13
3
المقال رائع ولا يعلى عليه ويلامس هموم الأمة
أشكرك يا دكتور على هذا الكلام الرائع ولكن ما هي الطريقة المثلى بالتعامل مع الشباب المراهق خاصة وما نلاحظه من تمرد وعناد متكرر !!!
شكري وتقديري ودعاءي لك يا دكتور عبدالملك.
عبد المجيد العمر - زائر
06:38 مساءً 2006/11/13
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة