الأحد 21 شوال 1427هـ - 12نوفمبر 2006م - العدد 14020

مسار

من يحكم عالمنا اليوم؟

د. فايز بن عبد الله الشهري

    ترى هل هي "الايديولوجيا" أم قطاع الاقتصاد، أم هو عالم السياسة ذاك الذي يتحكم في عالمنا اليوم؟ هذه بعض الجدليّات التي ما برحت تتردد ضمن سؤال أكبر يبحث فيمن يملكون مفاتيح (الشدّة والفرج) والمؤثرين في الحياة اليومية للبشر في عصر ما بعد الحداثة؟ بشكل آخر هل يمكن القول فعلا أننا نشهد نهاية الدور المؤثر للسياسيين مع وضوح مؤشرات اضمحلال تأثير الدولة الوطنية في فضاء العولمة والمنظمات عابرة الحدود؟ وحيث يبدو أن هذا هو الحال فلربما لم يعد مجديا السؤالٍ عن نسبة تأثير الخطاب السياسي الوطني والايديولوجيا المحلية في عصر الإعلام الفضائي العابر للقوميات والثقافات وانتشار ثقافة الانترنت والبريد الالكتروني؟

ونحن إذا غلّبنا أطروحات من يرى هيمنة (حكومة) الاقتصاد المعولم على حياتنا فلا بد من الإقرار بأن أهم القطاعات الاقتصادية أثّرا وتأثيرا في الميزانية الفردية والوطنية هو اقتصاد المعرفة وما يتبعه من أنشطة صناعة المعلومات، حيث تشير تقديرات أولية إلى أن حجم التجارة الالكترونية وحدها سيبلغ 211بليون دولار بنهاية عام 2006م. وإذا أضفنا إلى ذلك حجم تجارة الاتصالات وصناعة الإعلام الرقمي والصناعات المرتبطة فنحن لا نتحدث عن رقم مهول فحسب بل عن المزيد من (حكومة) وسلطة الاقتصاد الرقمي التي ستقود في نهاية الأمر- بحسب المتفائلين- إلى تعميم (الحق) في الاتصال والمعرفة عبر التقنيات الفائقة السرعة والجودة.

في جانب طريف آخر هل تملك أية حكومة في عالمنا اليوم إمكانية "التلصص" على مراسلات مواطنيها وقطاع الأعمال بقدر ما يمكن أن تفعله شركة مثل ميكروسوفت عبر بريد Hotmail أو شركة Yahoo!، باعتبار أن هاتين الشركتين تختزنان وتديران نسبة مهمة من حركة البريد الالكتروني البالغ 25بليون رسالة يوميا حول العالم. وبشكل أدق ما مدى تأثير رجل (فرد) واحد اسمه "بل غيتس" على اتصالات سكان الأرض قياسا بتأثيرات ثلثي حكومات العالم اليوم التي تملك المال والقرار والجيش والجنون أحيانا؟

أما أطروحات من يحكم وحق التقنيين في حكم العالم فقد بدأت إرهاصاتها في سنوات ما بعد الحرب الغربية الأولى خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية مع ظهور مصطلح "الحكومة التكنوقراطية". في ذلك الحين ظهرت اتجاهات فكرية قادها مجموعة من التقنيين والمهندسين الأمريكيين ثم تطورت كحركة اجتماعية شبه سياسية تحت مسمى "التحالف التقني" وضعت بعض الرؤى عن تأثير التقنية في البناء الاجتماعي لمجتمعات ما بعد الحرب. وتحت إغراءات المشهد السياسي وتجاذبات الأحزاب والمجموعات المصلحية آنذاك عدّلت الحركة من استراتيجياتها معلنة أنها منظومة اقتصادية اجتماعية. ولكن بعض أطروحات هذه الجماعة راجت في المجال السياسي فيما بعد على اثر تزايد نفوذ التقنيين في المجتمع الصناعي وبدت وكأنها شكل من أشكال التحدي للمنظومة السياسة التقليدية تحت ذريعة أن التقنيين هم الأحق في هذا العصر بإدارة المجتمع واتخذا القرارات الكبرى بشأنه.

وحيث يلخص البعض فلسفة حركة "التكنوقراط " في نظرتهم إلى أهمية إعادة بناء النظام الاقتصادي من جديد ليستند على "الوفرة" بعكس النظام الرأسمالي القائم أساسا على "الندرة، إلا أن العامل التقني يبدو اليوم بأنه الحاسم في البناء الاقتصادي والسياسي وهو ما يلتقي مع أطروحات "بيل غيتس" وغيره ممن يبشرون بالتنمية الشاملة المستدامة التي تقودها التقنية وكأنهم بذلك يتفقون مع التكنوقراطيين الجدد الذين يدفعون إلى توجيه جزء من فلسفتهم إلى مشروع سياسي أساسه العلم Science بخلاف الأشكال التقليدية للحكومات القائمة التي تنطلق من أساسات سياسية أو عقدية أو تتوجه وفق فلسفات اجتماعية قادت العالم إلى الصراعات والتخلف الاقتصادي. المشكلة أن هؤلاء لم يسألوا من يصنع أشد الأسلحة فتكا.. أليسوا هم "التكنوقراط" أنفسهم؟

@@ مسارات

قال ومضى: كيف تنجح التقنية (المتقدمة) عند من لا يحسن توظيفها إلى بالعودة إلى (الوراء).

fayez @alriyadh-np.com

6